تابعنا على لينكد إن

يتعرض الجميع في ظروف العمل المشحونة في يومنا هذا للشعور بالضغط، لكن الموظفات في المناصب التنفيذية والمهنية يتعرضون باستمرار لقدر أكبر من الضغط والتوتر والقلق النفسي مقارنة بالرجال. ثمة بالتأكيد مجموعة من الأسباب التي تفسر ذلك – مسؤوليات المنزل الكبيرة، التكوين الاجتماعي الذي يدفع المرأة لقول “نعم” لجميع الطلبات، والأجر الأقل لقاء عمل مشابه بعمل الرجل. لكن وفق خبرتنا في تدريب وتأهيل آلاف النساء على مدار سنوات عديدة، فإننا نعتقد أنّ النساء يواجهن مقداراً أكبر من ضغوطات العمل مقارنة بالرجال، وذلك عائد بشكل أساسي إلى اضطرار المرأة للتماشي مع تهديد الصورة النمطية عنها، وهذه ظاهرة لا يعاني منها الرجال عادة.

يقع تهديد الصورة النمطية حين تجد المرأة أنّ الآخرين يرون أداءها أضعف من أداء الرجل (في الاختبارات، والتفاوض، والعروض التقديمية، والقدرة على التنافس)، ونتيجة لهذا الشعور فإنها تعجز عن تقديم أفضل ما لديها. فمجرد إدراك المرأة لوجود صورة نمطية سلبية عن نوعها الاجتماعي يجعلها متوجسة بشكل لا واع من تأكيد هذه الصورة، ما يؤدي إلى تراجع قدراتها الإدراكية، وتشتت التركيز، وزيادة القلق والتوتر.

هنالك اختبار معروف لإثبات أثر تهديد الصورة النمطية، حيث يتم إعطاء النساء اختباراً في الرياضيات بعد أن يتم تذكيرهن بالصورة النمطية التقليدية بأنّ المرأة أضعف من الرجل في الرياضيات. فاللواتي خضعن للاختبار ضمن هذه الظروف كنّ يحققن نتائج أدنى من إمكاناتهنّ المفترضة. أما النساء اللواتي يخضعن للامتحان دون التفكير بالفجوات الجندرية بين الجنسين، فيحصلّن نتائج مشابهة لنتائج من يخضع للامتحان من الرجال. ثمة تجارب أخرى تظهر أثر تهديد الصورة النمطية في أنشطة مختلفة كلعب الشطرنج أو قيادة السيارة.

ليست المرأة وحدها المعرضة لتهديد الصور النمطية، فقد تقع بعض المجموعات العرقية من الأقليات أو الفئات الأقل حظاً في المجتمع من الناحية الاجتماعية والاقتصادية ضحية التنميط. وحتى الرجل الذي يتمتع بمكانة عالية في المجتمع يحصّل نتائج سيئة في اختبارات الحساسية الاجتماعية، التي تختبر القدرة على تحليل الإشارات غير اللغوية من الآخرين، وذلك حين يتم تغذيتهم بفكرة أنّ المرأة تحقق نتائج أفضل من الرجال في هذه الاختبارات.

صحيح أنّ المرأة ليست المتضررة الوحيدة من تهديد الصور النمطية كما ذكرنا، لكنّ تركيز الحديث عنها في مقالتنا هذه يعود إلى أنّ هذه الظاهرة تعدّ سبباً أساسياً لزيادة الضغط على المرأة في مكان العمل، وذلك يعود إلى أنّ بيئة العمل حقل من الألغام التي تنفجر بوجه المرأة على شكل صور نمطية سلبية. حقل الألغام هذا موجود لأنّ النجاح في عالم الأعمال وفي الوظائف (أي أن يكون الشخص قائداً ومفاوضاً ناجحاً ومدافعاً قوياً ومقيماً دقيقاً) يتطلب أداء مهام مرتبطة بصور نمطية إيجابية عن الرجل وأخرى سلبية عن المرأة.

لعل مهارة التفاوض تقدم لنا مثالاً جيداً لفهم هذه الظاهرة. ففي إحدى الدراسات تم جمع طلاب وطالبات في ماجستير إدارة الأعمال في فرق ثنائية، وطلب منهم التفاوض في عملية شراء مفترضة لمصنع تكنولوجيات حيوية. وقيل لنصف المشاركين في هذه التجربة إنّ المرأة عادة ما تكون أقلّ فعالية في التفاوض لأنّها أقل حزماً وعقلانية وأضعف قوة وأكثر ميلاً للعاطفة. أما النصف الآخر منهم فقدمت إليهم معلومات محايدة. وكانت النتيجة أن قامت المشاركات في مجموعة التهديد النمطي بتأكيد الصورة النمطية، وذلك بتقديم نتائج أضعف من النتائج التي أحرزها المشاركون، بينما أحرزت المشاركات في المجموعة الثانية نتائج مشابهة لنتائج المشاركين الذكور.

إنّ تهديد الصورة النمطية يسبب الضعف لأنّه يؤثر سلباً على الذاكرة الوظيفية التي تساعد المرأة على أداء مهمة ما، وتوفّر الذاكرة الوظيفية أحد أهم العوامل المرتبطة بالذكاء العام. بعبارة أخرى، حينما تتعرض المرأة لتهديد الصورة النمطية فإنّها تستنفد طاقاتها الذهنية في سعيها لإثبات خطأ هذه الصورة، ما يتسبب في نقص القدرة الذهنية اللازمة لأداء المهمة المسؤولة عنها. وعليه: فإنّ تهديد الصورة النمطية يخلق حلقة مفرغة من الضغط والتوتر وضعف الأداء ينتج عنها استمرار وتفاقم سوء تمثيل المرأة في المناصب القيادية العليا على مستوى الدولة.

تشعر المرأة بالهزيمة الذاتية حين تجتهد من أجل تجنب تبعات تهديد الصور النمطية، فتحاول أن تدفع عنها الشعور بعدم الثقة بالذات وتحاول ألا تكترث بتلك الصور السلبية عن نوعها الاجتماعي. وحين تبذل الجهد في فعل كل ذلك فإنها تستنفد قدراتها الذهنية المتوفرة لديها لأداء المهام بنجاح في مكان العمل.

يتطلب التعامل بفعالية مع تهديد الصور النمطية من المرأة أن تعتمد إستراتيجيات أكثر ذكاء، كأن تتخيل نفسها مكان الرجل النمطيّ- صلبة، تحب المخاطرة، لا تخشى المنافسة- وذلك لدقائق معدودة فقط قبل أن تبدأ بمهمة قد تعرضها لتهديد الصورة النمطية القائمة على الجندر. إي إنّ على المرأة حين تؤدي مثل هذه المهام أن تذكّر نفسها بأنّ القلق الذي تتعرض إليه ليس له علاقة بقدرتها الفعلية أو أي أمر مفترض وفق تهديد الصورة النمطية. كما أنّ عليها تجنب النظر إلى نفسها من خلال “عدسة الجندر” (أنا المرأة الوحيدة في هذا الاجتماع)، وأن تركّز بدل ذلك على إنجازاتها وقدراتها (أنا الشخص الوحيد الحاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال في هذا الاجتماع). وهذه استراتيجيات مدعمة بالأبحاث العلمية من شأنها أن تساعد على تجاوز تهديد الصورة النمطية.

ويمكن كذلك بناء على خبرتنا في هذا المجال أن نضيف أمراً آخر، حيث بإمكان المرأة أن تتجاوز تهديد الصورة النمطية بفعالية حين تحافظ على حس عال من الفكاهة. إنّ هذا يعني امتلاك نظرة إيجابية حتى في الظروف الصعبة، أي أن تستطيع الضحك مع نفسها، وتستسهل الظروف المحيطة بها وخصوصيات بيئة العمل، وأن تستمتع بضحكة صامتة حين تواجه المواقف الغريبة والصادمة والمتناقضة والمثيرة للعجب والتي تحدث طوال الوقت.

وسأقدم الآن مثالاً واقعياً على استخدام الفكاهة للتأقلم مع تهديد الصور النمطية قد يفيدنا هنا. دخلت نور مرة إلى غرفة اجتماعات ولحظةَ دخولها قال موكّلها، وكان لا يراها: “نور، هل هي فتاة؟ أنا لا أستطيع أن أعمل مع امرأة”. لم تنفعل نور ولم تشعر بالإهانة، وما كان منها إلا أن وضعت يدها على كتفه وقالت له: “أعتقد أنّ علينا أن نتعارف من جديد، أليس كذلك؟”. وبالفعل، خرجت نور من باب تلك الغرفة، ثم استدارت ورجعت، وعرّفت عن نفسها وصافحت موكلها. وكانت النتيجة أنّ علاقة العمل استمرت مع ذلك العميل لسنوات عديدة.

يمكن لاستخدام الفكاهة في المواقف الصعبة والمجهدة التي يسببها تهديد الصور النمطية أن يساعد المرأة على الحد من الانفعالات العاطفية السلبية، وتعزيز أدائها وقدراتها، ولاسيما أنّ الفكاهة تتيح تغيير وجهة النظر بخصوص الضغوط الخارجية أو الداخلية الزائدة التي ترتبط بتهديد الصورة النمطية.

لا يعني استخدام الفكاهة للتأقلم مع تهديد الصور النمطية مواجهة المشكلات بالضحك والقهقهة، بل يعني تنمية القدرة على التعامل مع الصور النمطية الجندرية لا باعتبار أنّها تثير الغضب، بل باعتبار أنها أمر سخيف. نحن ندرك أنّ العقل البشري يتمتع بقدر كاف من المرونة ليدرك أنّ الصور النمطية الجندرية أمر خطير، ويدرك في الوقت ذاته أنّ ثمة ما يستحق السخرية حين يعتقد بعض الناس حقاً أنّ المرأة لا تحسن التفاوض وأنها تفتقر إلى الطموح أو أنها غير قادرة على أن تكون مديرة ناجحة. وحين تكتشف المرأة السخف في الصور النمطية السلبية عنها، ستتمكن من إعادة النظر في التهديد الذي تمثّله هذه الصور على أنها نوع من التحدي لا من الخطر. فمن خلال الفكاهة تستطيع المرأة أن تضع مسافة شعورية بينها وبين ذلك التهديد، كما يمكنها زيادة ثقتها بنفسها أثناء التعامل مع مواقف شخصية مزعجة، ولاسيما حين يتعلق ذلك بتقييم أدائها.

يمكن للمرأة استخدام العديد من الأساليب لتعزيز قدرتها على استخدام الفكاهة في التأقلم مع الضغط في بيئة العمل:

  • قومي بتحديد أمرين أو ثلاثة أمور سخيفة أو تثير الضحك كل يوم، كوني على ثقة أنّ ثمة الكثير من هذه الأمور في حياتنا.
  • تحدثي عن قصص قصيرة وممتعة للزملاء في العمل عن أحداث يومية عادية. ليس الهدف بطبيعة الحال أن تكوني ممثلة ساخرة، ولكن أن تكون لديك القدرة على إيجاد الجانب المضحك في الأمور العادية.
  • نمّي لديك عادة تحديد الجانب المضحك في الظروف الصعبة أو المثيرة للقلق والإحباط أثناء العمل.
  • استمعي إلى المقاطع الكوميدية والحوارات والقصص الساخرة.

وفي المحصلة، يمكن للمرأة، بل يجب على المرأة، أن تتذكر دوماً تلك العبارة التي قالها بيغي نونان، وهو كاتب خطابات سابق في البيت الأبيض وكاتب في صحيفة وول ستريت جورنال: “الفكاهة هي ما تستطيع أن تمتصّ الصدمات في حياتنا وتساعدنا على تلقي الضربات وتحملها”.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz