الابتكار: ما هي الفخاخ التقليدية التي تقع الشركات فيها؟

36 دقيقة
أخطاء الشركات الشائعة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

في كل بضع سنوات، نجد الابتكار يطفو إلى السطح مجدّداً بوصفه العنصر الأساسي الذي تركّز عليه استراتيجيات النمو. وعندما يحصل ذلك، تُعاود الشركات ارتكاب أخطاء الشركات الشائعة ذاتها التي ارتكبتها في الماضي. فإليكم الطريقة التي تساعدكم في تحاشي هذه الأخطاء.

ها قد عاد الابتكار ليتصدّر جدول أعمال الشركات. لم يكن الابتكار يوماً “تقليعة” تظهر فترة ثم تختفي نهائياً، لكنه دائم التغيّر، فتارة يروج ويغدو “موضة” سائدة، وطوراً يتراجع لصبح طرازاً قديماً. وترى الشركات تعيد اكتشاف الابتكار بوصفه أحد العناصر المساعدة على النمو كل حوإلى ست سنوات (وهي تقريباً مدّة عمر جيل من المدراء). ولكننا، في غالب الأحيان، نسمع تصريحات طنّانة عن الابتكار، ليأتي التنفيذ بعدها متواضعاً ويسفر عن نتائج ضعيفة، ونجد الفِرَق المسؤولة عن الابتكار وقد ألغيت، في مسعى من الشركة لخفض التكاليف. ينجرف كل جيل من المدراء في موجة هذه الجهود الحماسية ذاتها، الرامية إلى إطلاق ذلك الشيء الجديد التالي، ثمّ يواجهون التحدّي ذاته المتمثّل في التغلّب على العوائق التي تقف في طريق الابتكار. وعلى مدى الخمس والعشرين سنة المنصرمة، قمتُ بإدارة أبحاث وقدّمت مشوراتٍ للشركات خلال أربع موجات رئيسية على الأقل من التحدّيات التنافسية التي قادت إلى انتشار الحماس للابتكار على نطاق واسع.

كانت الموجة الأولى عند بزوغ عصر المعلومات العالمية في أواخر عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، وهي حقبة شهدت دخول صناعات جديدة هدّدت بإطاحة الصناعات القديمة عن عروشها. وشكّل روّاد الأعمال والشركات المنافسة الأجنبية خطراً أحاق بالشركات الراسخة في عقر دارها. فتقنية المعلومات كانت قد بدأت تتطوّر من شاشات ضخمة وغريبة الشكل، إلى منتجات استهلاكية وكمبيوترات مكتبية، الأمر الذي جعل شركات مثل آبل كمبيوتر تحوّل مرائب وادي السيليكون إلى قاعدة جديدة لابتكار المنتجات في الولايات المتّحدة الأميركية. وقد قلّدت (IBM) نموذج آبل من خلال تطوير حاسبها الشخصي في ضواحي بوكا راتون في ولاية فلوريدا، متحرّرةً من العديد من العوائق المؤسسية. كما أن المنتجات اليابانية ذات الجودة الرفيعة، مثل جهاز الاستماع المحمول الصغير الذي مع سمّاعات الأذن (Walkman)، الذي صنعته شركة سوني، إضافة إلى سيّارات تويوتا، لم تعكس فقط تصميماً جيّداً للمُنتج، وإنما كانت أيضاً ترجمة للابتكار في عمليات التصنيع، الأمر الذي أجبر الشركات الأميركية العملاقة على تسريع وتيرة وضع برامجها الخاصّة لتوليد الأفكار الجديدة. وهنا برز الشغف ببرنامج “إدارة الجودة الشاملة.”

أمّا الموجة الثانية، فتمثّلت بالضغط لإعادة الهيكلة خلال فترة الرعب من عمليات الاستحواذ التي سادت في أواخر عقد الثمانينيات. فراحت مجموعات الاستحواذ تهاجم الشركات التقليدية، في مسعى منها للاستفادة من القيمة الكامنة في الأصول غير المستغلّة بما يكفي؛ وأصبحت “القيمة المحققة للمساهمين” هي المحرّك الدافع. وفي أوروبا، ترافقت عملية إعادة الهيكلة بخصخصة الشركات المملوكة من الدولة والتي باتت الآن معرّضة لضغوط الأسواق الرأسمالية. وظهرت البرمجيات بوصفها قوّة رئيسية تقف خلف الابتكار، بينما راح الجميع يسبّحون بحمد القيمة الاستراتيجية لتكنولوجيا المعلومات، مستشهدين، على نطاق واسع، بنظام الحجوزات في شركة أميركا إيرلاينز (American Airlines) الذي حمل اسم (Sabre) بوصفه مثالاً على ابتكار في العمليات لاقى نجاحاً كشركة منفصلة ضمن الشركة الأم. كما قامت الشركات بتأسيس أقسام للمبادرات الجديدة لتضمن حصاد كل القيمة الممكنة من أفكارها وابتكاراتها، عوضاً عن السماح لعملاق كمايكروسوفت مثلاً بأن يخرج من أحشاء الشركة. أما الابتكارات المالية فكانت هي الصرعة والموضة الكاسحة: فرأينا استحواذات بتسهيلات إقراضية وشراء المدراء لأصول شركاتهم، ومشتقات مالية، وغيرها من أشكال إعادة الهندسة المالية، أو ما يُسمّى السوبرماركت المالي الذي شمل المصارف وكل شيء آخر تقريباً. كما أن حقبة إعادة الهيكلة تلك كانت ميّالة إلى المنتجات التي يمكنها أن تتخذ فوراً طابعاً عالمياً: فبعد أن تغلّبت جيليت (Gillette) على عرض استحواذ عدائي في أواخر عقد الثمانينيات من القرن العشرين، أطلقت، وبكل جرأة ونجاح، أنظمة سنسور إكسل (Sensor Excel) للحلاقة في مطلع تسعينيات القرن العشرين، وكان المُنتج متطابقاً في جميع أنحاء العالم مع رسالة إعلانية وحيدة.

يعلن المدراء التنفيذيون أنهم يريدون المزيد من الابتكار ولكنهم يطرحون السؤال التالي: “من غيرنا يقوم بذلك؟”.

أمّا الموجة الثالثة، فقد تمثّلت في الهستيريا الرقمية لعقد التسعينيات. وقد قاد هذا الوعد (والتهديد) الذي حملته الشبكة العنكبوتية العالمية العديد من الشركات الراسخة إلى البحث عن نماذج تجارية جديدة تماماً. وباتت الشركات التي تمتلك مقرّات مشيدة بالاسمنت والحجارة معرّضة للانقراض، ممّا جعل العديد منها يندفع من فوره لإنشاء أقسام خاصة بالإنترنت قائمة بذاتها، ولا رابط بينها وبين عمل الشركة الأساسي، لا بل كان هناك أحياناً تضارب بين الاثنين. وشخصت الأبصار إلى أسواق رأس المال عوضاً عن الزبائن، وباتت الشركات غنيّة دون أرباح أو إيرادات. فاشترت (AOL) تايم وورنر (Time Warner)، ووضعت اسمها أولاً في الاسم الجديد للشركة، ومضت قدماً في تدمير القيمة عوضاً عن الابتكار.

أمّا الموجة الحالية من الابتكار، فقد بدأت بمزاج أكثر تعقلاً ورصانة، إذ تلت انهيار شركات الإنترنت (التي عرفت بالإنكليزية باسم (dot-com) نسبة إلى اسم النطاق المُستخدم في عناوين مواقع الإنترنت)، وعمليات شد الأحزمة بسبب حالة الركود الاقتصادي العالمي. وبعد أن أدركت الشركات محدودية قدرة الاستحواذات، وباتت أكثر تشكّكاً بخصوص الطفرة التكنولوجية، أعادت التركيز على النمو العضوي الذاتي. وقد قامت الشركات العملاقة التي حافظت على بقائها، مثل جنرال إلكتريك و(IBM)، بتبني التكنولوجيا بوصفها عنصراً أساسياً في عملها. فشركة مثل جنرال إلكتريك ملتزمة بتحقيق معدّل نمو برقم من خانتين من ضمن الشركة ذاتها. أمّا (IBM) فتسعى إلى الابتكار من خلال التصدّي للمشاكل الاجتماعية الصعبة التي تتطلّب حلولَها التكنولوجية، وتُبرز القدرات التي تتمتّع بها حلول كهذه. ومن الأمثلة الجيّدة على ذلك، ما يُسمى شبكة المجتمع العالمي (World Community Grid)، وهي منظمة غير ربحية أسستها (IBM) ومهمتها جمع الحواسب غير المستعملة من عدد كبير من الشركاء لتقديمها إلى الباحثين في مجال الإيدز وغيرهم من العلماء بحيث تمكّنهم من العمل مع مجموعات ضخمة من البيانات. وتركّز هذه الموجة من الابتكار بصورة أساسية على المنتجات الجديدة المُصمّمة لتمنح مستخدميها مزايا ووظائف جديدة تلبّي الاحتياجات الناشئة. وقد عادت أسواق الزبائن والمستهلكين لتحتل موقع الصدارة، بعد أن كانت أهواء وهواجس أخرى قد أزاحتها جانباً. فالشركات تبحث عن فئات جديدة لتعزيز أعمالها الحالية عوضاً عن طرح مبادرات كبيرة جديدة ستُقحمُها في عوالم مختلفة بالكامل. ومن الابتكارات المُميزة التي تحمل الطابع الخاص لواضعيها نجد الآيبود (iPod) من آبل، والممسحة ذات الرأس المتحرّك من شركة بروكتر آند غامبل (Procter & Gamble).

فكرة المقالة بإيجاز

تحاول معظم الشركات تقوية النمو وتعزيزه من خلال خلق منتجات وخدمات جديدة. إلا أن الكثير من الشركات، وفي مسعى منها لتحقيق الابتكار، تعيد تكرار أخطاء الشركات الشائعة ذاتها التي تحدّ من النمو.

فعلى سبيل المثال، تتبنّى بعض الشركات الاستراتيجية الخاطئة: فهم يستثمرون حصرياً في الأفكار التي يعتقدون بأنها ستصبح مدوية. فماذا تكون النتيجة؟ الأفكار الصغيرة التي كان من الممكن أن تولّد الكثير من الأرباح تُقابل بالرفض. فلسنوات عديدة، تقاعست تايم إنكوربوريتد عن تطوير منشورات جديدة: لقد أراد المدراء لأي مطبوعة ناشئة أن يحالفها ذات النجاح الذي حظيت به مجلتها ذات الجماهيرية الواسعة “بيبول.” ولم ترتفع إيرادات تايم إلا بعد أن قرّرت أن تقامر بإصدار عدد كبير من المطبوعات الجديدة.

تُخطئ شركات أخرى في الجانب المتعلّق بعملية الابتكار إذ تتسبّب بخنق هذه العملية نتيجة لإخضاعها هذه الابتكارات إلى معايير الأداء الصارمة التي يتعيّن على الأقسام الحالية اتّباعها. ففي آلايد سيغنال، توجّب على المنتجات والخدمات الجديدة المقدّمة اعتماداً على الإنترنت أن تلبّي ذات المقاييس المالية التي تلبّيها الأقسام القائمة في الشركة. ولم تكن الموازنات تحتوي على أي أموال مخصّصة للاستثمار – لذلك كان يتعيّن على المدراء الذين يعملون على تطوير الابتكارات إيجاد الأموال التي يحتاجونها بطرقهم الخاصة. فماذا كانت النتائج؟ نسخ معدّلة تعديلاً طفيفاً عن أفكار قديمة.

تجّباً للوقوع في هذه الفخاخ، تنادي كانتر بالاستفادة من دروس الماضي الفاشل وعبره وأخذها بعين الاعتبار عند الشروع في عمليات الابتكار. على سبيل المثال، حاولوا الدمج بين الابتكارات التي تعتبر بمثابة “مراهنات كبيرة” مُحتملة، والأفكار المتوسطة الواعدة، والابتكارات الإضافية المُدخلة على ما هو قائم حالياً، وحاولوا إضفاء المرونة على عمليات التخطيط، ووضع الموازنات، والمراجعات التي تطبقونها على الابتكارات.

فماذا ستكون المكافأة التي تحصلون عليها؟ ستزداد احتمالات تحوّل الأفكار الجديدة التي تنتشر في شركتكم اليوم إلى مشاريع ناجحة تدرّ عليكم الأرباح في السوق غداً.

لقد أدخلت كل موجة من موجات الابتكار هذه مفاهيم جديدة. فعلى سبيل المثال، ساعد صعود التقانة الحيوية (المعروفة أيضاً باسم التكنولوجيا الحيوية)، والتي تتّصف بإجراءات ترخيص معقّدة، في شرعنة الفكرة القائلة إنّ الشركات بوسعها تعهيد عمليات التطوير والأبحاث إلى جهات خارجية، والتعلّم من شركائها من روّاد الأعمال، أو الفكرة الأخرى القائلة إنّ شركات المنتجات الاستهلاكية يمكن أن تلجأ، فضلاً عن مختبراتها الذاتية، إلى جهات خارجية تزوّدها بالأفكار لابتكار مُنتجات جديدة. كما أن المنهجيات المتّبعة في مجال الابتكار جاءت لتعكس التغيّرات الحاصلة في الأوضاع الاقتصادية والأحداث الجيوسياسية. وإضافة إلى ذلك، غطّى الابتكار طيفاً واسعاً من الحقول يشمل التكنولوجيا، والمنتجات، والعمليات، والمبادرات التجارية الكاملة، ولكلّ منها متطلباته واشتراطاته الخاصّة به.

كيف تستفيد عملياً من أخطاء الشركات الشائعة تحديداً؟

أخطاء الشركات الشائعة الاستراتيجية

رفض الفرص التي تبدو للوهلة الأولى متناهية الصغر.

الافتراض بأن المنتجات الجديدة فقط هي الهامّة – وليس الخدمات الجديدة أو العمليات المُحسّنة.

إطلاق الكثير من التعديلات الثانوية على المنتجات الحالية بطريقة تشوّش الزبائن وتزيد حجم التعقيدات الداخلية.

العلاج: وسّعوا نطاق البحث، ووسّعوا نطاق العمل. ادعموا عدداً من “الرهانات الكبيرة” في القمّة والتي تمثّل التوجهات الواضحة للمستقبل وتحصل على نصيب الأسد من الاستثمارات. وكوّنوا أيضاً محفظة من الأفكار الواعدة المتوسطة. وأوجدوا قاعدة عريضة من الأفكار التي تُعتبر في مراحلها الأولى، أو الابتكارات الجزئية التي تسمح بالتحسين المتواصل لما هو قائم حالياً.

أخطاء الشركات الشائعة العملية

تقييد الابتكار بالضوابط المتشدّدة ذاتها التي تطبّق على الأقسام الحالية في الشركة في مجال التخطيط والموازنات والمراجعات.

مكافأة المدراء على تنفيذهم لما التزموا بتنفيذه وثنيهم عن إدخال التغييرات التي قد تقتضيها الظروف.

العلاج: زيدوا من حجم المرونة في عمليات التخطيط وأنظمة الضبط. فخصّصوا، مثلاً، مقداراً معيّناً من الأموال الاحتياطية لاستخدامها في حال ظهور فرص غير متوقّعة.

مثال

بعد أن خصّص المدراء التنفيذيون في الشبكة التلفزيونية للمملكة المتّحدة (هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)) بعض الأموال في حساب جانبي لدعم مقترحات الابتكار، استفاد أحد الموظفين الجدد من الأموال التي كانت ستذهب أصلاً إلى فيلم تدريبي جديد في الهيئة، فصنع بها حلقة تجريبية من البرنامج الكوميدي (The Office) الذي أصبح أكبر برنامج جماهيري في تاريخ الهيئة خلال عقود.

أخطاء الهيكلية والبنية

الفصل بين المشاريع الجديدة الناشئة والمشاريع القائمة والراسخة، وعزل كل منها في صومعة خاصة.

خلق طبقتين من مواطني الشركة – طبقة تضمّ من ينعمون بكل الترفيه (المبتكرون) وطبقة أخرى تضم من يتعيّن عليهم تحقيق المال لصالح الشركة (مدراء الأقسام العامّة الحالية في الشركة).

العلاج: وثّقوا العلاقات والصلات الإنسانية بين المبتكرين والموظفين الآخرين في عموم أنحاء الشركة. أقيموا المنتديات الدائمة التي تسمح بتبادل الحديث بين المبتكرين ومدراء الأقسام العامة في الشركة من أجل الترويج لعملية التعلّم المشترك بين الاثنين، ومن أجل دمج المشاريع الجديدة ضمن المؤسسة. أقيموا علاقات متداخلة ومتقاطعة – من خلال جعل ممثلين عن الأقسام العامّة في الشركة يتناوبون على الانضمام إلى مجموعات الابتكار، أو إيجاد مجالس استشارية. ابحثوا عن أناس يقودون شبكات غير رسمية تضم أفراداً من مجموعات الابتكار والمجموعات العامّة الأخرى القائمة في الشركة، وشجّعوهم على توثيق الصلات والأواصر فيما بينهم.

أخطاء الشركات الشائعة الخاصة بالمهارات

السماح للمبتكرين بالخروج من عضوية فرق الابتكار بسرعة كبيرة لا تسمح للألفة بين أعضاء الفريق بأن تترسّخ.

الافتراض بأن فرق الابتكار يجب أن تقاد من أبرع الناس في المجال التقني.

العلاج: اختاروا قادة الابتكار من بين الأشخاص الذين يتمتّعون بمهارات التواصل الشخصي القوية. فهؤلاء الناس سيحافظون على سلامة فريق الابتكار، وسيساعدون أعضاءه على  على تبنّي الأهداف الجماعية، والاستفادة من نقاط قوّة بعضهم البعض، وتبادل المعارف التي يصعب توثيقها أثناء عملية تطوير الابتكارات.

مثال

عندما أطلقت شركة ويليامز – سونوما قسم التجارة الإلكترونية الخاصّ بها والذي سجّل نجاحاً باهراً في المراحل اللاحقة، أوكلت مهمّة قيادته إلى شخص لم يكن ضليعاً بالتكنولوجيا لكنه كان قادراً على تكوين الفريق الصحيح. وقد اختار مزيجاً من الموظفين من وحدات أخرى بوسعهم أن يكونوا سفراء لمجموعاتهم السابقة، وموظفين جدداً جلبوا معهم مهارات متنوّعة.

ومع ذلك، وعلى الرغم من التغيّرات في البيئة، والتباينات بين مختلف أنماط الابتكار، إلا أن جميع موجات الحماس واجهت مُعضلات متشابهة. وتنشأ معظم هذه المعضلات من التوترات القائمة بين حماية مصادر الإيرادات المتأتية من الأعمال القائمة والتي تُعتبر أساسية للنجاح الحالي، من جهة، ودعم المفاهيم الجديدة التي قد تكون حاسمة بالنسبة للنجاح المستقبلي، من جهة أخرى. وما يُفاقم هذه التوترات هو الظاهرة المعروفة منذ أمدٍ بعيد والمتمثّلة في أن الابتكارات الهامّة تأتي غالباً من خارج القطاع، ومن خارج أروقة الشركات المعنية، ممّا يشكّل ضغطاً إضافياً على تلك الشركات للإسراع في العثور على المفهوم الكبير التالي. وبناء عليه رأينا الكثير من الأبحاث والمعلومات حول معضلات الابتكار تظهر إلى حيِّز الوجود.

لقد كان لكتب مثل: “بحثاً عن التميّز” (In Search of Excellence) لمؤلفيه توم بيترز (Tom Peters) وبوب ووترمان، و”قادة التغيير” (The Change Masters)، وهو من تأليفي، وكتاب “ريادة الأعمال ضمن الشركات” (Intrapreneuring) لمؤلفه غيفورد بينشو (Gifford Pinchot) دور كبير في دعم الابتكارات التي ظهرت في ثمانينات القرن الماضي من خلال تسليطها الضوء على أهمية تخفيف الأعباء والعوائق البيروقراطية عن كاهل المُبتكرين المُحتملين ليتمكّنوا من تطوير أفكارهم. وقد تلتها مجموعة من المؤلفات التي وثّقت صعوبة استكشاف الجديد أثناء الاستفادة من القديم، والتي انعكست في مطالبة مايكل توشمان (Michael Tushman) وتشارلز أوريللي بمؤسسات أكثر براعة في التعامل مع الأمرين معاً من خلال كتابهما “الفوز من خلال الابتكار” (Winning Through Innovation)؛ وكذلك في كتابي حول التعامل مع أشكال التوتر القائم بين التيّار العام القوي السائد في المؤسسة والتيّارات الجديدة الضعيفة الناشئة عن مجموعات الابتكار، الذي حمل عنوان “عندما يتعلّم العمالقة الرقص” (When Giants Learn to Dance)؛ وفي النتيجة الأحدث عهداً التي توصّل إليها كلايتون كريستنسن في كتابه “معضلة المُخترع” (The Innovator’s Dilemma)، مفادها أن الإصغاء إلى الزبائن الحاليين يمكن أن يثبّط عزيمة الابتكار الساعي إلى تحقيق اختراق كبير.

احذروا من خلق طبقتين مؤلفتين من مواطني الشركة – طبقة تضمّ من ينعمون بكل الترفيه، وطبقة أخرى تضم من يتعيّن عليهم العمل لتحقيق الإيرادات

ومع ذلك، وعلى الرغم من جميع هذه الأبحاث والكتب المتوفّرة، ما زلت ألاحظ لدى المدراء التنفيذيين ذلك النقصَ في الشجاعة والمعرفة الذي أضعف الموجات السابقة من الابتكار. فهم يعلنون صراحة أنهم يريدون المزيد من الابتكار ولكنهم يطرحون السؤال التالي: “من غيرنا يقوم بذلك؟” كما أنهم يزعمون أنهم يبحثون عن الأفكار الجديدة، لكنهم يسفّهون أي فكرة جديدة تُطرح عليهم. ونجد مراراً وتكراراً أن الشركات ترتكب أخطاء الشركات الشائعة التي ارتكبتها سابقاتها. فعلى سبيل المثال، في مقالة نشرتها هارفارد بزنس ريفيو عام 1983 بقلم الأستاذ في كلية هارفارد للأعمال مالكولم سولتر (Malcolm Salter)، وزملائه وحملت عنوان: “عندما تفشل مبادرات رأس المال المُخاطر في الشركات” (When Corporate Venture Capital Doesn’t Work)، أطلق المؤلفون صيحات التحذير من أن الشركات قد أخفقت في تجنّب المعضلات ذاتها التي تواجهها اليوم تقريباً: فمع استثناءات بارزة قليلة، مثل تجربتَي إنتل (Intel) ورويترز، نجد أن أقسام رأس المال المُخاطر التابعة للشركات نادراً ما خلقت قيمة هامة العمل الأساسي فيها.

إن كان من المحتّم أن ذاكرتنا المتعلقة بأحداث الماضي ستضعف، فليس من المحتّم أن نضيع دروس تلك الأحداث وعِبَرها. وفيما يلي فرصة لجمع بعض ما هو معروف عن فخاخ الابتكار وكيف يمكنكم تفادي الوقوع فيها.

أخطاء الشركات الشائعة في الاستراتيجية:

عقبات كبيرة ومجال ضيق

إن الزيادات المحتملة في الأسعار وارتفاع هوامش الأرباح تغري المدراء التنفيذيين بالبحث عن ابتكارات مدوّية مثل الآيبود، والفياغرا، ونظام الإنتاج في تويوتا. وفي طريق بحثهم هذا، ينفقون الكثير من الموارد، رغم أن الخبطات الكبيرة نادرة ولا يمكن التنبؤ بها. وفي غضون ذلك، وأثناء سعي المدراء خلف التطبيق القاتل، قد يرفضون فرصاً ربما بدت للوهلة الأولى ضئيلة جداً، بينما قد يشعر الأشخاص غير المشاركين بالمشاريع الكبيرة بالتهميش.

فلسنوات طويلة، كانت شركات المنتجات الاستهلاكية الضخمة تستبعد عادة الأفكار التي لا يمكنها ضمان إيرادات بمئات ملايين الدولارات خلال عامين. كما أن هذا الأسلوب في دراسة الأفكار ثنى الشركة عن الاستثمار في الأفكار التي لا يمكن اختبارها وقياسها باستعمال الأبحاث السوقية التقليدية، أو غير القائمة على التجربة، لصالح الأفكار التي كانت أقرب إلى الممارسات الحالية وأبعد ما تكون عن الابتكار. وفي ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، كانت شركات كبرى مثل بيلزبوري (Pillsbury)، وكويكر أوتس (Quaker Oats)، بل وحتى بروكتر آند غامبل (Procter & Gamble) (التي تُعتبر اليوم مولّدة للابتكارات) عرضةً لخطر الشركات الأصغر التي كان بمقدورها نشر المنتجات الجديدة بسرعة، قاضمةً من الحصة السوقية للشركات العملاقة. فقد تحسّرت بروكتر آند غامبل مثلاً على عدم طرح منتج جديد لتنظيف المراحيض قبل منافستِها، رغم أن مختبراتها كانت قد طوّرت تكنولوجيا مشابهة. وقد تمكنت منافستها، بالطبع، من امتلاك حصّة سوقية مهيمنة لأنها كانت السبّاقة في دخول السوق. أمّا بيلزبوري وكويكر أوتس فقد تلكّأتا أمام منافساتهما في طرح أفكار جديدة في السوق، وبسبب ضعف أدائهما، كان مصيرهما استحواذ شركات أخرى عليهما.

أمّا تايم إنكوربوريتد (Time Incorporated)، وهي القسم المسؤول عن إصدار المجلات في شركة تايم وورنر (Time Warner)، فقد ظلت، ولزمن طويل، بطيئة في تطوير منشورات جديدة لأن المدراء كانوا يريدون لأي مجلة جديدة ناشئة أن تمتلك إمكانية النمو لتصبح بشهرة مجلّاتها الأخرى مثل بيبول (People) أو سبورتس إلوستريتد (Sports Illustrated)، وهما النجاحان الأسطوريان اللذان يميّزان الشركة. وفي الفترة التي سبقت تولّي دون لوغان (Don Logan) القيادة عام 1992، لم تكن الشركة قد أصدرت أي مجلّة جديدة تقريباً. وبعد أن أدخل لوغان استراتيجية ابتكار جديدة على المجموعة المسؤولة عن إصدار المجلّات، طوّرت تايم (واشترت) ما يُقارب مئة مجلّة، الأمر الذي ضمن للشركة زيادة كبيرة جداً في الإيرادات، وتدفقات نقدية وأرباحاً. لم تلقَ كل مجلّة جديدة طرحتها المجموعة نجاحاً مدوّياً، لكن تايم كانت قد تعلّمت ما يعلمه جميع المبتكرين الناجحين: لكي تضمن المزيد من النجاحات، يجب أن تكون مستعدّاً للمجازفة بالمزيد من الإخفاقات.

وهناك خطأ آخر له علاقة بما سبقه، وهو لجوء الشركة إلى التصرّف وكأن المنتجات هي وحدها ما يهمّ، رغم أن الأفكار الجديدة التي تتضمن قدرة هائلة على إحداث التحوّلات يمكن أن تأتي من مجموعة واسعة من الوظائف الأخرى ضمن الشركة مثل الإنتاج والتسويق. فعلى سبيل المثال، واجهت شركة نسيج تصنع مواد منسوجة معقّدة مشكلة استمرت زمناً طويلاً تتمثّل في تقطّع خيوط الغزل أثناء التصنيع، الأمر الذي انعكس على تكاليف الإنتاج في الشركة، وشكّل لها عائقاً في المنافسة. وقد ظل فريق الإدارة العليا في الشركة يتحدّث عن ضرورة البحث عن ابتكارات كبيرة في الإنتاج، مثل طرح مواد جديدة تماماً. ثم انضم إلى فريق الإدارة مديرٌ تنفيذيٌ جديدٌ كان يؤمن بضرورة فتح المجال في البحث عن الابتكار أمام جميع الموظفين. وبعد اجتماع لمناقشة الحاجة إلى التغيير، اقترب من هذا المدير التنفيذي أحد أقدم العمّال في المصنع، وهو مهاجر كان قد انضم إلى الشركة في عمر الشباب ولايزال يتحدّث بلكنة ثقيلة، وطرح عليه فكرة لوضع حدّ لمشكلة التقطّع في خيوط الغزل. جرّبت الشركة هذه الطريقة ونجحت فعلاً. وعندما سئل منذ متى والفكرة موجودة في رأسه أجاب: “منذ اثنين وثلاثين عاماً”.

وعلى نحو مماثل، لما كان المدراء في كويكر أوتس مشغولين جدّاً، خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي، في إدخال تعديلات طفيفة على مكوّنات منتجاتهم، فقد فوّتت الشركة فرصاً هائلة في مجالات أخرى مثل التوزيع. فهي لم تستفِد مثلاً من متجر يركز على المُنتجات الصحية كانت تستخدمه شركة سنابيل (Snapple) للمشروبات التي استحوذت كويكر أوتس عليها. ويُضاف إلى ما سبق، الانقلاب الذي حصل في مجال التعبئة والتغليف، حيث قامت أوشن سبراي (Ocean Spray)، الشركة المصنّعة لعصير التوت البرّي، بسحب البساط من تحت أقدام أكبر شركات تصنيع العصير في أميركا (والتي شملت وقتئذ كلاً من بروكتر آند غامبل وكوكا كولا) من خلال حصولها على ترخيص حصري لمدّة 18 شهراً لطرح منتجاتها في عبوات كرتونية من تتراباك في السوق الأميركية. وكانت أوشن سبراي قد انتهجت استراتيجية أكثر مرونة من استراتيجيات منافسيها، ومن ضمنها إقامة منتديات لطرح الأفكار بغية استكشاف الابتكارات في جميع المجالات، وكانت هذه المنتديات مفتوحة أمام مشاركة أي موظف. لقد سجّلت هذه العبوات الكرتونية نجاحاً فورياً ساحقاً في أوساط الأطفال (وأهاليهم الذين كانوا يستعملونها كجزء من الوجبات الغذائية التي يحضّرونها لأطفالهم ليحملوها معهم إلى المدرسة)، وهكذا اخترقت الحصّة السوقية لأوشن سبراي عنان السماء.

كانت صناعة السيارات في أميركا، وفي مرحلة مبكّرة من تاريخها، قد كسبت ابتكاراً خارقاً من الأقسام المالية فيها: فقد فتحت عمليات بيع السيارات إلى المستهلكين بالتقسيط أسواقاً هائلة للمنتجات التي كان يقتصر اقتناؤها سابقاً على الموسرين. أمّا إنتل، فقد حقّقت أحد ابتكاراتها الخارقة في مجال التسويق: فقد عاملت رقاقات الكمبيوتر كما تُعامل رقاقات البطاطا. وبما أن إنتل هي شركة تكنولوجية، فقد كان بوسعها ترك أمر الابتكار في أيدي أقسام التطوير والأبحاث. بيد أنها لجأت إلى تسويق أحد المكوّنات مباشرة إلى المستهلكين، لتكسب بذلك قوّة هائلة بين صفوف مصنّعي الكمبيوترات الذين لم يكن أمامهم خيار سوى وضع لصاقة تحمل اسم إنتل على كل جهاز كمبيوتر كانوا يصنّعوه.

وبصورة مشابهة، لجأت سيمكس (Cemex)، وهي شركة الإسمنت المكسيكية العالمية إلى استعمال جلسات العصف الذهني على نطاق واسع من أجل توليد ابتكارات تخلق مصادر أخرى للقيمة في المنتج تجعله يتحوّل بسهولة إلى سلعة. وقد تضمنت هذه الابتكارات تمييز الإسمنت بعلامة تجارية وتغليفه وطرق تعتمد على التكنولوجيا في توصيله السريع إلى الزبائن كما لو أنه قطعة من البيتزا. وفي الوقت الذي تحظى فيه المنتجات المبتكرة لبروكتر آند غامبل، مثل الممسحة ذات الرأس المتحرّك، وأشرطة كريست Crest لتبييض الأسنان، بالاهتمام، إلا أن ابتكاراتها في وسائل الأعلام الجديدة، مثل مواقع الانترنت التفاعلية الخاصّة بالمسلسلات التلفزيونية الطويلة التي ترعاها الشركة، قد تكون أكثر قيمة حتى بالنسبة لمستقبل الشركة.

عندما تفرط الشركة في التركيز على المُنتجات، وتبدي في الوقت ذاته نفاذ صبرها تجاه عدم تحقيق الإيرادات الكافية، فإن مشكلة إضافية قد تبرز. فالطاقة الابتكارية الموجودة لدى الشركة يمكن أن تتشتت على مجموعة من المشاريع الصغيرة التي تسعى إلى تحقيق إيرادات فورية. والسيئ في الأمر هو أن هذه المشاريع قد ترفع التكاليف على المدى البعيد. صحيح أن الفشل في دعم المكاسب الصغيرة قد يعني فوات الفرص، إلا أن وجود عدد كبير من المشاريع المتنافسة يشبه نثر البذار على أرض صخرية – فهي قد تنتش، لكنها لن تتجذّر ولن تنمو لتتحوّل إلى نباتات مفيدة. فإذا لم تتجلَّ الأفكار الجديدة على شكل ابتكارات مُميّزة، بل كانت مجرّد تعديلات طفيفة في المُنتجات، فإن التوسع الناتج عن ذلك قد يتسبّب بتمييع اسم العلامة التجارية، وإرباك الزبائن، وزيادة التعقيد الداخلي، وهنا نتحدّث عن تقديم قطع البسكويت المختلفة الأحجام والنكهات عوضاً عن طرح مُنتج غذائي جديد، وهي مشكلة تواجهها شركة كرافت (Kraft) حالياً.

أخطاء الشركات الشائعة في الإجراءات:

تشدّد كبير في الضوابط

هناك مجموعة ثانية من أخطاء الشركات الشائعة التقليدية التي نراها هذه المرّة في العملية؛ وتحديداً الميل إلى تقييد الابتكار بضوابط متشدّدة للغاية – أي استعمال ذات الضوابط المطبّقة في مجال التخطيط، والموازنات، والمراجعات المُستعملة في القطاعات الحالية في الشركة. فحالة الغموض، التي تُعتبر صفة متأصّلة في عملية الابتكار، تحتّم حصول تحوّلات غير متوقعة أو تشتت في الانتباه أحياناً. والسبب الذي جعل شركة ناشئة مثل أوشن سبراي تقتنص فرصة العبوات الكرتونية من شركات العصير الأميركية الكبرى، هو أن أموال الشركات الكبرى كان قد تمّ تخصيصها لذلك العام، وكانت بحاجة إلى لجان تدرس خيار التعبئة والتغليف قبل تقديم التزامات ستحرفها عن مخططاتها.

في العام 2000، سعت آلايد سيغنال (AlliedSignal) (والمعروفة حالياً باسم هانيويل (Honeywell)) إلى طرح منتجات وخدمات تقدّم اعتماداً على الإنترنت، مستعينة بالعمليات الموجود لديها أصلاً في مجالي التخطيط الاستراتيجي ووضع الموازنات ضمن الوحدات التجارية التابعة لها. وقد طلب الرئيس التنفيذي من الأقسام تقديم أفضل الاقتراحات لديها بخصوص الابتكارات ذات الصلة بالإنترنت خلال الاجتماعات الفصلية المخصصة لمراجعة الموازنة. ورغم أن هذه المشاريع القائمة على الابتكار كانت تحظى بالأولوية، إلا أنها خضعت للمقاييس المالية المطبّقة على الأقسام التجارية الأخرى ذاتها. فالموازنات لم تكن تتضمّن أي أموال إضافية مخصّصة للاستثمار؛ وقد تعيّن على المدراء الذين يعملون على هذه الابتكارات أن يعثروا على مصادرهم الخاصّة للتمويل من الادخارات أو من خلال إجراء مناقلات داخلية. ولم تكن الأفكار التي ظهرت على كل حال سوى نسخ معدّلة عن أفكار كانت قيد الإعداد والطرح.

كما تُعتبرُ مراجعات الأداء، والمقاييس المرتبطة بها، من المجالات الخطرة الأخرى بالنسبة للابتكارات. فالشركات الراسخة لا تريد فقط وضع الخطط، بل تريد من المدراء الالتزام بهذه الخطط. وهي غالباً تكافئ الموظفين على تنفيذهم ما التزموا بتنفيذه، وتمنعهم من إدخال تغييرات بحسب مقتضى الظروف. ففي إحدى شركات المقاولات الكبيرة في مجال الصناعات الدفاعية، كان الناس يحصلون على علامات متدنّية جرّاء عدم الوفاء تماماً بما وعدوا به، حتى لو كان ما قدّموه أفضل مما وعدوا به، الأمر الذي جعلهم يقدّمون وعوداً تقلّ عمّا كان بمقدورهم فعله، ممّا أسفر في نهاية المطاف عن الحدّ من تطلّعات الموظفين وطرد الابتكار خارجاً.

في أوائل عقد التسعينيات من القرن الماضي، أنشأ بنك بوسطن (والذي بات الآن جزءاً من بنك أوف أميركا) وحدة مبتكرة أسماها بنك المجتمع الأول (First Community Bank)، وهي أول مبادرة مصرفية شاملة للتركيز على الأسواق الموجودة في قلب المدن. وقد واجهت هذه المبادرة معاناة في إقناع المدراء الآخرين في أقسام العمل المصرفي ضمن بنك بوسطن بأن مقاييس الأداء العادية، مثل الزمن المستغرق في إنجاز العملية المصرفية، ونصيب كل زبون من الربحية، لم تكن مناسبة لهذه السوق، التي تطلّبت، بين جملة أخرى من الأمور، تثقيفاً للزبائن، ناهيك عن أنها غير مناسبة لمشروع جديد ما زال بحاجة إلى الاستثمارات. وقد حاجج المدراء في تلك الأقسام بأن الفروع “التي كان أداؤها أقل من المتوقع” يجب أن تغلق أبوابها. وفي مسعى من قادة المبادرة لإنقاذ هذا الابتكار، كان يتعيّن عليهم ابتكار مقاييسهم الخاصّة بهم، والتي تستند إلى رضى الزبون وولائه، وإيجاد طرق مبتكرة لإظهار النتائج المحققة ضمن مجموعة من الفروع الموجودة ضمن قطاع معيّن، وليس ضمن كل فرع على حدة. وقد أثبتت المبادرة لاحقاً ربحيتها وأهميتها للمصرف الأم بعد أن شرع في إجراء سلسلة من عمليات الاستحواذ.

أخطاء الشركات الشائعة في البنية:

ضعف شديد في العلاقات،

وحدّة كبيرة في الانقسامات

يتمثّل النهج الأهم والأقوى في إنشاء وحدة منفصلة تكون مستقلّة عن الأعمال الرئيسية، مع وجوب بقائها في خدمة قاعدتها المندمجة في تلك الأعمال. وكان هذا هو المنطق الكامن وراء إنشاء شركة ساتورن (Saturn) كشركة مستقلة ذاتياً وتابعة لجنرال موتورز. فقد عُلِّق العمل بالقواعد المتّبعة في جنرال موتورز، ونال فريق ساتورن التشجيع على الابتكار في كل جانب من جوانب تصميم المركبة، والإنتاج، والتسويق، والمبيعات، وخدمة الزبائن. وكان الأمل يحدو جنرال موتورز أن تستعير أفضل الأفكار المنبثقة من تلك الشركة لتدمجها ضمن عملياتها. ولكن ما حصل كان مختلفاً. فبعد الإطلاق الناجح لساتورن، أعيد دمجها ضمن جنرال موتورز، وطوى النسيان الكثير من ابتكاراتها.

وخلال الوقت الذي استغرقته ساتورن كي تحقق قفزتها، كانت تويوتا – التي فضّلت التحسين المتواصل على حساب المبادرات المدوية أو إطلاق شركات جديدة مثل ساتورن– لاتزال متقدّمة على جنرال موتورز من حيث الجودة، ورضى الزبائن، والنمو في الحصة السوقية. وعلى نحو مشابه فقد حُرِّرت المدارس الدستورية في أميركا من القواعد المفروضة على نظام المدارس العامّة بحيث تتمكن من إدخال ابتكارات تجعلها نموذجاً يُحتذى في تحسين التعليم. وقد وظّفت في عملها العديد من الممارسات المُبتكرة، بما في ذلك إطالة يوم الدوام المدرسي والمناهج المركّزة، لكن ليس هناك دليل يشير إلى أن المدارس الدستورية كان لها تأثير في حث بقية المدارس الموجودة في مناطقها على إجراء تغييرات.

يمكن أن نعزو المشكلة في كلتا هاتين الحالتين إلى ضعف الارتباطات القائمة بين المشروع الجديد الناشئ والمشروع القديم الراسخ. وعندما يعمل الناس ضمن مكاتب ومشاريع منعزلة عن بعضها بعضاُ في الشركة الواحدة، فإن الشركات قد تفوّت فرص الابتكار برمّتها. وغالباً ما يكون هناك ارتباط بين الابتكارات التي تتّسم بأنها تغيّر قواعد اللعبة وعدد من الأقنية القائمة أصلاً في الشركة، أو قد تجمع هذه الابتكارات بين عناصر القدرة الحالية بطرق جديدة. ولنأخذ المثال التالي من شبكة (CBS) التي كانت يوماً أكبر شبكة تلفزيونية في العالم فضلاً عن امتلاكها لأكبر شركة تسجيل، ومع ذلك فقد فشلت في ابتكار فيديوهات الموسيقى، لتخسر بذلك هذه الفرصة لصالح (MTV). وفي أواخر عقد التسعينيات من القرن الماضي، كانت جيليت تمتلك وحدة لفراشي الأسنان هي أورال بي (Oral B)، ووحدة لصناعة الأجهزة الكهربائية هي براون (Braun)، ووحدة لإنتاج البطاريات هي دوراسيل (Duracell)، ومع ذلك تأخّرت في طرح فرشاة الأسنان التي تعمل على البطارية.

الدروس والعبر في مجال الابتكار

يُعتبر الابتكار من المحرّكات الأساسية للنمو في الشركات، لكنّ حاله دائمة التغيّر، فتارة هو “الموضة السائدة” وتارة يصبح “موضة قديمة”، ولكن مع صعود كل موجة من الحماس، يرتكب المدراء التنفيذيون أخطاء الشركات الشائعة ذاتها. ففي معظم الأحيان، يتعثّرون في جهودهم المبذولة ضمن أقسام الأبحاث والتطوير لأنهم يحاولون تحقيق التوازن الصعب بين أمرين: فهم، من جهة، بحاجة إلى حماية مصادر الإيرادات الحالية، وفي الوقت ذاته بحاجة إلى ضمان إيجاد مصادر جديدة للإيرادات. بيد أن عبارة “ريادة الأعمال في الشركات الكبيرة” ليست بالضرورة عبارة مؤلفة من مفهومين متناقضين. فالابتكار بوسعه أن يزدهر فيما لو تعلّم المدراء التنفيذيون من دروس الماضي وعبره والتي يذخر بها تاريخ قطاع الأعمال.

دروس الاستراتيجية

لا ينبغي بالضرورة أن تكون كل فكرة تخصّ ابتكاراً ما خارقة. فوجود عدد كافٍ من الابتكارات الصغيرة أو الإضافية يمكن أن يقود إلى أرباح كبيرة.

لا تركّزوا على تطوير المنتجات الجديدة فحسب: فالأفكار التي يُمكن أن تقود إلى تحوّلات كبيرة قد تأتي من أي وظيفة أو قسم، مثل التسويق، أو الإنتاج، أو المالية، أو التوزيع.

المبتكرون الناجحون يستعملون “هرماً للابتكار” يضمّ في قمّته عدداً من الرهانات الكبيرة التي تحصل على نصيب الأسد من الاستثمارات؛ ومحفظة من الأفكار الواعدة المتوسطة في

مرحلة الاختبار؛ وقاعدة عريضة

من الأفكار التي تُعتبر في مراحلها الأولى، أو الابتكارات الجزئية. ويمكن للأفكار وتأثيراتها أن تنطلق من قمّة الهرم إلى قاعدته وبالعكس.

دروس الإجراءات

الضوابط المتشدّدة تخنق الابتكار وتعوقه. كما أن إجراءات التخطيط، ووضع الموازنة، والمراجعة المطبّقة على الأقسام الحالية ستقتل روح أي جهد يسعى إلى تحقيق الابتكار.

يتعيّن على الشركات توقّع احتمال الخروج عن الخطة إذا كان الموظفون يُكافؤون ببساطة على قيامهم بما التزموا به، عوضاً عن التصرّف بحسب مقتضيات الظروف، فإن مدراءهم سيقضون على الابتكار ويطردونه من الشركة.

دروس البنية

في الوقت الذي تعمل الشركات فيه على التخفيف من الضوابط الرسمية، ينبغي عليها أن توثّق الروابط الإنسانية بين من يعملون على الابتكارات وبقية زملائهم في أنحاء الشركة.

غالباً ما يكون هناك ارتباط بين الابتكارات التي تتّسم بأنها تغيّر قواعد اللعبة وعدد من الأقنية القائمة أصلاً في الشركة، أو قد تجمع هذه الابتكارات بين عناصر القدرة الحالية بطرق جديدة.

إذا خلقت الشركات طبقتين من المواطنين ضمن الشركة – بحيث أنها تقدّم للمبتكرين قدراً أكبر من المباهج والمزايا والمكانة الرفيعة – فإن من يعملون في الأقسام الحالية سيبذلون كل جهدهم للقضاء على الابتكار.

دروس المهارات

حتى أكثر الابتكارات تقنية تحتاج إلى قادة أقوياء يمتلكون علاقات ومهارات تواصل عظيمة.

يجب أن يظل أعضاء فرق الإبداع الناجحة معاً حتى الانتهاء من تطوير الفكرة التي يعملون عليها، حتى لو كانت الشركة تستعمل منهجية في مجال تطوير المسار المهني تقتضي من الموظفين تغيير موقعهم الوظيفي بوتيرة أسرع.

بما أن الابتكارات تحتاج إلى أشخاص يمتلكون صلات واسعة مع الآخرين ويعرفون كيف يعثرون على الشركاء سواء في الأجزاء القائمة والعامّة من الشركة، أو في العالم الخارجي، فإن الابتكارات تزدهر في الثقافات التي تشجّع على التعاون.

ويزداد احتمال تفويت الشركات لفرص الابتكار أو تقييده عندما تكون الابتكارات المُحتملة بحاجة إلى الاستعانة بخبرات من صناعات مختلفة، أو دراية بتكنولوجيات مختلفة. فالمدراء في المؤسسات الراسخة قد يفشلون في فهم طبيعة الفكرة الجديدة كما أنهم قد يشعرون أنها تشكّل تهديداً لهم.

واجه مشروع الانترنت وورلد نيت (Worldnet) التابع لشركة (AT&T)، وهي الشركة المرموقة في مجال الاتصالات الدولية، هذا المزيج القاتل من الاحتمالات في أواسط عقد التسعينيات من القرن الماضي. فقد شارك المدراء من الأقسام التقليدية لخدمات الزبائن وخدمات الشركات في سلسلة من النقاشات حول ما إذا كانت وورلد نيت يجب أن تُدار كقسم منفصل له قائمة أرباحه وخسائره الخاصّة به، أو أن تُضمّ إلى قسم الشركات الحالي لتركّز بصورة أساسية على قطاع المستهلكين. ورغم أن مدراء قسم خدمات الزبائن كانوا متردّدين في التخلّي عن أي شيء، إلا أنهم وافقوا في نهاية الأمر على فصل هذا المشروع الوليد عن بقية الأقسام لحمايته من التعدّيات البيروقراطية ولإبعاده عن قياس أدائه بالمقارنة مع الأقسام الأنضج التي كانت أصلاً تولّد تدفقات نقدية هائلة عوضاً عن أن تكون بحاجة إلى الاستثمارات. ولم يساورهم أي قلق لأنهم كانوا يؤمنون بأن مزوّداً للإنترنت لن يُولّد البتّة ما يكفي من الإيرادات والأرباح.

ولكن بعد أن اكتسب المشروع الجديد زخماً كبيراً، راح يستقطب اهتماماً متنامياً. وبدأ الأشخاص المعنيون بخدمات المستهلكين ينظرون إلى احتمال توسّع هذا الابتكار الجديد للانتقال إلى تقديم خدمات المكالمات الصوتية عبر الإنترنت بوصفه تهديداً يمكن أن يقود إلى التهام قسمهم. ووضع مدراء قسم خدمات الزبائن يدهم على وورلد نيت وراحوا يقطعون عنها الماء والهواء. واستعملوها كمنصّة لبيع خدمات المكالمات الدولية الأرضية التي كانت اختصاصهم الأساسي. وصار تحديد الأسعار مشكلة ملحّة. فخدمات وورلد نيت كانت قد مُنحت مقابل أسعار منخفضة من أجل تحفيز النمو، ولاستقطاب المكاسب المتحققة من وجود شبكة واسعة من المشتركين، لكن الوحدة الأساسية لم تكن تريد تكبّد الخسائر في أي مجال من مجالات عمل الشركة. لذلك رفعت الأسعار، الأمر الذي أدّى إلى توقّف النمو في وورلد نيت وسمح لمدراء قسم خدمات الزبائن أن يعاملوا وورلد نيت بوصفها قسماً سخيفاً بطيء النمو لا يستحق استثمارات كبيرة. ولم يخصّصوا ما يكفي من الموارد لتطوير عملية النفاذ إلى الإنترنت وتكنولوجيا المكالمات الهاتفية عبر الإنترنت، ممّا حدّ من الابتكارات الهامّة في قطاع الاتصالات التي كان يمكن لشركة (AT&T) أن تكون الرائدة فيها.

وعندما يخاطب الخبراء التقنيون جمهورهم بطريقة ضبابية تجعلهم يتوهون عوضاً عن أن ينيروا لهم الدرب، فإنهم يخسرون الدعم – وكلمة «لا» هي دائماً أسهل من كلمة “نعم”.

كما أدّت الصدامات الثقافية إلى تفاقم التوترات في شركة (AT&T). فقد كان المدراء في عموم الشركة ذوي باع طويل في أنظمة الهاتف. أمّا مجموعة الإنترنت، فقد استعانت بمختصين تقنيين من خارج الشركة كانوا يتحدّثون لغة الحواسب لا لغة الهواتف.

حتى عندما يتمّ إطلاق مشروع جديد ضمن وحدة تجارية قائمة، فإن الصدامات الثقافية يمكن أن تتحوّل إلى صراع طبقي إذا كان هناك طبقتان من مواطني الشركة – طبقة من ينعمون بكل بالتسلية والترفيه، وطبقة من يعملون لتحقيق الإيرادات. فالأشخاص الذين يُنْعَتُونَ بالمُبتكرين، سواء كانوا مجموعة من العاملين في قسم الأبحاث والتطوير أو في وحدة خارجية جديدة تابعة للشركة، يُنظر إليهم على أنهم صانعو المستقبل؛ وهم متحرّرون من القواعد ومن المطالبة بتحقيق الإيرادات، ويُسمح لهم بتجريب الأفكار التي لم تُثبت نجاحها بعد. بينما يُنتظر من زملائهم التقيّد بالقواعد، والإيفاء بالمتطلبات، وتحقيق الربح في الوقت الذي يشعرون فيه وكأنهم تلامذة في المدرسة، لا بل في بعض الأحيان يقال لهم بأن أقسامهم تشبه الحيوانات المهدّدة بالانقراض، وبأن نماذج العمل التجاري التي يطبقونها على وشك الاندثار.

في مطلع الألفية الثالثة، حاولت شركة “آرو إلكترونيكس” (Arrow Electronics) اقتحام عالم الانترنت فأنشأت مشروعها (Arrow.com) الذي مُنح موظفوه مقرّاً في القسم الذي يعمل فيه فريق المبيعات التقليدي. وقد كان هذا هو التشابه الوحيد بين الاثنين.الحدّ. إذ تألفت مجموعة الإنترنت من موظفين جدد، غالبيتهم شباب ذوو خلفيات متباينة، ويرتدون شكلاً مختلفاً تماماً من الأزياء. وقد أنفقت تلك المجموعة المال على شراء فرش وثير، ومطبخ جديد بحجّة أن فريق “آرو” دوت كوم يعمل 24/7. أما فريق المبيعات التقليدي الذي كان يشعر بالقلق بسبب التهديد الذي شكّله البيع على الإنترنت لعمولاته، وقد أصبح يدرك الآن مهمة الفريق الجديد السيئة، فقد استشاط غضباً. وتزايدت العلاقات بين المجموعتين توتراً إلى درجة أن بُني جدار سميك للفصل بينهما. وقد هدر الفريقان وقتهما في الصراع، وعرّضا العلاقات مع الزبائن للخطر عندما اقتتلا على الزبائن عينهم – ففي نهاية المطاف، كان (Arrow.com) مجرّد قناة أخرى للتوزيع. وقد اضْطُرَ الرئيس التنفيذي إلى التدخّل وإيجاد هيكلية تنظيمية للربط بينهما.

الأخطاء في المهارات: ضعف كبير في القيادة وسوء بالغ في التواصل

من أخطاء الشركات الشائعة الأخرى عدم إيلاء الجانب الإنساني للابتكار ما يستحقّ من تقدير، أو الاستثمار بشكلٍ كافٍ فيه. فالمدراء يلجؤون غالباً إلى وضع أفضل الفنّيين في سدّة المسؤولية، عوضاً عن أن يضعوا فيها أفضل القادة؛ إذ يفترض هؤلاء المدراء الذين يركّزون على الأمور الفنيّة، خطأً، أن الأفكار إن كانت جيدة فهي تتحدّث عن نفسها، ويهملون لذلك التواصل الخارجي. أو قد يركّزون على المهام أكثر من تركيزهم على العلاقات، مفوّتين بذلك فرص تعزيز الأواصر والألفة بين أعضاء الفريق، وهي عناصر ضرورية لتحويل الأفكار غير المطوّرة بعد إلى ابتكارات مفيدة.

كما أن الفِرقَ التي تُؤلفُ دون إيلاء الاهتمام لمهارات التواصل الشخصي بين أعضائها، تجد صعوبة في تبنّي الأهداف الجماعية، أو الاستفادة من نقاط القوّة المتعدّدة لدى مختلف الأعضاء، أو في التواصل مع الآخرين لمشاركتهم المعرفة الضمنية التي لم تتشكّل بعد ومن الصعب توثيقها والمتعلقة بابتكار لازال قيد التطوير. أن بناء الثقة  بين أعضاء الفريق وخلق التفاعل الذي سيساعد في إطلاق شرارة أفكار عظيمة، هما مسألتان تحتاجان إلى وقت. وقد اكتشف الباحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (إم آي تي) (MIT) أن وصول أعضاء فريق الأبحاث والتطوير في أي مؤسسة إلى الإنتاجية الحقيقية يستدعي أن يقضي الأعضاء سنتين على الأقل قبل ذلك في عضوية الفريق. وقد أدركت بيلزبوري في وقت ما أن المعدّل الوسطي للانتقال من فكرة منتج جديد في الشركة إلى الطرح الناجح للمُنتج في السوق يستغرق ما بين 24 و26 شهراً، لكن المعدّل الوسطي للفترة التي يقضيها الأشخاص في عضوية فريق المنتجات لديها هي 18 شهراً. فلا عجب إذن إن تأخّرت الشركة في مجال الابتكار.

كما أن هناك عاملاً مؤثراً آخر، وهو التغيّرات التي تطرأ على تركيبة هذه الفرق عندما تقوم الشركات بترقية بعض أعضائها مفضلة أن يتقدّم موظفوها في مسيرتهم المهنية وفق الوتيرة التي ترتئيها. هذا النوع من التغيّرات التي تطرأ على تركيبة الفريق يجعل من الصعب على المشاريع الجديدة التعامل مع التحدّيات الكبيرة، ويدفعها إلى قبول الحلول السريعة والسهلة والتقليدية. فإذا أخذنا حالة شركة هانيويل في أواخر عقد الثمانينيات من القرن الماضي، نجد أن قادة فِرق المشاريع الجديدة كانوا يحصلون على ترقية تنقلهم خارج تلك المشاريع قبل استكمال العمل. وبسبب هذه الترقيات التي كانت تأتي على شكل عروض غير قابلة للنقاش، أي إما أن تقبلها كما هي أو ترفضها؛ وبسبب ربط الراتب بحجم الأصول الواقعة تحت سيطرة الموظف (وهي صغيرة أصلاً في المشاريع الجديدة)، لا بسبب صعوبة المهمّة المطروحة، فإن الكثير من الموظفين- بمن فيهم المبتكرون المتفانون في إنجاح ابتكاراتهم- قد رأوا أنه من الأفضل لهم مغادرة المشاريع وهي لا تزال في منتصف الطريق. لقد كانت هانيويل تقوّض بنفسها جهودها في الابتكار. وقد كشفت مراجعةٌ أجرتها الإدارة التنفيذية لاستقصاء أسباب فشل المشاريع عن هذه المشكلة، بيد أن التحيّز للتكنولوجيا، جعل من الصعب على مدراء تلك الحقبة المنتمين إلى المدرسة القديمة أن يزيدوا تقديرهم لأهمية ترابط الفريق واستمراريته.

كما تخفق جهود الابتكار أيضاً عندما يُهمل التواصل وبناء العلاقات مع الأشخاص الموجودين خارج الفريق. فعندما كانت شركة غاب إنكوربوريتد (Gap Incorporated) تكافح للنهوض من تعثرها في تسعينيات القرن الماضي، أطلقت عدداً من المشاريع التي تقوم على التعاون بين مختلف الوحدات بغية الوصول إلى ابتكارات في المُنتجات، وفي المفاهيم الخاصّة بمبيعات التجزئة، وفي العمليات. وسرعان ما تحوّلت بعض فرق المشاريع إلى مجموعات مغلقة، وانعزل أعضاؤها عن زملائهم السابقين. وبما أنهم لم يستفيدوا من أفكار زملائهم، فقد توصّلوا إلى توصيات ضعيفة؛ ولأنهم لم يُطلعوا زملاءهم على نتائج عملهم، فقد فشلوا في الحصول على تأييد حتى لمقترحاتهم الضعيفة أصلاً.

لا يمكن للمبتكرين العمل بمعزل عن الآخرين إذا كانوا يريدون لأفكارهم أن تحظى بالقبول. ويتعيّن عليهم بناء تحالفات مؤلفة من الداعمين الذين سيشكّلون مظلة لمشاريعهم، أو سيدافعون عنهم في الاجتماعات التي لا يحضرونها، أو يرعون الابتكار الوليد مع انتقاله إلى المراحل التالية من النشر والاستخدام. ولكي ترسي تلك المجموعات الأساس الذي يهيّئ استقبالاً ناجحاً لأحد الابتكارات، فينبغي عليها أن تكون قادرة على عرض أساسيات الفكرة بتعابير مألوفة وسهلة الفهم، وعلى تلطيف وقع الابتكارات التي تسبب اختلالاً في نظام الشركة بتطمينات تؤكد أن هذا الاختلال قابل للمعالجة. فعندما يخاطب الخبراء التقنيون مستمعيهم بطريقة ضبابية تحيّرهم بدلاً من أن تنوّرهم، فإنهم يخسرون الدعم – وكلمة “لا” أسهل دوماً من كلمة “نعم”. كما أن المجموعات التي تعمل في السرّ، ثم تعرض في النهاية أفكارها المكتملة النضوج، تواجه اعتراضات غير متوقّعة تؤدي أحياناً إلى قتل المشروع.

إن عدم الاهتمام بالعلاقات والتواصل مع مدراء الأقسام الأخرى في الشركة، قد حكم بالفشل على إطلاق خط الإنتاج الواعد لدى شركة تمبرلاند (Timberland) والذي حمل اسم (TravelGear). وكان قد طوّر على أيدي فريق سُمي “مصنع الابتكار” تابع لقسم الأبحاث والتطوير، ويتمتع باستقلال عن الأقسام العامّة الأخرى في الشركة. هذا المنتج أي (TravelGear) هو عبارة عن حذاء يسمح لمنتعله أن يسافر متنقلاً وفي قدميه زوج واحد من الأحذية، بحيث يضيف إليه، أو ينزع عنه قِطَعاً تجعله مناسباً لعدد من النشاطات الخارجية. فاز مفهوم هذا التصميم بجائزة مجلة “بزنس ويك” (BusinessWeek) للعام 2005. لكن بعض فرق العمل الموجودة لم تكن قد أُشرِكَت في عمليات التطوير التي قام بها فريق “مصنع الابتكار”، بينما رفض فريق المبيعات التقليدي بيع منتجات (TravelGear).

وعندما يخاطب الخبراء التقنيون جمهورهم بطريقة ضبابية تجعلهم يتوهون عوضاً عن أن ينيروا لهم الدرب، فإنهم يخسرون الدعم – وكلمة “لا” هي دائماً أسهل من كلمة “نعم”.

وفي المقابل، يُعتبر نجاح الدكتور كريغ فايد (Craig Feied) في تطوير شبكة رقمية، هي من أحدث ما توصّلت إليه التكنولوجيا، لتستعمل في “واشنطون هوسبيتال سنتر” (Washington Hospital Center) ومؤسسته الأم “ميدستار هيلث” (MedStar Health)، مثالاً يُحتذى في الاستثمار بالجانب الإنساني. فقد صمّمت مجموعة صغيرة من المُبرمجين نظام معلومات سهل الاستعمال في قسم الطوارئ؛ لا في قسم المعلوماتية، لأنها أرادات أن تكون قريبة من المُستخدمين. كما أن الدكتور فايد وشريكه الدكتور مارك سميث (Mark Smith) شاركا في عضوية عدد كبير من اللجان في المستشفى بحيث نسجا شبكة واسعة من العلاقات. وقد ترك استثمارهما في الناس، وإسهامهما في دعم الأهداف المشتركة للمستشفى، أثراً إيجابياً كبيراً: فالنشاطات التي قام بها الطبيبان فايد وسميث ساعدت في انتشار أخبار جيدة عن نظام معلوماتهما هذا (الذي يُدعى الآن “Azyxxi”) بين الأقسام الأخرى والحصول على دعمها له، ولاسيما أنه كان سبباً في إنقاذ حياة الكثير من الناس، وتوفير الكثير من الوقت.

يتحدّد مناخ العلاقات ضمن مجموعة الابتكار بالمناخ السائد خارجها. وإذا ما كانت الثقافة السائدة سلبية عوضاً عن أن تكون إيجابية، فقد تُكبّد الشركة أموالاً طائلة. فخلال الفترة العصيبة التي مرّت بها شركة سيغيت للتكنولوجيا (Seagate Technology)، بين أواسط وأواخر التسعينيات من القرن الماضي، كانت هذه الشركة الكبيرة، التي تصنع الأقراص الصلبة للحواسب الشخصية، تمتلك سبعة مراكز تصميم مختلفة تعمل على موضوع الابتكار، ومع ذلك فإن إنتاجية قسم الأبحاث والتطوير فيها كانت الأدنى بالمقارنة مع نظيراتها في هذا القطاع. ويعود السبب إلى أن تلك المراكز كانت تتنافس بدلاً من أن تتعاون. ولم تسفر الجهود الرامية إلى التقريب بينها إلا عن دفاع كلّ شخص عن فريقه عوضاً عن إيجاد أرضية مشتركة. لم يكن المهندسون والمدراء في سيغيت يفتقرون إلى المعايير الإيجابية في التفاعل مع أفراد المجموعة فحسب، بل لقد جعلهم صراخهم في اجتماعات المدراء التنفيذيين يستحقّون جائزة أسوأ سلوك. وقد انعكس غياب الابتكار في المنتجات والعمليات في خسارة الشركة لحصّتها السوقية، وتذمّر زبائنها، وتراجع مبيعاتها. ومع تراجع المبيعات في سيغيت وتضاؤل حجم قاعدة زبائنها، أصبحت مهدّدة بأن تصبح مجرّد منتج للسلع في بيئة تكنولوجية محفوفة بتغيّرات مستمرة.

ولكن سيغيت، وفي ظل قيادة رئيس تنفيذي ومدير مالي جديدين، هما ستيف لوتجو وبيل واتكينز (Watkins)، واللذان عملا معاً كشريكين، وضعت معايير جديدة تحدّد كيف يجب أن يُعامل الناس بعضهم بعضاً، بدءاً بمجموعة المدراء التنفيذيين الأساسيين. وقد أسهم تزايد وعي الناس في تطبيق عملية منهجية توضح كيفية تأليف وإدارة “الفرق الأساسية” (أي مجموعات الابتكار المُشكّلة من أشخاص ينتمون إلى أقسام وظيفية مختلفة). كما تلقّى موظفو الشركة تدريبات على المنهجيات الخاصّة ببناء الفرق، سواء عبر برامج تدريبية تقليدية، أو من خلال المشاركة في نشاطات خارجية صعبة في نيوزلندا، وفي بقاع أخرى نائية. وقد رقّت سيغيت الأشخاص الذين كانوا معروفين بمهاراتهم القوية في العلاقات الشخصية ليقودوا الفرق الأساسية مفضّلة إياهم على الآخرين الذين يمتلكون مهارات تقنية أكبر. وخلافاً للجان التي أنشئت أثناء فترات الانحدار السابق والتي اتّسمت بالعدوانية، فإن الفرق الأساسية أوجدت عمليات مختلفة تماماً وأنتجت ابتكارات أعادت الشركة إلى موقعها الريادي في السوق. وتمكّنت سيغيت، بحلّتها الجديدة، من إذافة ابتكارات عديدة إلى مجموعة واسعة من الأجهزة الإلكترونية، مثل الآيبود والهواتف الخلوية.

علاجات مشاكل الابتكار

يمكن للسعي وراء الأفكار والمنتجات والخدمات التي تحدث اختراقاً أن يحيد عن الطريق المنشود لأي من الأسباب المذكورة أعلاه، أو بسببها جميعاً. ولكن التاريخ، لحسن الحظ، يبيّن أيضاً كيف ينجح الابتكار. وبالتالي، فإن عبارة “ريادة الأعمال في الشركات الكبيرة” ينبغي ألا توحي بمفهومين متناقضين. وإليكم أربع طرق تساعدكم في الفوز.

علاج الاستراتيجية: وسّعوا مجال البحث، ووسّعوا نطاق العمل. يمكن للشركات أن تطوّر استراتيجية للابتكار تعمل على المستويات الثلاثة لما أسميه أنا “هرم الابتكار” والذي يضمّ في قمّته عدداً من الرهانات الكبيرة التي تمثّل التوجهات الواضحة للمستقبل وتحصل على نصيب الأسد من الاستثمارات؛ ويضم أيضاً محفظة من عدد من الأفكار الواعدة المتوسطة التي تعمل فرق خاصّة على تطويرها واختبارها؛ وقاعدة عريضة من الأفكار التي تُعتبر في مراحلها الأولى، أو الابتكارات الجزئية التي تسمح بالتحسين المتواصل. وهنا نجد النفوذ ينتقل من رأس الهرم إلى قاعدته، فالرهانات الكبيرة تشجّع المكاسب الصغيرة التي تسير في الاتجاه ذاته. لكن النفوذ أيضاً يمكن أن ينتقل من الأسفل إلى الأعلى، لأن الابتكارات الكبيرة تبدأ حياتها أحياناً على شكل أفكار صغيرة غير واضحة المعالم، كما هو الحال مع المصادفة الشهيرة التي قادت إلى تطوير شركة (3M) للبطاقات اللاصقة (Post-it Notes) التي يستعملها الناس لكتابة الملاحظات.

إذا اعتبر كبار المدراء التنفيذيين أن عملية الابتكار تشبه هذا الهرم، فإن ذلك يمنحهم أداةً لتقويم الجهود الحالية، وإدخال التعديلات عندما تُثبت الأفكار قيمتها وتتطلّب المزيد من الدعم، ولضمان وجود نشاط على جميع مستويات الهرم. كما أن ثقافة الابتكار تنمو عندما يكون الجميع قادرين على المشاركة في اللعبة. ففي الوقت الذي تعمل فيه فرق خاصة على تطوير المشاريع الكبيرة، وبينما تسعى الفرق المؤقتة لتطوير الأفكار المتوسطة، فإن جميع الموظفين الآخرين في الشركة مدعوون للإسهام بأفكارهم. وكل موظف بوسعه أن يكون رائداً يطرح فكرة مُحتملة أو يُطلق مشروعاً، كما يحدث في (IBM). ففي شهر يوليو/ تمّوز الماضي، أقامت الشركة حدثاً استمرّ ثلاثة أيام على الانترنت بخصوص الإبداع تحت اسم (InnovationJam)، قدّم خلاله 140.000 موظف وزبون – يمثّلون 104 بلدان – ما يُقارب 37.000 فكرة، وقاموا برتيبها، مانحين الشركة خزّاناً هائلاً من الأفكار الخام، بعضها كبير وأغلبها صغير. وسيزداد احتمال حصول أي مؤسسة على أفكار أكبر إذا كانت لديها قناة عريضة تسمح بمرور عدد هائل من الأفكار الصغيرة. ويكمن أحد أسرار نجاح الشركات التي تمتلك معدّلاً عالياً من الابتكار في أنها، وبكل بساطة، تجرّب أشياء أكثر.

تبنّت شركة جيليت نموذج الهرم هذا كجزء من مساعيها لتسريع الابتكار في العامين 2003 و2004. فماذا كانت النتيجة؟ سلسلة من الابتكارات في كل وظيفة وقسم أسهمت في زيادة الإيرادات والأرباح. وقد شملت منتجات جديدة مثل فرشاة الأسنان التي تعمل على البطارية، ومفاهيم جديدة قيد التطوير في قسم الأبحاث والتطوير، مثل نظام حلاقة الذقن (Fusion) ذي الشفرات الخمس الذي يعمل على البطارية في العام 2006؛ وحملات تسويقية مبتكرة حيّدت منافسيها، مثل حملة ماكينة الحلاقة (Mach3Turbo) التي تفوّقت على الحملات التي خصصتها شركة شيك (Schick) لطرح شفرتها (Quattro)؛ وتقنية جديدة في الموارد البشرية. وفي معرض الابتكار الأول الذي أقامته جيليت في مارس/ آذار 2014، عرضت كل وحدة في الشركة أفضل أفكارها لهذا العام بطريقة مبدعة وخلاقة. فقد روّجت الدائرة القانونية لدورتها الجديدة والمبتكرة على الانترنت والتي يدور موضوعها حول الأخلاق باستخدام نكتة: حيث وزّعت بطاقات تشبه بطاقات لعبة “المونوبولي” كُتب عليها: “اخرج من السجن دون مقابل”.إن تبني الدائرة القانونية في جيليت للابتكار هي ميزة إضافية لصالح شركة كان المبتكرون فيها بحاجة إلى خدمات سريعة في تقديم طلبات الحصول على براءات اختراع أو الحصول على مساعدة في تذليل بعض العقبات القانونية.

يمكن لاستراتيجية الابتكار التي تتضمّن ابتكارات جزئية إضافية، وتحسيناً متواصلاً، أن تسهم في تحرير عقول جميع من في الشركة، وتجعل الموظفين أكثر تقبلاً للتغييرعندما يحصل ابتكار خارق كبير.

علاج العملية: زيدوا مقدار المرونة في عمليات التخطيط وأنظمة الضبط. إحدى الطرق التي يمكن استعمالها لتشجيع الابتكار على الازدهار خارج الدورات التخطيطية العادية في الشركة، الاحتفاظ بأموال احتياطية مخصّصة للفرص غير المتوقعة؛ وهكذا لا تضطر الأفكار الواعدة إلى الانتظار حتى الدورة المقبلة لعملية وضع الموازنة، ولا يضطر المبتكرون إلى تسوّل الأموال من مدراء الأقسام العامّة الذين يُقاس أداؤهم بناء على الإيرادات والأرباح الحالية. ففي الفترة الواقعة بين أواسط وأواخر عقد التسعينيات من القرن الماضي، تسبّبت الإدارة الاستبدادية والضوابط الصارمة بتعثّر ابتكار البرامج في هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، نتج عنه تراجع نسبة مستمعيها. فالموازنات كانت ضيّقة، وعندما يتم إقرارها كانت النفقات تقتصر على فئات محدّدة سلفاً. وفي العام 2000، خفف الرئيس التنفيذي الجديد، ومديره المالي، من صرامة القواعد، وبدءا بوضع الأموال في حساب جانبي للشركة لاستخدامها في دعم المقترحات المتعلقة بالابتكار، في سلوك يوضح أن القواعد البيروقراطية يجب ألا تقف حجر عثرة في طريق الأفكار الخلاقة. وقد جاء برنامج المكتب (The Office)، وهو أكثر برنامج كوميدي لاقى نجاحاً وجماهيرية في (BBC) خلال عقود، بمحض الصدفة؛ فقد أخذ أحد الموظفين الجدد زمام المبادرة لصنع حلقة تجريبية من البرنامج مستفيداً من الأموال التي كانت قد خصّصت لفيلم تدريبي.

تحاول (IBM) إدخال هذه المرونة مباشرة في بنيتها التحتية. فقد أنشأت الشركة صندوقاً يضمّ 100 مليون دولار مخصّصة لدعم أفضل الأفكار التي تبرز من خلال الحدث الذي أقامته على موقعها على الإنترنت بعنوان (InnovationJam) لاستقطاب الأفكار الإبداعية. والغاية هي أن تكون هذه الأفكار مستقلّة عن عمليات التخطيط ووضع الموازنات المعتادة، وأن تسمح للأفكار بأن تزدهر من القاعدة إلى القمّة. يقول نيكولاس دونوفريو (Nicholas Donofrio)، نائب الرئيس التنفيذي لشؤون الابتكار والتكنولوجيا في الشركة: “لم يسبق لأحد من قبلُ قطّ أن جمع هذه المجموعة العالمية المتنوّعة من قادة الفكر في مجال الأعمال، وعلى هذا النطاق الواسع، لمناقشة أكثر القضايا والفرص إلحاحاً في عصرنا. فقد وصل الأمر بنا إلى حدّ أن بعض الشركات أخذت تطرق أبوابنا وتقول: “أعطونا بعضاً من أفضل الأفكار وألمعها لديكم، ودعونا نعمل سوياً لترجمتها إلى واقع ملموس.” هذه فرصة ذهبية لخلق أسواق وشراكات جديدة بالكامل”.

بالإضافة إلى أن عملية الابتكار تحتاج إلى نماذج تمويل مختلفة، وإلى الدخول في شراكات للتطوير، فإنها تتطلّب أيضاً استثناءها من بعض الاشتراطات المطبّقة في الشركة؛ إذ إن الاختلافات بين الأقسام القديمة الراسخة، والمشاريع الجديدة، لا تعدّ ولا تحصى. فبما أن الشركة تعلم، مثلاً، أن الابتكارات يمكن أن تمضي قدماً وتتطوّر من خلال عملية وضع نماذج أوليّة سريعة– أي التعلّم من سلسلة من التجارب السريعة – فإن ذلك قد يعني أن بعض الإنجازات التي تستدعي المراجعة والتمويل الإضافي، ستحصل بوتيرة أسرع بالمقارنة مع الأقسام القديمة الراسخة، بما أنها تسيرعلى إيقاع المشروع، وليس وفقاً لروزنامة فصلية أو سنوية ثابتة. وبالنسبة للأنواع الأخرى من المشاريع، قد يتطلّب الأمر التحلّي بقدر أكبر من الصبر، كما يحصل مثلاً عندما تواجه مجموعة الإبداع عقبات غير متوقعة وتحتاج إلى إعادة النظر في نموذجها. وبيت القصيد هنا هو اللجوء إلى المعالجة المرنة التي تتناسب مع كل حالة على حدة.

علاج البنية: سهّلوا إقامة الروابط والعلاقات بين المبتكرين والأقسام العامّة في الشركة. في الوقت الذي تعمل الشركات فيه على التخفيف من الضوابط الرسمية التي قد تقف عائقاً في وجه الابتكارات، ينبغي عليها أن توثّق الروابط والعلاقات الإنسانية بين أولئك الذين يبذلون الجهد في تطوير الابتكارات، والآخرين في بقية أنحاء الشركة. فالأحاديث المُثمرة يجب أن تجري بانتظام بين المُبتكرين ومدراء الأقسام العامّة في الشركة. كما يجب أن تُضَمّ مسؤولية التواصل الخارجي إلى قائمة واجبات فِرَق الابتكار، وعلى كبار القادة أيضاً أن يعقدوا جلسات نقاش للتشجيع على الاحترام المتبادل، بدل التوتر والخصومة. كما ينبغي أن تهدف هذه الأحاديث إلى التعلّم المتبادل للتقليل إلى الحدّ الاقصى إمكانية “التهام” أي منتج جديد لفرص طلب وبيع المنتجات الموجودة، وتحقيق أقصى زيادة في فعالية دمج الابتكارات التي أصبحت أعمالاً جديدة في الشركة. وإضافة إلى الاجتماعات الرسمية، تحتاج الشركات إلى عقد جلسات حوارية غير رسمية – كما فعلت ستيل كيس (Steelcase) من خلال بناء مركز للتصميم يُجبر الموظفين على الالتقاء ببعضهم بعضاً – أو إلى تعيين أشخاص يقودون هذه الشبكات التي تضمّ موظفين من مختلف الأقسام والوظائف، والشدّ على أيديهم في مسعاهم الرامي إلى تعزيز الأواصر بين الناس.

يُمكن إعلام مجموعات الابتكار، منذ البداية، أن هناك مسؤولية على عاتقها تتمثّل في تقديم خدماتها للأقسام العامّة في الشركة، بينما تسعى في الوقت ذاته إلى تحقيق ابتكارات أكبر لبدء أعمال جديدة في الشركة. وهذا أمر يمكن إدراجه في عقد تأسيس الفريق، وتعزيزه عبر العلاقات المتقاطعة والمتداخلة – سواء تطلّب الأمر حضور ممثلين عن الأقسام العامّة بالتناوب في مجموعات الابتكار، أو وجود مجالس استشارية تشرف على جهود الابتكار. فبعد أن عانت الفكرة العظيمة الأولى التي طرحها فريق “مصنع الابتكار” في شركة تيمبرلاند من التخبّط، تعلّم هذا الفريق كيف يعمل عن كثب مع الفرق العامّة لتلبية احتياجاتها من الابتكارات الفورية – مثل نوع من الأحذية المريحة المخصّصة لأوقات الاستجمام والمبطنة بمادة تبقي الأقدام دافئة في البرد وباردة في الحر- وللبحث عن اختراقات تغيّر قواعد اللعبة. وتضمّ مجموعة المنتجات الجديدة في تورنر برودكاستينغ (Turner Broadcasting) مزيجاً من أنماط المشاريع: مشاريع مستقلّة وقائمة بذاتها، وتحسينات في القنوات الحالية، وشراكات خارجية، واستثمارات رأس المال المُخاطر. وقد أنشأت مجموعة (PNC) للخدمات المالية مؤخراً مجموعة المنتجات الجديدة للإشراف على أعمال التطوير العامّة في المجموعة، مثل إدخال تحسينات على التسعير والمنتجات، والتركيز على محرّكات النمو في بعض المجالات الجديدة، مثل الخدمات المدعّمة بالتكنولوجيا وخدمات مكتب المساندة للصناديق الاستثمارية. وقد ارتفعت مبيعات الشركة من المنتجات الجديدة بنسبة 21 % في العام 2005 لتشكّل 46 % من مجمل المبيعات.

كما أن وجود البنى والهيكليات المؤسسية المرنة، التي تسمح لفِرَق من وظائف وقطاعات مختلفة في الشركة بالعمل معاً لتطوير الحلول، يمكن أن ييسّر إقامة الروابط الجيدة. تمتلك شركة الإعلام العملاقة بابليسيز (Publicis) فرقاً متخصّصة بـ “التواصل الشمولي”، تضمّ أفراداً ينتمون إلى وكالاتها الإعلانية (ساتشي آند ساتشي (Saatchi & Saatchi)، وليو برنيت (Leo Burnett)، وبابليسيز ورلد وايد (Publicis Worldwide)، وغيرها)، وفِرَقها التكنولوجية، من أجل التركيز على الزبائن والعلامات التجارية. كما محورت شركة المنتجات الصيدلانية نوفارتيس (Novartis) جهودها حول الأمراض، في حين يرتبط قسم الأبحاث والتطوير فيها ارتباطاً أوثق بالأسواق والزبائن؛ وقد ساعد ذلك الشركة في تسريع طرح ابتكارات تشكّل فتحاً جديداً، مثل دواء السرطان (Gleevec). إن نجاح فريق “مصنع المستقبل” في سيغيت، الذي يضم أفراداً من جميع أنحاء الشركة، في إدخال ما يبدو أنها ابتكارات إعجازية في العمليات، قد قاد إلى انتشار استخدام نموذجه القائم على الفِرَق الأساسية.

اكتشف المبتكرون المستقبليون في آلايد سيغنال (AlliedSignal) أن اقتناص الفرص الواعدة يتطلّب خروج الموظفين من صوامعهم المنعزلة والتواصل فيما بينهم. فعلى سبيل المثال، نُظّم قسم الفضاء في مجموعات مختلفة يعمل كل منها مع فئة مختلفة من الزبائن مثل شركات الطيران التجارية الكبيرة، وشركات الطيران التجارية الصغيرة، وشؤون الملاحة العامة (الطائرات الخاصة والمُستأجرة). لكن الفكرة الجديدة الأفضل كانت التمييز بين الزبائن وفق كونهم يجرون عمليات الصيانة بأنفسهم أو يتعاقدون عليها مع جهات خارجية. وقد احتاج القسم إلى إنشاء صلات جديدة بين الأقسام التي كانت مجزّأة سابقاً، للشروع في عملية الابتكار.

يُعزى نجاح شركة ويليامز – سونوما (Williams-Sonoma)، وهي شركة تجزئة متعدّدة القنوات، في ابتكاراتها بمجال التجارة الإلكترونية، إلى الطرق التي ربط بها روّاد مشاريع الإنترنت تطويراتهم ببقية أجزاء الشركة. فقد رفض الرئيس التنفيذي هوارد ليستر (Howard Lester)، منذ البداية، الأخذ بمشاريع الإنترنت المستقلة عن العمليات الأخرى للشركة. وأول مشروع رئيسي للإنترنت كان موقعاً لتسجيل هدايا الزفاف المختارة يهدف إلى خلق وظيفة جديدة تضاف إلى المسار العامّ للشركة. وعندما أثبت هذا المشروع التجريبي جدواه، أطلقت الشركة قسماً للتجارة الإلكترونية واستضافته في مبناها الخاص. ولكن عوضاً عن أن يتفرّد هذا القسم بعمله وينتهج طريقاً خاصاّ به، فقد سعى إلى تعزيز الأقسام القائمة لا إلى التنافس معها. ولم يقِسْ نجاحه بمقدار المبيعات المتحققة إلكترونياً فقط، وإنما ربط هذا النجاح بحجم الزيادات المسجّلة في مبيعات الأقسام الأخرى بفضل هذا الموقع الإلكتروني. ولكي يقوّي القسم الجديد صلاته بالأقسام العامّة القائمة، فقد عرض عليها تدريب موظفيها مجاناً.

علاج المهارات: اختاروا الأشخاص بناء على تمتّعهم بالقدرة على القيادة وبمهارات التواصل الشخصي، واحتضنوا المبتكرين ضمن ثقافة داعمة قائمة على التعاون. إن الشركات التي تنمّي المهارات القيادية هي أقدر على اصطياد الابتكارات الناجحة. فأحد الأسباب التي ساعدت شركة ويليامز- سونوما على النجاح السريع في قسم التجارة الإلكترونية، وجني أرباح كبيرة منه، هو عنايتها الفائقة بالبعد الإنساني. لم يكن شيلي ناندكيوليار، أول مدير لقسم التجارة الإلكترونية في الشركة، ضليعاً جداً بالتكنولوجيا، لكنه كان قائداً قادراً على تكوين الفريق الصحيح. وكان يثمّن العلاقات عالياً، لذلك اختار مجموعة متنوعة من موظفي الأقسام الأخرى الذين يمكن أن يكونوا سفراء لمجموعاتهم السابقة، ومن الموظفين المعيّنين حديثاً الذين جلبوا معهم مهارات جديدة. كما أضاف فِرَقاً تجمع أشخاصاً من مختلف أنحاء الشركة ليقدّموا المشورة لفريق قسم التجارة الإلكترونية، وليشكّلوا همزة الوصل بينه وبين الأقسام الأخرى. وقد ابتدع منصباً جديداً يهدف إلى تحقيق التكامل وتحسين الربط بين المجموعات المعنية بالعمليات، وإلى باتريسيا سكيريت (Patricia Skerritt)، المعروفة باهتمامها الكبير بالعلاقات.

وبصورة مشابهة، فإن المهارات القيادية، لا المصرفية، هي ما مكّن غايل سنودن (Gail Snowden) من السير ببنك المجتمع الأول التابع لبنك بوسطن وسط حقل من الألغام الناجمة عن الخصومة التي أبداها أشخاص في الإدارة الوسطى في البنك تجاه ابتكار ناجح أنتج ابتكارات أخرى (منتجات وخدمات جديدة). إذ كونّت فريقاً انتقت أفراده بعناية فائقة ليضمّ بين صفوفه أشخاصاً موهوبين تآلفوا معاً وشعروا بالحماس لإنجاز المهمّة الملقاة على عاتقهم. وسرعان ما صارت مجموعتها واحدة من أكثر الأماكن المرغوبة للعمل في المصرف الأم. وقد وثّقت علاقاتها مع كبار المدراء التنفيذيين الذين مدّوا لها يد العون في التعامل مع التوترات في الإدارة الوسطى، كما أحسنت دائماً في أن توصل للآخرين سبب حاجة قسمها إلى معاملة مختلفة. كما أن حسّها الإبداعي، ورؤيتها، وإتقانها للعمل الجماعي، ومثابرتها، ساعدت هذه المجموعة في النجاح والتحوّل إلى نموذج يُحتذى، في وقت كانت فيه جهود البنك في مجالات أخرى تتداعى.

أما الابتكارات الكبيرة في شركة (IBM)، مثل برهنة الحوسبة الشبكية عبر مبادرة شبكة المجتمع العالمي (WCG)، فلم يكن بالإمكان تحقيقها إلاّ لأن ثقافة الشركة تشجّع على التعاون. فقد أشرك الرئيس التنفيذي للشركة سام بالميزانو (Sam Palmisano) مئات آلاف المعنيين بالشركة وزبائنها في نقاش عبر الإنترنت حول القيم التي تحملها الشركة، بينما عمل نيكولاس دونوفريو (Nicholas Donofrio)، نائب الرئيس التنفيذي لشؤون الابتكار والتكنولوجيا في (IBM) لجعل 90.000 تقني في أنحاء العالم يشعرون أنهم جزء من مجتمع واحد يسعى وراء الابتكار. كما بحث كبير داعمي مبادرة شبكة المجتمع العالمي في الشركة، نائب الرئيس ستانلي ليتو (Stanley Litow)، عن شركاء له في هذا المسعى ضمن الوحدات التجارية التابعة للشركة وكذلك في المناطق الجغرافية التي تعمل فيها لدفع جهود الإبداع إلى الأمام.

  • • •

بوسع الشركات الراسخة تحاشي السقوط في الفخاخ الكلاسيكية التي تعيق الابتكار من خلال توسيع إطار البحث عن الأفكار الجديدة، وتخفيف الضوابط المتشدّدة، والبنى الصارمة، وإقامة علاقات أفضل بين المبتكرين وأقسام العمليات العامّة في الشركة، وتعزيز مهارات التواصل والتعاون.

ينطوي الإبداع ضمنياً على أفكار تخلق المستقبل. لكن السعي وراء الابتكار محكوم بالفشل ما لم يأخذ المدراء الوقت الكافي لكي يتعلّموا من أخطاء الشركات الشائعة ودروس الماضي. فتحقيق التوازن الصحيح بين الاستغلال (أي الحصول على أعلى العوائد من النشاطات الحالية) والاستكشاف (أي البحث عما هو جديد) يحتاج إلى مرونة مؤسسية، وإلى قدر كبير من الاعتناء بالعلاقات. هكذا كانت الحال دائماً، وهكذا ستبقى.

اقرأ أيضاً: كيف تتعلم تجارة التجزئة

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .