تابعنا على لينكد إن

لا يُنظر عادة إلى الشركات العائلية باعتبارها مبتكرة على وجه الخصوص. بل يُنظر إليها في كثير من الأحيان على أنها تتفادى المجازفة، وتقليدية، وجامدة.

ومع ذلك، تُعتبر العديد من الشركات المملوكة لعائلات، من بين الأكثر ابتكاراً في القطاع الذي تنشط فيه. منها على سبيل المثال شركة “هيرر لرقائق البطاطا” (Herr’s Potato Chips) و”إنتربرايز لتأجير السيارات”(Enterprise Rent-A-Car). وهناك أمثلة لا حصر لها لشركات عائلية زودت السوق بمنتجات مبتكرة. وأردنا إجراء مقارنة بين أوجه الشبه والاختلاف الفعلية بين الشركات العائلية ونظيراتها من الشركات غير العائلية عندما يتعلق الأمر بالابتكار. ولكن أبحاثنا التي شارك فيها باتريسيو دوران وتوماس زيلويغر خلصت إلى أنّ الإجابة ليست بسيطة.

تُظهر النتائج، التي نُشرت في “مجلة أكاديمية الإدارة” (Academy of Management Journal)، أنّ الشركات العائلية تستثمر بشكل أقل في الابتكار من الشركات الأُخرى (العامة والخاصة) غير المملوكة لأسر. وفي المتوسط، تخصص الشركات العائلية ميزانية أصغر للأبحاث والتطوير مقارنة بالمؤسسات الأُخرى ذات الحجم المماثل، ولكن هذا لا يعني أنها أقل ابتكاراً. وعلى العكس من ذلك، وجدت دراستنا أنّ الشركات العائلية أكثر كفاءة فيما يخص عمليات الابتكار، إذ أنها تحصل مقابل كل دولار ينفق على البحوث والتطوير، على قدر أكبر من النتائج المبتكرة التي تُقاس بعدد براءات الاختراع، أو عدد المنتجات الجديدة، أو الإيرادات المحققة من المنتجات الجديدة. إذن، يمكن القول أنّ مستوى الابتكار أعلى في الشركات العائلية.

لم يحصل هذا؟ نقدم تفسيراً واحداً: تميل العائلات الناشطة في مجال الأعمال إلى تركيز ثروتها في شركة واحدة أو عدد قليل من الشركات. لنأخذ على سبيل المثال ثروة عائلة والتون الضخمة المركزة في “وول مارت”. فهذه الأسر حذرة جداً بشأن الاستثمارات، وتهدف إلى تجنب أي هدر للأموال. ويمكن لمالكي الشركات العائلية استخدام مناصبهم القوية كمساهمين لضمان تركيز المدراء فقط على الاستثمارات المأمونة.

وينسحب هذا الحرص الشديد على عملية الابتكار. فعلى عكس العديد من المساهمين الآخرين، يمتلك أصحاب الشركات العائلية القدرة على ضمان استثمار الأموال في المشاريع المناسبة، وتوظيف الأموال بالطريقة الفعالة. وبسبب علاقاتهم الطويلة مع الشركة، عادة ما يكون أصحاب الشركات العائلية على معرفة عميقة بالقطاع والشركة والمساهمين فيها. كما أنهم يقضون وقتاً طويلاً داخل المؤسسة ويتواصلون بشكل متكرر مع الموظفين والعملاء وغيرهم من المعنيين بنشاط الشركة. علاوة على ذلك، تستفيد العديد من الشركات العائلية من ثقافتها “ذات الطابع الأسري” وعلاقتها الوثيقة مع عدد صغير من الشركاء، ومن الموردين إلى العملاء الذين يمكنهم مساعدة هذه الشركات على تطوير أفكارها الإبداعية، ومنتجاتها، وعملياتها.

إضافة إلى ذلك، وجدنا أيضاً أنّ تأثير نموذج “مدخلات أقل، نتائج أكثر” أقوى عندما لا يمتلك أفراد العائلة الشركة فحسب، بل يقودونها أيضاً. وفي مثل هذه الحالات، يكون تضارب المصالح بين المالكين والمدراء أقل. على سبيل المثال، غالباً ما يتفق مالكو الشركات العائلية ومدراء الشركات العائلية فيما يخص الأفق الزمني لاستثماراتهم فضلاً عن شهيتهم للمخاطرة. ويمكن أن يكون الرئيس التنفيذي لشركة عائلية مصدراً قيماً بما أنه نشأ وكبر داخل الشركة، وعاشر الناس في إطار شبكة علاقات الشركة، وبات أكثر دراية بديناميات مجال نشاطها التجاري وتوزيع السلطة بين المنافسين.

بيد أنّ هذه النتيجة لا تنطبق على جميع الرؤساء التنفيذيين في الشركات العائلية. وخلافاً لما كنا نتوقعه، أظهرت نتائجنا أنّ الشركات التي يقودها أفراد من الجيل التالي من الأسرة هي أكثر ابتكاراً من الشركات الأُخرى، في حين تُعتبر الشركات التي يقودها مؤسسوها أقل كفاءة في مجال الابتكار. بعبارة أُخرى، تنفق الأخيرة المزيد من المال على الابتكار، إلا أنّ نتائجها أقل ابتكاراً. واستناداً إلى نظرية قائمة بشأن الشركات العائلية، نرى أنّ ذلك يعود إلى تراكم مزايا الشركات العائلية على امتداد فترة طويلة من الزمن، فهي لا تظهر على الفور أو عندما يقود الشركات أفراد من الجيل الأول. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن للمرء أن يجادل بأنّ مجموعات مالكي الشركات المتفانين، الموجودة في معظم الشركات العائلية التي تقودها الأجيال التالية، أكثر قدرة في التعرف على الأفكار السيئة والتخلي عنها، في حين يملك المؤسسون حرية التصرف المطلقة للدفع باتجاه الأفكار المحفوفة بالمخاطر.

وكشفت نتائج دراستنا أنّ الشركات العائلية، على الرغم من نفورها من المخاطرة فيما يتعلق بالاستثمار، يمكن أن تبني العديد من نقاط القوة من أجل الاستفادة من قدراتها الخلاقة:

كن مالكاً متفانياً ومطلعاً. مثلما تُبين أعمال كامريلاندر وغانتر في مسألة رقمنة الشركات العائلية، يمكن أن يكون لمالكي الشركات العائلية تأثير إيجابي على الابتكار في الشركة عندما يشاركون بنشاط في عملية الابتكار. ويمكنهم دعم الابتكار بالاستفادة من شبكاتهم الشخصية وتقاسم المعلومات المتصلة بنشاط الشركة مع الموظفين الذين عملوا معهم على مدى عقود. ويمكن للمالكين أيضاً أن يشجعوا الابتكار من خلال تخصيص ميزانية لمشاريع مبتكرة طويلة الأجل.

ولتوجيه عملية الابتكار بفعالية، يجب أن يكون مالكو الشركات العائلية على اطلاع فيما يجري ضمن مؤسساتهم. وعليهم جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن التطورات التكنولوجية ومتطلبات العملاء. وتعد زيموني باجل- ترا، رئيسة مجلس إدارة شركة “هنكل” مثالاً على مالكي الشركات العائلية المتفانين والمطلعين، علماً أنّ “هنكل” شركة سلع استهلاكية متعددة الأجيال يمتلك فيها نحو 150 من أفراد العائلة (من أحفاد المؤسس فريتز هنكل) أكثر من 60% من أسهم الشركة. ويُستشف من المقابلات العديدة مع الصحافة الألمانية، أنّ باجل- ترا نشطة في حزم مصالح الأسرة ومناقشتها مع ممثلي الشركة باستمرار.

استخدم ثقافة الشركة العائلية لتمكين الموظفين. من الأمثلة على ثقافة الشركات العائلية المبنية على الثقة والتي تعزز الابتكار، شركة التصنيع “دبليو ال غور أند أسوشيتس” (W. L. Gore and Associates). إذ تمنح الشركة الموظفين فترة حرة ما بعد الظهيرة في أحد أيام الأسبوع لطرح أفكار جديدة لتحسين العمليات والمنتجات، وهي تسعى إلى تعزيز التبادل الصريح والخلاق والبناء للأفكار داخل المؤسسة. يتمثل أحد المبادئ التوجيهية للشركة بالآتي: “إن لم ترتكب أي خطأ هذا الأسبوع، فهذا يعني أنك لم تحاول بما فيه الكفاية التفكير خارج الإطار التقليدي”. كما تتأكد الشركة من مشاركة الأفكار علناً، دون خوف، عبر المستويات والإدارات الهرمية من خلال عقد اجتماعات لتبادل الأفكار تجمع مختلف التخصصات الوظيفية والرتب الهرمية.

وجدنا أنّ الشركات العائلية الأُخرى تسهل اللقاءات بين الرئيس التنفيذي والموظفين، في حين أنّ بعض الشركات العائلية المبتكرة تقوم رسمياً بتنظيم جلسات “تبادل الأفكار” مع المدير التنفيذي والموظفين، في حين يستثمر آخرون المناسبات، مثل الاحتفالات السنوية وورشات العمل، مع مالكي الشركات العائلية والموظفين.

ويُعتبر المدراء التنفيذيون للشركات العائلية التي تحرص على تمكين الموظفين أيضاً على تواصل دائم مع الموظفين، ليس فقط إلكترونياً بل وبشكل مباشر كذلك. يستمتع العديد من الرؤساء التنفيذيين لشركات العائلات الذين تحدثنا إليهم بالتجول في أرجاء شركاتهم ومصانعهم لتبادل الآراء والأفكار مع موظفيهم.

استثمر شبكتك الخارجية الموثوقة. أظهرت الأبحاث أنّ الاعتماد على عدد محدود من المصادر الموثوقة يمكن أن يكون فعالاً لتطوير أفكار مبتكرة وقابلة للتنفيذ. عند البحث عن نماذج أعمال جديدة. على سبيل المثال، تدعو شركة عائلية ألمانية مجموعة متنوعة من “أصدقاء” المؤسسة لمناقشة الأفكار، من مدراء داخليين وخارجيين، وسياسيين وأساتذة جامعات وغيرهم من المالكين مديري الشركات العائلية.

تستضيف إحدى الشركات العائلية السويسرية مسابقة ابتكار سنوية بين مورديها. ويُمنح الفائز، وهو المورد الذي يقترح أفضل فكرة لتحسين المنتجات أو الخدمات التجارية، شهادة وعشاء مع فريق إدارة الشركة. يمكن القول أنّ المنفعة المتبادلة لكلا الطرفين هائلة، إذ تحصل الشركة العائلية على أفكار قيمة بينما تتعزز سمعة المورد، في حين تبقى التكاليف معقولة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz