قامت شركة ليفت (Lyft) بإصدار مستندات طرحها العام الأولي لتداول أسهمها في البورصة، وعلى الرغم من تركيز الكثير من عناوين الأخبار على النمو السريع للشركة (لديها الآن 18.6 مليون راكب نشط)، أو على حجم الأموال التي تخسرها (نحو مليار دولار في العام الماضي)، أو على هيكليتها من أسهم الفئة المزدوجة، إلا أنّ ذلك يطرح سؤالاً مهماً حول الاستراتيجية التنافسية. تشير الشركة في القسم الذي يتحدث عن عوامل الخطر في هذه المستندات إلى أن "آثار الشبكة المتبادلة بين السائقين والركاب على منصتنا مهمة لنجاحنا" وبأنه "إذا لم نكن قادرين على الاستمرار في تطوير آثار الشبكة فذلك يمكن أن يؤثر سلباً على أعمالنا".

تُرى ما الحجم الحقيقي لتلك القدرة التنافسية التي تخلقها آثار الشبكة هذه؟

هذه هي المسألة الاستراتيجية التي تكمن في جوهر الطرح العام الأولي لشركة ليفت، وهي مسألة ذات دلالات كبيرة. قامت شركة أوبر أيضاً بتقديم طلب سري للطرح العام، لذا سيكون لدى المستثمرين عدة فرص لتعزيز المراكز التنافسية للشركتين اللتين يطلق عليهما مسمى عملاقي "الاقتصاد التشاركي". وسيكون عليهم مواجهة الحقيقة التي تقول أنه لم يتم إنشاء جميع الشبكات على نحو متكافئ.

تحدث آثار الشبكة عندما تزيد إضافة مستخدم جديد قيمة العرض بالنسبة لمستخدمين آخرين، وقد عزز نجاح شركات مثل جوجل وفيسبوك وواتساب آثار الشبكة كعنصر أساسي لاستراتيجية الإنترنت. وتعتبر هذه الآثار أحد الأسباب التي تدفع الشركات الناشئة التي تحظى برأس مال استثماري إلى التأكيد على النمو، فكلما زاد عدد المستخدمين الذين تضفيهم، تحسن المنتج أو الخدمة.

ولكن ثمة أنواع مختلفة من آثار الشبكة وأنواع مختلفة من الشبكات. ولا تتمتع شبكات مشاركة الركوب بمزايا بالقدر الموجود على محركات البحث ووسائل التواصل الاجتماعي.

قام فينغ زهو وماركو إيانستي من كلية هارفارد للأعمال بوصف خمس خصائص للشبكات التي تحدد نجاح المنصات، في مقالهما الذي نشر في يناير/فبراير 2019 (كانون الثاني/شباط) بعنوان "لماذا تزدهر بعض المنصات وتفشل أخرى" (Why Some Platforms Thrive and Others Don’t)، وسأذكر اثنتين منها.

الخاصية الأولى هي التجمّع:

"كلما تجزأت شبكة ما إلى تجمعات محلية، وزاد انفصال هذه التجمعات عن بعضها، أصبح العمل أكثر عرضة للتحديات. خذ أوبر على سبيل المثال، حيث يولي السائقون في بوسطن اهتماماً شديداً بعدد الركاب، ويهتم الركاب في بوسطن كثيراً بالسائقين هناك. ولا أحد في بوسطن يبالي بعدد السائقين والركاب في سان فرانسيسكو مثلاً، عدا كثيري السفر. وهذا ما يسهل على أي خدمات مشاركة ركوب أخرى الوصول إلى جمهور مهم في السوق المحلية والانطلاق باستخدام عرض مختلف، كعرض سعر أقل مثلاً. وفي حقيقة الأمر، تواجه أوبر عدداً من التهديدات المحلية على الصعيد الوطني بالإضافة إلى منافستها شركة ليفت. ففي مدينة نيويورك مثلاً، تنافسها شركتا جونو (Juno) وفيا (Via) وشركات التاكسي المحلية. وبالمثل تواجه شركة ديدي (Didi) وهي شركة مشاركة ركوب صينية، عدداً من المنافسين في عدة مدن".

شبكة ليفت المركزية أكثر عرضة للمنافسة من شبكة عالمية مثل تلك التي تقوم بتشغيل أعمال بحث جوجل. (وقد تحدث هوارد يو الأستاذ بكلية إدارة الأعمال بالمعهد الدولي للإدارة والتطوير (IMD) في موضوع متصل بأهمية المعرفة المحلية بالشبكات المركزية مثل شبكة مشاركة الركوب). وتعتبر شركة إير بي إن بي، بشكل خاص، في وضع أفضل على هذا المقياس. إذ لا يهتم المستمتعون بالعطلات والمسافرون لأغراض العمل بشكل رئيس حول غرف للإيجار في الأماكن التي يسكنون فيها، وبهذا فإن شبكة شركة إير بي إن بي أقل تمركزاً إلى حد بعيد.

والخاصية الثانية للشبكات متعلقة بمشاركة الركوب وهي تعدد الوجهات، ويصفها زهو وإيانستي كما يلي:

"يحدث تعدد الوجهات عندما يقوم المستخدمون أو مزودو الخدمة ("عُقد" الشبكة) بتكوين علاقات مع منصات مختلفة (أو "مراكز") في الوقت ذاته. ويجري ذلك بصفة عامة عندما يكون ثمن الاعتماد على منصة إضافية منخفضاً. يستخدم الكثير من السائقين والركاب في قطاع طلب التوصيل كلاً من ليفت وأوبر مثلاً، فيقارن الركاب الأسعار وأوقات الانتظار، ويقلص السائقون مدة توقفهم عن العمل. وعلى نحو مماثل، يعمل التجار غالباً مع مواقع متعددة للشراء الجماعي، وتعمل المطاعم مع عدة منصات لتوصيل الطعام. ويجد مطورو التطبيقات ذات التكلفة العالية أنه من المجدي تطوير منتجات تعمل على كلا النظامين آي أو إس (iOS) وأندرويد.

عندما يكون تعدد الوجهات منتشراً على جميع جوانب منصة ما، كما هي الحال مع طلب التوصيل، يصبح من الصعب جداً بالنسبة لمنصة ما أن تقوم بتحقيق أرباح من أعمالها الأساسية. تستمر أوبر وليفت في تحجيم بعضهما مع تنافسهما على الركاب والسائقين".

كاثرين تاكر من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا تطرح هذه الفكرة أيضاً:

"يتسم قطاع طلبات التوصيل بمنافسة شرسة، وتنفق الشركات مبالغ هائلة من رؤوس الأموال الاستثمارية في جهود رامية إلى تحقيق الانتشار الواسع. ويمكن للمستخدمين تثبيت تطبيقي ليفت وأوبر بكل سهولة على هواتفهم وتحديد أيهما أرخص ثمناً. وبالمثل، يضع الكثير من السائقين هذين التطبيقين على هواتفهم، ويختارون العمل على المنصة التي توفر لهم عمليات نقل تعود عليهم بربح أكبر".

وربما تظهر بعض جوانب عمل شركة ليفت آثار الشركة التي لا تنطبق عليها هذه المخاوف. فكل تجربة ركوب مع ليفت توفر بيانات قيّمة تساعد الشركة على تحسين برامجها الخاصة بإرسال السيارات وتوجيهها، وتتجاوز قيمة بعض البيانات الحدود المكانية. عندما أتصل بشركة ليفت في بوسطن، تساعد البيانات الناتجة من عملية الركوب هذه الشركة على تحسين الخدمة في سان فرانسيسكو أيضاً.

وتعتبر دوائر تقييم البيانات بهذا الشكل قوية بشكل مذهل. ولكن ذلك لا يشكل بالضرورة أخباراً جيدة بالنسبة لشركة ليفت. حيث تكتب الشركة في مستندات الطرح العالم الأولي لها: "نحن نؤمن أن أساطيل المركبات ذاتية القيادة ستكشف في المستقبل عن نمط جديد من المواصلات". وتدعي الشركة أنها قامت من خلال شراكاتها الاستراتيجية بتيسير أكثر من 35,000 عملية نقل باستخدام المركبات ذاتية القيادة. ولكن تواصل المستندات الإفادة بأنه: "إذا لم نكن قادرين على تطوير تكنولوجياتنا من المركبات ذاتية القيادة على نحو فعال أو إقامة شراكات مع شركات أخرى لتوفير هذه التكنولوجيات على منصتنا في الوقت المناسب، فإن ذلك سيؤثر سلباً على عملنا ووضعنا المالي ونتائج عملياتنا".

ومن منظور تنافسي، يبدو سوق المركبات ذاتية القيادة أشبه بسوق محركات البحث منه إلى مشاركة الركوب. وبالطبع تعتبر القيادة مختلفة بعض الشيء في الأماكن المختلفة، ولكن مركبة ذاتية القيادة في أريزونا تعادل ركوب وسيلة نقل آمنة في نيويورك. إذ من المرجح أن تكون آثار الشبكة في هذا السوق أقوى وأكثر استقراراً مقارنة بمشاركة الركوب. تبقى ليفت ومنافستها الرئيسة أوبر تتنافسان بشراسة مع قليل من الأمل بأن تحظيا بآثار شبكة عصيّة على الاختراق. وطوال هذا الوقت، على الشركتين أن تجدا المال والمواهب للمنافسة في قطاع المركبات ذاتية القيادة، والذي تزيد احتمالات أن تتجلى فيه ديناميكيات استئثار الفائز بكل شيء.

تصحيح: ذكرت النسخة الأصلية من هذا المقال أن شركة إير بي إن بي قدّمت للطرح العام. ولكنها لم تقم بذلك حتى تاريخ إصدار المقال.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!