هو يقدّم معلوماته وتعليماته بما يتناسب مع كل موظف ويساعده على التحليق في مدرسة أو يقف أمام مجموعة من الطلاب في صف دراسي. بل كان يلقي الدروس في مكتبه وأمام موظفيه الذين عملوا تحت إمرته على مدار أربعة عقود عندما كان مديراً تنفيذياً ومن ثم رئيساً تنفيذياً في بنك الشركة الهندية للتسليف والاستثمار الصناعي (ICICI). وسواءً أكان يقدّم النصائح حول كيفية التواصل مع الجهات المعنية أم يشرح أهمية الأهداف الطموحة، فإن كاماث كان يعتبر كلّ يوم بمثابة فرصة لتقديم دروس أساسية في الإدارة لمرؤوسيه المباشرين بما يتناسب واحتياجاتهم الشخصية. ومع مرور الوقت، أسهمت هذه المقاربة في تحويل الشركة إلى منارة مليئة بأصحاب المواهب القيادية، الأمر الذي سرّع في نموّها. وقد أصبح البنك واحداً من أكبر بنوك الهند وأكثرها ابتكاراً، وقد نُسب الفضل إلى كاماث في كونه نموذجاً يُحتذى به لجيل كامل من المدراء التنفيذيين في القطاع المصرفي في البلاد.

لقد أمضيتُ أكثر من عشر سنوات من عمري في دراسة شخصيات قيادية عالمية المستوى من طراز كاماث لكي أحدّد الأشياء التي تجعل هؤلاء الأشخاص يتميّزون عن القادة العاديين. وإحدى المفاجآت التي ظهرت كانت مدى تأكيد هؤلاء المدراء المتميّزين على التوجيه المكثف والشخصي لمرؤوسيهم المباشرين في سياق العمل اليومي. وكان المتخصصون في علم النفس المعرفي والمعلمون والاستشاريون التربويون قد أقرّوا، ومنذ زمن طويل، بقيمة هذا النوع من التعليم المفصّل وفقاً لاحتياجات الطالب: فهو لا يعزّز الكفاءة أو الامتثال فحسب، وإنما يقوّي عملية اكتساب المهارات والاستقلال، وذلك من خلال الفكر والفعل. ولكن من غير المعتاد رؤية هذا النمط من التعليم يوظّف في سياق الأعمال والشركات. وقد اكتشف أنّ معظم القادة يلجؤون إلى الممارسات الأكثر تقليدية لإدارة الموظفين وتنميتهم، مثل إجراء المراجعات الرسمية لأدائهم، وتعريفهم على الخبراء والمتخصصين، وتقديم النصائح إليهم بخصوص مسارهم المهني، والإصغاء إليهم، ومساعدتهم على التعامل مع الأجواء السائدة في المؤسسة.

ورغم أنّ بعض المدراء يجدون أنفسهم أحياناً يمارسون دور المعلّم الذي يقدّم درساً هنا ودرساً هناك، إلا أنّ قلّة من هؤلاء المدراء تفكّر في هذا الأمر مليّاً أو تتبنّاه كجزء أساسي من أسلوب عملها.

وفي المقابل، فإنّ القادة الاستثنائيين الذين دُرست أوضاعهم كانوا معلّمين بكل ما للكلمة من معنى. فقد كانوا يدأبون على قضاء الوقت مع موظفيهم في الميدان، وعلى نقل المهارات الفنية، والتكتيكات العامّة، وأساليب العمل، ودروس الحياة وعبرها إليهم. لقد كان تعليمهم هذا يأخذ الطابع غير الرسمي، وكان ينبع من صميم المهام التي بين أيديهم. أمّا أثر هذا التعليم فقد كان جلياً؛ حيث كانت فرقهم ومؤسساتهم من بين الأفضل أداءً في قطاعاتها.

لحسن الحظ، لا يحتاج التعليم بالطريقة ذاتها التي يتّبعها هؤلاء المدراء المتميّزين إلى مهارات أو تدريبات خاصّة، أو إلى الكثير من الوقت. فكل ما عليكم فعله ببساطة هو السير على خطاهم والاحتذاء بهم. حدّدوا ما الذي ستعلّمونه، ومتى ستعلّمونه، وكيف ستجعلون هذه الدروس ترسخ في الأذهان.

دروس وعبر لا تنسى


يقدّم القياديون العظماء دروسهم في مجموعة من المواضيع. لكن أفضل دروسهم – التي تُعتبر مفيدة ومناسبة جدّاً إلى الحدّ الذي يجعل مرؤوسيهم غالباً ما يطبّقونها ويتشاركونها مع غيرهم بعد مرور سنوات – غالباً ما تندرج ضمن ثلاث فئات:

الاحترافية. أخبرني أحد المدراء ممّن عملوا تحت إمرة الرئيس التنفيذي والمستثمر بيل ساندرز المتخصّص في القطاع العقاري أنّ ساندرز غالباً ما كان يقدّم النصائح حول كيفية العمل بقدر كبير من الاحترافية، فقد كان يشرح كيفية التحضير للاجتماعات بفعالية، وكيفية التعبير عن الرؤية عند محاولة بيع شيء ما، والنظر إلى القطاع من زاوية ما يمكن أن يكون عليه عوضاً عن النظر إلى وضعه الراهن فقط. كما قال تلامذة كاماث إنّه كان يريهم كيفية تقديم الإرشاد والتوجيه للمرؤوسين بطريقة مناسبة وبنّاءة – بحيث يوجهونهم وفي الوقت نفسه يحترمون استقلاليتهم. بينما روى مدراء آخرون كيف تعلّموا من قادتهم قيمة التأكيد على النزاهة والمعايير الأخلاقية الرفيعة. يقول جيف كامبيل الرئيس التنفيذي لشركة برجر كنج عن نورمان برينكر، الرجل الأسطوري في مجال الوجبات السريعة وأحد أوائل مدراء كامبيل: "لقد بدأ بالمصداقية. من الواضح أنّه كان مهتمّاً جدّاً بشعور الضيوف، وبنوعية الناس الذين كانوا يعملون معه." ويتذكّر أحد المدراء التنفيذيين الذين عملوا تحت إمرة تومي فيرست جونيور عندما كان يشغل منصب الرئيس التنفيذي لشركة المشافي الأميركية كيف كان فيرست أحياناً يلقي المحاضرات على مسامع الأطباء حول أهمية إعطاء الأولوية القصوى للمرضى، حيث كان يقول لهم: "يتمثّل واجبكم فحسب في أن تفعلوا ما تعلمتموه عندما أقسمتم اليمين. فإذا ما تلقيتم اتصالاً من مدير تجاري يشجّعكم فيه على فعل شيء ما يجانب الصواب برأيكم، ارفعوا سمّاعة الهاتف واتصلوا بي، لأننا في اليوم الذي سنبدأ فيه بفعل  ذلك سنبدأ بإغلاق المستشفيات".

أصول المهنة. قد تميلون إلى الاعتقاد بأنّ معظم القياديين الكبار يتركون مهمّة تعليم أسرار مهنتهم وأصولها وخباياها إلى الآخرين. لكنّ اللامعين من أمثال الرئيس التنفيذي السابق لصندوق التحوّط جوليان روبرتسون ومصمّم الأزياء الشهير رالف لورين كانا يدرّبان الموظفين العاملين لديهما وفقاً للطريقة ذاتها القائمة على الانضباط الشديد والتي كانا يتّبعانها بنفسيهما، وهي طريقة متجذّرة في المعرفة والخبرة الشاملتين. يقول أحد مرؤوسي روبرتسون "كان يعلم الكثير الكثير عن العديد من الشركات المختلفة إلى الحدّ الذي يجعل شخصاً غيره يشعر بالدوار". وتتذكر ميندي غروسمان، الرئيسة التنفيذية لشركة ويت ووتشرز (Weight Watchers)، والتي سبق لها أن عملت كمديرة تنفيذية في بولو رالف لورين، كيف كانت تقف إلى جانب لورين في صالات العرض وتصغي إليه وهو يشرح كيفية ضمان الأصالة والنزاهة في الأزياء سواءً كانوا "يصمّمون قميصاً لا يزيد سعره عن 24 دولاراً، أو تنوّرة يتجاوز سعرها 6 آلاف دولار". وعلى المنوال ذاته، فإنّ الموظفين الذين عملوا في شركة أوراكل تحت إمرة لاري إيليسون أشاروا إلى أنّه عندما كان يدير الشركة، كان دائماً يشارك الآخرين بمعارفه في مجال البرمجيات. أمّا جيم سينيغال، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي المتقاعد لشركة كوستكو هولسيل (Costco Wholesale)، فيتذكّر الطريقة التي كان يتّبعها رئيسه السابق، سول برايس، مؤسس برايس كلوب (Price Club)، حيث كان يحاول وبشكل روتيني بناء خبرات موظفيه في تفاصيل تجارة التجزئة: "كنّا نتعرّض للاختبار كل يوم، وإذا كان هناك شيء ما لم ينفّذ بالطريقة المناسبة، كان يبذل قصارى جهده لإخبارنا بالأسلوب الأنسب لإنجاز المطلوب".



دروس الحياة وعبرها. لا تقتصر تعاليم القادة العظماء بطبيعة الحال على الجوانب التي تخصّ العمل، بل إنّهم لا يبخلون بتقديم حكمتهم العميقة التي استقوها من الحياة. قد يبدو الأمر وكأنّهم يتجاوزون حدودهم، لكنّني اكتشفت بأنّ المدراء قد وجدوا هذا الأمر مفيداً للغاية. فعلى سبيل المثال، تذكّر أحد أطباء شركة المشافي الأميركية الذي أجرى فريق البحث مقابلة معه كيف عرض مديره السابق فيرست عليه بطاقة كان قد دوّن عليها بخطّ يده أهدافه على المدى القصير، وعلى المدى المتوسط، وعلى المدى البعيد. وفي درس لن ينساه الطبيب طوال حياته، شرح له فيرست كيف نقّح هذه الأهداف يوماً بعد يوم، وعبّر له عن تفاجئه من أنّ الكثير من الناس لم يكن يلجأ إلى ممارسة هذا الشيء.

ثمّة مثال آخر من مايك غامسون، أحد كبار نوّاب الرئيس في شركة لينكد إن، الذي قال لموقع بزنس إنسايدر إن لقاءه الأول مع الرئيس التنفيذي الجديد جيف واينر، تضمّن نقاشاً لمدّة ساعتين عن مبادئ الديانة البوذية. فقد قال غامسون إنه يريد أن يكون قائداً أكثر تعاطفاً، فسأله واينر لماذا لم يسعى إلى أن يكون شخصاً أكثر رأفة. وقد استكشفا معاً الفروقات الموجودة بين هذين المفهومين. وقد أدرك غامسون أنّ كلا النوعين من القادة يفهمان آراء الناس الآخرين ونظرتهم. لكنّ المدراء الميّالين إلى التعاطف معرّضون لخطر الانزلاق إلى أتون الحالة العاطفية في كل موقف، في حين أنّ القادة الرؤوفين هم أكثر ميلاً إلى المحافظة على هدوئهم ورباطة جأشهم ممّا يجعلهم أقدر على تقديم يد العون. وكان هذا الدرس من واينر كفيلاً بتغيير فلسفة غامسون تجاه القيادة بالكامل.

التوقيت المثالي

إنّ "التوقيت" الذي يختاره القادة لممارسة دورهم التعليمي هذا لا يقل أهمية عن الموضوع الذي يعلّمونه. فالقادة الناجحون الذين درست وضعهم لم ينتظروا موعد إجراء المراجعات الرسمية أو تقويم نهاية العام. بل كانوا يغتنمون أي فرصة لتقديم حكمتهم، وكانوا حتى يخلقون هذه الفرصة بأنفسهم.

أثناء العمل. عندما كان سينيغال يعمل مع برايس في برايس كلوب (Price Club)، كان يعلم أنّ دروس الحياة يمكن أن ترد في أيّ لحظة. وبحسب سينيغال، فإن برايس "كان يقضي ليله ونهاره في التعليم" سواء من خلال تقديم النصائح الخاصّة بتكتيكات البيع بالتجزئة، أو مناقشة السبل التي تسمح لك بأن تصبح مديراً أفضل. يقول تشيس كولمان الثالث، أحد تلامذة روبرتسون، إنّ الأخير "كان حاضراً دائماً ليعلّمك درساً ما" في كلّ مرّة كان يقابلك أو يتفاعل معك فيها حيث كان يبيّن لك "كيف تنجز الأشياء وكيف تدير شركة".

يعمل بعض القادة على ضمان تعليم مرؤوسيهم أثناء وجودهم على رأس عملهم ومزاولتهم لنشاطهم من خلال تبنّي نظام المكاتب المفتوحة التي تسمح لهم بمراقبة الموظفين وتظهر إمكانية الوصول إلى هؤلاء القادة في أي وقت، وتشجّع على الحوارات المتكرّرة. في حين يختار آخرون المكاتب ذات الطابع الأكثر تقليدية لكنّهم يتّبعون في الوقت ذاته سياسة الباب المفتوح، ويقضون الكثير من الوقت في التجوّل بين صفوف الموظفين، ما يعني أنهم يقدّمون الدروس، في أنسب وقت يسمح للموظفين باستيعاب هذه الدروس وتبنّي الحِكَمَ الواردة فيها. ومن الأمثلة الجيّدة على ذلك: انضباط برينكر الذي نقله لي كامبيل. ففي إحدى الأمسيات في المكتب، أحضر برينكر مذكرة كان كامبيل قد أرسلها مؤخراً إلى أحد أعضاء الفريق يطلب منه فيها وبقدر كبير من التفصيل اتخاذ إجراء معيّن. يقول كامبيل مستذكراً مديره بكثير من الحيوية والنشاط: "لقد نظر إلي وقال: دعني أخبرك بالفكرة التالية. في المرّة المقبلة التي ستطلب فيها من شخص مثل بيل أن يفعل شيئاً ما، حاول أن تحدّد له الهدف، ودعه يختار الطريقة الأنسب برأيه لإنجاز المطلوب. وسوف تكتشف مدى ذكائه، وما إذا كان ذكياً فعلاً أم لا. ولعلّه قد يطرح أفكاراً لم تكن لتخطر لك."

في لحظات مصطنعة. لا ينتظر القادة العظام اللحظة "المثالية" ليمارسوا فن التعليم، بل يخلقون هذه اللحظات بأنفسهم، وغالباً ما يكون ذلك من خلال اصطحاب تلامذتهم إلى خارج المكتب، إلى أماكن تتّصف بقدر أكبر من الاسترخاء، أو إلى أماكن غير معتادة. لقد كان فيرست، الطيّار المفعم بالحماسة، يدعوا الناس أحياناً إلى الصعود إلى طائرته. أمّا مدير تحرير فيلادلفيا إنكوايرير (Philadelphia Inquirer)، والذي أمضى دهراً في منصبه، فقد كان يدعو مرؤوسيه لتناول طعام العشاء ويقدّم لهم "تلميحات بسيطة" حول كيفية التعامل مع أوضاع معيّنة، كما استذكر أحد الموظفين. "لقد كانت هذه الجلسات أفضل الجلسات التي يمكنك أن تحضرها في حياتك". هذا ما قاله لي مدير آخر تلقى تدريباته على يد روبرتس. ومن جهة أخرى، اكتشف أحد المدراء التنفيذيين في بنك الشركة الهندية للتسليف والاستثمار الصناعي (ICICI) والذي كان يرافق كاماث غالباً في رحلته من العمل إلى المنزل أنّ تلك الرحلة كانت واحدة من الأوقات المفضّلة لدى مديره لممارسة هواية التعليم. فقد كان كاماث يرحّب بكل أنواع الأسئلة، وكان يطرح تأملاته بخصوص كل شيء من فلسفته في العمل إلى روحانيته الشخصية.



أمّا رينيه ريدزيبي، الطبّاخ الشهير ورائد الأعمال المتخصّص بالأطعمة، وهو الشريك في مطعم نوما في كوبنهاغن في الدنمارك، فقد كان يضفي على عملية التعليم التي تتمّ خارج أروقة مكان العمل بُعْداً متطرّفاً نوعاً ما. ففي العام 2012 نقل موظفيه جميعاً إلى لندن ليؤسس هناك منشأة مؤقتة لمدّة 10 أيام. وبعد مرور بضع سنوات، ذهب أعضاء الفريق إلى طوكيو لمدّة شهرين. وفي العام التالي انتقلوا إلى سيدني في استراليا لعشرة أسابيع، وفي 2017، أداروا منشأة مؤقتة في تولوم في المكسيك لمدّة سبعة أسابيع. وقد كان الهدف من ذلك بحسب رأي ريدزيبي هو "التعلّم من خلال استكشاف مكان مختلف والالتقاء بأشخاص جدد". وقد أخذ على عاتقه شخصياً مسؤولية ضمان توسيع كل موظف لآفاقه في مجال الطهي والطبخ. وعندما عاد إلى بلاده، قال إنه عمل مع موظفيه على "تطبيق كل هذه الأشياء الجديدة التي تعلّموها ضمن إطار روتين حياتهم اليومية".

التعليم بأسلوب الخبراء


بغضّ النظر عن التوقيت والمكان اللذين يختارهما القادة الذين درستهم لممارسة فن التعليم، إلا أنّهم كانوا أذكياء بما يكفي بحيث لم يمارسوا الوعظ بغرور أو يُغرِقوا الموظفين بمعلومات فائضة لا فائدة ترجى منها. بل لجأوا إلى التقنيات التالية والتي تراعي طبيعة الشخص المُخاطب:

تقديم التعليمات بطريقة تتوافق مع الاحتياجات. يتبنّى المعلّمون الذين يعتبرون الأبرع في عالم التدريس فلسفة تقوم على أخذ شخصية الطالب المتلقي بالحسبان بحيث يفصّلون دروسهم وفقاً لأسلوب التعلم الذي يناسب شخصية كل طالب. ويلجأ كبار القادة في عالم الأعمال إلى اتّباع الأسلوب ذاته. فهم يعلمون بأنّ كل موظف يعمل تحت إمرتهم يجب أن يُدرّس بطريقة تناسب احتياجاته الفردية، وشخصيته، ومسار تطوّره. يتذكّر مؤسس كريغزليست كريغ نيومارك كيف تلقّى هذا النوع من النصائح الهادفة من مديره السابق في الفرع المحلي لشركة آي بي إم بعد أن وقعت حادثة تصرّف فيها وكأنّه الشخص الذي يعلم كل شيء في هذه الدنيا. فقد نحّاه مديره جانباً وقال له بهدوء: " لا تصحّح أخطاء الناس عندما لا يكون الخطأ مهمّاً".

ويصف أحد كبار المدراء ممّن عملوا مع ساندرز موقفاً مشابهاً. فالرجل كان قد استعمل عبارة "يا شباب" في اجتماع هام – وناجح – مع شركاء تجاريين محتملين. بعد الاجتماع وفي جلسة على انفراد، وبّخه ساندرز على اللغة غير الرسمية التي استعملها. يقول هذا المدير: "أحاطني بذراعه وكأنّه والدي وقال لي إنه على الرغم من كون الاجتماع قد سار على ما يُرام، بيد أنّه يمكن أن يكون أفضل". ومنذ ذلك اليوم، اتخذ هذا المدير قراراً بألا يستعمل عبارة "يا شباب" من ضمن مفردات العمل.

لقد كان روبرتسون بارعاً في تقديم النصائح التي تصيب هدفها بالضبط، وكان ناجحاً عموماً في ضبط إيقاع لقاءاته وتفاعله مع مريديه وفقاً لظروفهم واحتياجاتهم. يقول كولمان: "لقد كان بارعاً جدّاً في فهم دوافع الناس، وفي دفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم من أداء. بالنسبة لبعض الناس، كان الأمر يتّخذ شكل التشجيع، وبالنسبة لآخرين، كان يفعل ذلك من خلال جعلهم يشعرون بقدر أقل من الارتياح. لقد كان يفصّل مقاربته وفقاً لما كان يعتقد بأنها الطريقة الأكثر فعالية".

الأسئلة. يلجأ بعض القادة من المتميزين إلى أسلوب سقراط في التعليم من خلال طرح أسئلة ذكية وذات صلة بالموضوع وغالباً ما يكون ذلك في إطار تعزيز تعلّمهم الشخصي أساساً. فوفقاً لأحد الزملاء في الشركة الأميركية للمشافي، فإنّ فيرست "كان دائماً يطرح أسئلة تهدف لسبر المعلومات، لكي يعلم بالضبط ما الذي يحصل. وكان يفعل ذلك ليثقّف نفسه، وليس لكي يجعلك تشعر بأنّك تفعل شيئاً مناسباً أو غير مناسب. لقد كان الأمر بمثابة مغامرة تعليمية بالنسبة له".

وكان خبير مطاعم الوجبات السريعة برينكر هو الآخر "يطرح الأسئلة دائماً". كما قال أحد المدراء التنفيذيين ممّن عملوا تحت إمرته. "ما رأيك بهذا الأمر؟ ما رأيك بتلك المسألة؟ لو كان هذا مطعمك، ما هو الشيء المختلف الذي كنت ستقوم به؟ لقد كان يسأل هذه الأسئلة ويدفع موظفيه إلى فعل الشيء ذاته. وكان يسألني: "هل تحدّثت إلى الموظفين؟ ما هي الآراء التي حصلت عليها من الزبائن؟"

ضرب مثال يُحتذى. ثمّة تكتيك قوي آخر وشائع للتعليم يتبنّاه المدراء التنفيذيون الذين درستهم، ويستعملونه إلى جانب التقنيات الأخرى التي ذكرتها، وهو التكتيك الأبسط: التصرّف كمثل أعلى يُحتذى. فقد قال آندرو غولدن، رئيس شركة الاستثمار في جامعة برينستون إن مديره السابق ديفيد سوينسن والذي كان كبير مدراء الاستثمار في جامعة ييل (Yale) كان مشهوراً بطمأنته للموظفين الجدد بأنّه سيبذل قصارى جهده لمساعدتهم ليس على التطوّر فحسب، وإنما الانتقال إلى وظائف جديدة عندما يكونون جاهزين لذلك، وهذا ما حصل بالضبط والذي سمح بدوره، لغولدن بأن يصل إلى منصبه الحالي. فقد تعلّم هو وغيره من مريدي سوينسن الاستراتيجية من خلال مراقبة طريقة سوينسن في تطبيقها، وهم يمارسونها الآن بأنفسهم. يقول غولدن: "إنها طريقة عظيمة لتوظيف الناس".

أخبرني أحد الأشخاص الذين عملوا تحت إمرة فيرست مباشرة بأنه قد تعلّم كيف "يصبح شخصاً مغامراً" بمجرّد كونه بالقرب من فيرست الذي كان "يتمتّع بقدر لا يصدّق من الإبداع الذي استعمله في بناء الشركة وتعزيز اللحمة فيها". وعلّق مدير آخر عمل مع فيرست قائلاً "كنا نستفيد من مراقبتنا لتومي بقدر استفادتنا من الإصغاء إليه. في بعض الأحيان، كل ما تحتاج إليه هو أن ترى المثال الصحيح أمام عينيك لكي تتعلّم سلوكيات جديدة".

في نهاية المطاف، يفهم القادة العظماء بأنّ قدراً مهما كان قليلاً من التعليم الشخصي الرفيع المستوى وجهاً لوجه، يمكن أن يقود إلى نتائج وعوائد عظيمة. فبوصفك مديراً، فإنك تحظى باهتمام موظفيك، وبالتالي فإن الدروس التي تعلِّمها لهم سوف تكون أكثر أهمية، وأفضل توقيتاً، وذات طابع أكثر شخصية من المحتوى أو المضمون الذي يُقدّم في البرامج التدريبية التقليدية المخصّصة للقيادة. وعندما تتبنّى دور المعلّم، فإنك بذلك تشجّع على الإخلاص، وتبثّ الطاقة في أوصال فريقك بما يدفعه إلى التطوّر والارتقاء، وتدفع أداء الشركة نحو مستويات مرموقة.

ليس التعليم مجرّد "ميزة إضافية" للمدراء الجيّدين؛ بل هو جزء لا يتجزّأ من المسؤولية. فإذا لم تكن تعلّم، فإنّك لست بالقائد الحقيقي.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!