تابعنا على لينكد إن

يمثل القادة النرجسيون معضلة للمؤسسات. فعلى الرغم من أنّهم يمثلوا أحد أهم الأصول التي تملكها المؤسسة لما لهم من قدرة على إثارة أروع الانطباعات، والمحافظة على رؤية المؤسسة، وقدرتهم على تطبيق التغيير بما يملكون من كاريزما وشخصية. حيث أظهرت الأبحاث امتلاك النرجسيين فرصاً أكبر للوصول إلى قمة الهرم الوظيفي. لكن من ناحية أخرى، يمكن لهم أن يكونوا قادة سريعي التأثر والانفجار ضد أي اقتراح يخالف رأيهم أو يشكك بدقة مقترحاتهم. إذ يميل القادة النرجسيون إلى الغرق في مستنقع من الصعوبات، والوقوع في حالات جدل مستعصية، علاوة على تناقص معدلات بقاء الموظفين في العمل معهم، لنقص قدرتهم على التعاطف وتشارك المسؤولية، فضلاً عما يحدث من جدل وارتباك ناتج عن عدم رغبتهم في التعبير المقنع عن أنفسهم. باختصار، يمكن للنرجسيين أن يكونوا أصحاب قيمة كبيرة عندما يكون التغيير أمراً حتمياً وضرورياً في المؤسسة، لكنهم مصدر إزعاج ومشاكل أكثر في باقي الأوقات.

وهنا نقترح وجود إمكانية للاحتواء والسيطرة على سلبيات النرجسية. بمعنى آخر، ماذا لو تمكنا من إعادة توجيه حب الذات عندهم ليصبح مركّزاً على مساعدة الآخرين. ماذا عن تحفيزهم ليصبحوا “المساعد الأفضل” أو “مقدم المشورة الأبرز” أو “العضو الأهم في الفريق”؟ حيث يُطلق على النرجسيين الذين يفعلون ما سبق بالنرجسيين بسبب الانتماء الاجتماعي. وهم أشخاص لديهم روح إيثاريّة عالية في تقديم المساعدة للآخرين. كما يمكن استخدام النرجسية الموجودة لدى تلك الفئة في غايات إنتاجية. وعلى الرغم من الفكرة القائلة أنّ كل النرجسيين يتحركون انطلاقاً من وجهات نظر غير واقعية ومتضخمة ومتلهفة لردود فعل إيجابية، بسبب ارتباط صورتهم تجاه أنفسهم بمساعدة الآخرين. يميل هذا النوع إلى تبادل التفويض وتبادل الموارد وتقديم الدعم في إطار المجموعة التي ينتمي لها، وذلك لدعم تصورهم حول ذاتهم كمساعدين أبطال، وهم من تحتاجهم المؤسسات. وعلى النقيض من ذلك، بيّنت الأبحاث نوع آخر من النرجسيين وهم النرجسيون الفرديون أصحاب الاعتزاز بذواتهم، الذين يركزون على تحقيق أشياء لأنفسهم في هذا العالم.

إذن، ماذا يعني هذا في الممارسة العملية؟ لقد قمنا ببعض التجارب من أجل اختبار الاختلافات السلوكية بين النرجسيين أصحاب الانتماء الاجتماعي والنرجسيين الفرديين. حيث بدأنا بقياس مستوى النرجسية عند الفرديين عبر الطلب من المشاركين الإشارة إلى اتفاقهم مع عبارات على غرار “أنا دائماً أعرف ماذا أفعل” و “وُلدت مع التفوق”. أما لقياس النرجسية عند المنتمين إلى جماعات معينة، فقد طلبنا منهم الإشارة إلى اتفاقهم مع عبارات على غرار “أنا الشخص الأكثر مساعدة الذي أعرفه” و “سأصبح شهيراً بسبب ما أقدمه لصالح الأخرين”.

وبعدها، قمنا بتجربة أُخرى مستخدمين فيها لعبة “الدكتاتور”، وفيها يحصل اللاعب على موارد، مثل مال أو حلوى، ثم يُطلب منه تقاسمها مع شريك له. إذ تتراوح احتمالات تصرّف المشاركين بين الأنانية المطلقة المتمثلة بالاحتفاظ الكامل بكل الموارد، إلى الإيجابية الاجتماعية المطلقة المتمثلة بإعطاء كل الموارد لشريكه. وقدمنا لعبة الدكتاتور ضمن مفهومين مختلفين. المفهوم الأول: محاكاة العلاقات المجتمعية، مثل تلك التي تتم مع الأهل أو الأصدقاء. أما المفهوم الثاني: محاكاة العلاقات التبادلية كتلك التي تتم بين شركاء الأعمال أو المستهلكين عندما يشترون منتجاً ما. حيث تمثل الفرق الرئيسي بين المفهوم الأول والثاني بأنّه عند تقديم خدمة في علاقة تبادلية وليست علاقة مجتمعية، فإنّ الأفراد توقعوا فيها معاملة بالمثل. على سبيل المثال، إذا طلبت من صديق لك مساعدتك على الانتقال، لن تنقطع علاقتكما إن لم تقم بدفع النقود له، وذلك لأنها علاقة مجتمعية. بل دفع النقود لصديقك يؤدي إلى احتمال الإضرار بعلاقتكما. وفي الوقت نفسه، إذا طلبت من شركة نقل مساعدتك على الانتقال، من غير المحتمل أن يقبلوا فقط بكلمة شكر.

وسعياً منا لمحاكاة العلاقات المجتمعية، طلبنا من المشاركين، تقاسم الشوكولاتة بينهم وبين شركائهم. أما في حالة محاكاة العلاقات التبادلية، طلبنا منهم تقاسم الأموال بينهم وبين شركائهم، وذلك نظراً لمعرفتنا المعتمدة على الأبحاث الحالية، أنّه في حالة تواجد المال ضمن إطار عمليات صنع القرار سيكون دليلاً على وجود علاقة تبادلية.

وفي إحدى مراحل الدراسة، زودنا المشاركين بوحدة موارد واحدة فقط من أجل تسليط الضوء على مفهوم الربح والخسارة، حيث أجبر هذا المشاركين على اتخاذ قرار واحد، إما الاحتفاظ بالمورد كاملاً وترك شريكه بلا شيء، أو تقديم كل ما لديه لشريكه والبقاء بلا شيء.

ومع تنفيذ هذا النشاط، برز نمط مثير للاهتمام. فضمن القسم الأول من اللعبة، والذي كان حول العلاقات المجتمعية، كان كلا النوعين من النرجسيين اجتماعيين للغاية وإيجابيين ومتشاركين، حيث قام 9 من أصل 10 مشاركين بتقديم الشوكولاتة لزميله. ما يدل على أنّه عندما تكون الموارد شوكولاتة فقط، يعتمد عليها النرجسيون كوسيلة مهذبة لشكر الآخرين، إذ استخدم كلا النوعين هذه الطريقة.

لكن عندما قدمنا للمشاركين المال، تصرف النرجسيون أصحاب الانتماء الاجتماعي بشكل مختلف جداً عن النرجسيين الفرديين، إذ بات الفرديون أكثر أنانية بكثير، حيث اختار 9 من أصل 10 مشاركين الاحتفاظ بالمورد لنفسهم. في حين، كان رد فعل النرجسيين المنتمين إلى جماعات معينة مختلفاً جداً مع قيام نصف المشاركين بوهب المورد لشريكه. ويُعتبر هذا أمراً إيجابياً.

بينما من أجل اختبار عواقب نرجسية أصحاب الانتماء الاجتماعي في ظروف العمل، أجرينا دراسة طويلة المدى حول فرق تدرّس ماجستير إدارة الأعمال، حيث وجدنا أنّ النرجسيين الفرديين كان لهم أثر سلبي على الفريق. حيث الفرق التي لديها مستويات نرجسية فردية أعلى كان فيها احتمالية أكبر لوجود أفراد يدّعون مكانة لا يرى باقي الفريق أنّهم يستحقونها، وهو الأمر الذي يثير الصراع ويقلل من الأداء. بينما في الوقت نسفه، تمكنت الفرق التي لديهما مستوى من النرجسية القائمة على الانتماء الاجتماعي من تلافي هذا المصير والتفوق على المجموعات التي تحتوي نسبة كبيرة من النرجسية الفردية.

أخيراً، يمكن للنرجسيين أن يكونوا كارثيين على الجماعات والمؤسسات، لأنهم يريدون كل شيء. ولكن عندما يكون النرجسيون أصحاب الانتماء المجتمعي، قد يتم تخفيف جزء كبير من الجانب السلبي للنرجسية. كما تستطيع المؤسسات بدلاً من تجنب النرجسيين بالكامل توظيف النوع المناسب منهم، إذ تشير أبحاثنا إلى أنّ في إمكان النرجسيين أصحاب الانتماء المجتمعي تقديم الأفضل من ناحية القيادة والكاريزما والرؤية علاوة على المساهمات التي تكون لتحقيق الصالح العام الأفضل.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن قيادة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz