موجة الاستقالة الكبرى فرصة لإعادة النظر في الغايات المهنية والشخصية

5 دقائق
الغاية العميقة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: أدت الجائحة إلى زعزعة استقرار الجميع، ودفعت معظمنا للتفكير في الوظائف من منظور جديد. وقرر البعض الاستقالة من وظائفهم ونشأت حركة سميت “الاستقالة الكبرى”، بيد أن الكثيرين يعتبرونها موجة “إعادة نظر كبرى”. هل نحب ثقافة الشركة التي نعمل فيها حقاً؟ هل نشعر أننا نتلقى معاملة عادلة ونحظى بفرص التقدم التي نريدها؟ هل نشعر في أعماقنا أن عملنا هادف وذو مغزى كما نحب أن يكون؟ بالنسبة لمن يجيبون عن أحد هذه الأسئلة بـ “لا”، تبين الأبحاث حول المؤسسات ذات “الغاية العميقة” بعض الاستراتيجيات التي يمكن للأفراد استخدامها لخلق معنى أكبر في حياتهم المهنية والشخصية. أولاً، اعرف غايتك الشخصية ثم قيّم حاجتك إليها في الوظيفة بمقابل قدرتك على تحقيقها في مكان آخر. إن كنت بحاجة إليها فجرب أسلوب تصميم الوظيفة من أجل تحقيق التوافق بين مسؤولياتك وتلك الغاية وقيّم مديرك والشركة التي تعمل فيها من أجل ضمان أن تحصل على دعمهما في هذا الأمر. إن لم تستطع تحقيق المعنى في وظيفتك بعد كل ذلك فقد يكون الوقت مناسباً للتفكير في الانتقال إلى وظيفة أخرى.

 

تقدم أحد أصدقائي، سأسمّيه جلال، لشغل دور في المناصب الإدارية العليا في الشركة التي يعمل فيها، وهي شركة للسلع الاستهلاكية المعبأة. أعرفه منذ سنوات طويلة، وكان يبدو دائماً سعيداً وراضياً في حياته المهنية. لذا لك أن تتخيل دهشتي عندما تلقيت مؤخراً رسالة نصية منه يقول فيها كلمتين: “سوف أستقيل”.

أجبته برسالة أسأل فيها عما إذا كانت الأمور بخير. توقعت أنه سيقول إنه اختلف مع قائد آخر أو أنه اتخذ قراراً تجارياً سيئاً، لكنه قال: “أنا أتحول إلى شخص لا أريده”.

تحدثنا عبر الهاتف ووضح لي أن قادة الشركة اتخذوا مؤخراً قراراً دفعه للتوقف والتفكير؛ إذ اتخذوا إجراءات لتأمين المكاسب الاقتصادية على حساب العملاء والموردين والبيئة وبدا أن قراراتهم لا تزعجهم، بل كانوا يعتبرونها “نجاحات مؤكدة”.

جعلته هذه التجربة يدرك أنه لم يؤمن حقاً بشركته أو رسالتها، في حين أنه كان في السابق يكبت شكوكه المتنامية، فمزيج الخوف على صحته ووفاة والده منذ فترة قريبة والمشكلات العائلية والعزلة المطولة وتأمل النفس الناتجة عن الجائحة دفعته للتعمق في ذاته أكثر. قال لي: “منتجاتنا ليست صحية، ولن أرغب في أن يأكل أولادي هذا الطعام الرديء”. تلاشى سحر الراتب الضخم والعمل لدى شركة رفيعة المستوى تحقق أرباحاً هائلة، وكانت الفكرة الوحيدة التي تهيمن عليه هي: “لماذا أعمل لدى هذه الشركة؟”

يطرح كثير منا أسئلة كهذه في هذه الفترة، فقد أدت الجائحة إلى زعزعة استقرارنا، ودفعتنا للتفكير في وظائفنا من منظور جديد. فالبعض يستقيلون من وظائفهم وخلقوا حركة سميت “الاستقالة الكبرى”، بيد أن الكثيرين يعتبرونها موجة “إعادة نظر كبرى”. هل تعجبنا ثقافة الشركة حقاً؟ هل نشعر أننا نتلقى معاملة عادلة ونحظى بفرص التقدم التي نريدها؟ هل نشعر في أعماقنا أن عملنا هادف وذو مغزى كما نحب أن يكون؟

بالنسبة لمن يجيبون عن أحد هذه الأسلة بـ “لا”، ويبحثون عن عمل قائم على الغاية، يمكن أن يكون البحث الذي أجريته مفيداً. لقد تعمقت في عشرات الشركات وأجريت مقابلات شخصية مع أكثر من 200 قائد كي أفهم طرقهم في تحقيق الغاية بالنسبة لموظفيهم وأصحاب المصلحة بطرق استثنائية. تمثل هدفي الرئيس في الكشف عن أفضل الممارسات لما أسميه مؤسسات “الغاية العميقة”، ولكني تمكنت أيضاً من الكشف عن بعض الاستراتيجيات التي يمكن للأفراد استخدامها لخلق معنى أكبر في حياتهم المهنية والشخصية. تبين الدراسات أن هذا يؤدي إلى رضا أكبر وحتى حياة أطول، فلماذا لا نجرب الأمر إذاً؟

ما الذي يتعين عليك فعله؟

أولاً، اعرف نفسك. كان جميع القادة والموظفين الذين قابلتهم في شركات الغاية العميقة يعتنقون طموحاً متقداً؛ مقصداً يسعون لتحقيقه بحماسة تكاد تكون وجودية. فقد كانوا يعرفون أنهم خُلقوا على هذه الأرض ليكونوا فاعلين، وكانت هذه الرؤية الواضحة دافعاً لهم وشكلت خياراتهم ومدت الآخرين بالإلهام لاعتناق غاياتهم بالمثل،

وهذا ليس حكراً على كبار المسؤولين التنفيذيين. عندما بدأت شركة الخدمات المهنية “كيه بي إم جي” (KPMG) برنامج “تحدي العشرة آلاف قصة” الذي يدعو الموظفين إلى إنشاء ملصقات تسلط الضوء على الغاية التي يرونها في وظائفهم كانت المشاركات ملهمة؛ كتب أحد الموظفين الذين يساعدون المصارف في محاربة غسيل الأموال: “أنا أحارب الإرهاب”، واستخدم موظف آخر يساعد صغار المزارعين في الحصول على التمويل عبارة: “أساعد في إنماء المزارع”.

ما هي غايتك الشخصية؟ خذ بعض الوقت بعيداً عن زحام الحياة اليومية وفكر في أكثر ما يهمك وما تحاول إنجازه، ما هو السبب الرئيس للوجود؟ أدرك أن وقتك على هذه الأرض محدود، ما الذي ترجو تحقيقه فعلاً؟

ثانياً، قيّم حاجتك إلى القيمة في وظيفتك. نسعى لتحقيق المعنى والرضا في مختلف السياقات المهنية والشخصية. خذ مثلاً شخصاً يحدد غايته الشخصية على أنها “مساعدة الآخرين على التعلم والنمو”، قد يفعل ذلك خارج نطاق عمله من خلال دوره كأب أو مرشد أو مدرب (الغاية من الحياة)، وقد يسعى لتحقيقها من خلال العمل في دور غير تعليمي لدى شركة تركز على التعلم (الغاية المؤسسة) أو في أدوار تعليمية في غير التدريس (الغاية المهنية) أو من خلال العمل في التدريس مباشرة.

إذا كنت تعمل جيداً على تحقيق غايتك خارج نطاق العمل فقد تتمكن من قبول العمل في وظيفة أو مسار مهني أو شركة حتى لو لم يتضمن غاية قوية لكنه يحقق لك فوائد أخرى. بعبارة أخرى، لا بأس من العمل في وظيفة يومية. لكن يتضح أن عدداً أقل من الموظفين عازمون على سلك هذا الطريق، وعدداً أكبر يسعون لتحقيق التناغم بين أوجه الحياة المتعددة.

ثالثاً، إن رأيت أنك تحتاج بالفعل إلى الغاية في عملك أو ترغب فيها، فجرب أن تتبع أسلوب “تصميم الوظيفة“؛ أي شكّل وظيفتك كي تصبح هادفة أكثر عن طريق تكييف المهام التي تعمل عليها والزملاء أو العملاء أو غيرهم من أصحاب المصلحة الذين تتفاعل معهم، والصورة التي تحملها في ذهنك عما تفعله. فوض العمل الذي لا يبدو هادفاً بالنسبة لك ولكنه كذلك بالنسبة لغيرك، وبادر بطلب المشاريع الجديدة التي ترتبط بأهدافك وتواصل مع زملائك الذين يشبه تفكيرهم تفكيرك ويقدرون على الارتقاء بك.

رابعاً، قيّم مديرك. هل يساعدك في تحقيق غايتك عن طريق السماح لك بالتعبير عن شخصيتك وتكليفك بالعمل الذي يهمك؟ أحد أبرز الأمثلة على ذلك هو بيت كارول، مدرب فريق دوري كرة القدم الأميركية “سياتل سي هوكس” (Seattle Seahawks). على الرغم من أن مدربي كرة القدم المحترفين يتبعون نهجاً صارماً وقاسياً، فالمدرب كارول يركز على تطوير علاقات شخصية عميقة مع لاعبيه كي يتمكن من إخراج فلسفاتهم الشخصية وأسباب وجودهم.

يعتبر كارول أن هذه الطريقة تساعد الأفراد على تحقيق أفضل إمكاناتهم وإنشاء رابط مع غاية الفريق، يقول: “إن شعر أحد اللاعبين أنك تدرك حقيقته وما يهتم به فستتمكن من إنشاء رابط معه يتيح لك تعريفه على الغاية الجماعية”.

ثمة رؤساء يتبعون هذا النهج، ما عليك إلا البحث عنهم.

خامساً، ألقِ نظرة متمعنة على الشركة التي تعمل لديها. توصلت في بحثي إلى أن بعض الشركات لا تحقق النجاح بمجرد تحديد غاية مؤسسية قوية، وإنما بمساعدة موظفيها على الارتباط بها بطرقهم الخاصة.

خذ مثلاً شركة التكنولوجيا المتعلقة بشؤون المرأة “أوفيا هيلث” (Ovia Health)، التي يقع مقرها في مدينة بوسطن، إذ حددت إحدى قيمها الجوهرية على أنها “كن على طبيعتك وكن لطيفاً”، وهي تتجسد بطرق كثيرة: في الندوات الافتراضية التي يناقش الموظفون فيها هواياتهم الشخصية، والتركيز على التنوع والشمول في جميع أقسام الشركة، واتباع نهج في عملية صنع القرار يعتمد على الأخذ بآراء الموظفين بفعالية.

إن كانت شركتك لا تساعدك في تحقيق غايتك فربما كان عليك البحث عن الشركات التي تفعل ذلك. النهج الذي تتبعه شركة “مايكروسوفت” مماثل، أخبرتني رئيسة قسم الموظفين فيها، كاثلين هوغان: “لن تعمل لدى شركة “مايكروسوفت” قبل أن تجعلها تعمل لأجلك”.

إذا لم تساعدك المؤسسة التي تعمل فيها على تحقيق الغاية العميقة الشخصية الخاصة بك فربما كان عليك الانتقال إلى شركة تفعل ذلك. في بعض الأحيان يكون تأثير تغيير المشهد هائلاً، هذا ما حدث مع صديقي جلال، فبعد عام من الاستقالة من وظيفته تسلم وظيفة جديدة في شركة تركز على الاستدامة والأعمال المسؤولة، وهو اتجاه يتوافق أكثر مع غايته الشخصية. أصبح راتبه أقل من راتبه السابق بكثير، ولكنه يقول إنه يملك الكثير من الحماس تجاه عمله وفخور به: “أشعر أني مكتمل أكثر”. هذه الحالة تمثل موجة إعادة نظر كبرى تتعاكس مع وصف بعض المثقفين لموجة الاستقالة الكبرى على أنها حركة التحسين الحقيقية التي يرغب الموظفون فيها بالحصول على رواتب أعلى.

وقد تعلمت من التحدث إلى الموظفين في جميع الشركات التي أجريت عليها دراستي أنه من الممكن العثور على الغاية العميقة في العمل، ولكن يجب أن تدرك أنه ليس من طرق مختصرة، بل يجب أن تأخذ بعض الوقت وتفكر ملياً في نفسك ووضعك وتفعل ما يجب كي تشعر بالرضا.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .