من لا يرغب في الحصول على ترقية، خصوصاً لمنصب يتضمن مسؤوليات قيادية؟ يُعتبر من الصعب سوق حجج مضادة لحيازة المزيد من النفوذ وتحسين مستوى الدخل. وبالفعل، تترافق الترقية إلى مناصب إدارية عادة مع زيادة في الرضا الوظيفي.

أيد الباحثون ومن تولوا مناصب إدارية على الدوام القول بأنّ الموظفين يقدّرون الترقيات ليس فقط بفضل ما يرافقها من تحسن في الدخل المادي والعلاوات وإنما كذلك لأن المناصب الإدارية تترافق مع مزيد من السلطة والفرص لإنجاز عمل مؤثر. ويتمتع المدراء كذلك بقدر أكبر من الاستقلالية في عملهم وقوة اتخاذ القرار وكذلك بمزيد من الهيبة والوقار على مستوى الشركة. فقد بينت الأبحاث أنّ كل هذه العوامل، لها تأثير إيجابي على الرضا الوظيفي.

ولكن تجارب المديرات تبدو أكثر تعقيداً من ذلك. إذ يفيد عدد من المديرات أنّ الترقية إلى منصب إداري لم تحسّن شعورهن بالرضا الوظيفي. بدلاً من ذلك، يتحدثن عن جملة من الصعوبات التي تواجهها النساء ما إن تتم ترقيتهن إلى منصب إداري مثل التشكيك في جدارتهن والتقليل من قيمة مساهمتهن، واستبعادهن من الشبكات القوية المؤثرة.

فهل هذه الأمثلة حقيقية ولكن معزولة؟ أم أن الترقية لمنصب إداري لها بالفعل تأثير مختلف على الرضا الوظيفي عند الرجال والنساء؟ لقد كانت الغاية من دراستي الحديثة هي إيجاد إجابة عن هذا السؤال.

ولأتمكن من تكوين فهم أفضل لتأثير الترقيات على الرضا الوظيفي لدى المدراء من النساء والرجال، كان علي أن أتغلب على عيب رئيسي في الدراسات الراهنة التي تقيم صلة ما بين الترقيات والرضا الوظيفي، ألا وهو كونها دراسات وصفية “مستعرضة” (cross-sectional). فالدراسات المستعرضة أو المقطعية تقارن في وقت معين بين الرضا الوظيفي للمدراء مع الرضا الوظيفي لدى الموظفين ممن لا يشغلون مناصب إدارية. ويكون جمع بيانات في “نقطة زمنية محددة” مخادعاً لأنه لا يأخذ في الحسبان حالات التحيّز الناجمة عن الاختيار الحر في الانتماء لمجموعة معينة. وعلى سبيل المثال، فإنّ الأدلة المقطعية التي تبين أنّ المدراء من الإناث والذكور على حد سواء راضون عن وظائفهم ربما يرجع إلى أنّ النساء الأقل رضا عن تجاربهن الإدارية الجديدة قد تسربن بالفعل من العينة.

وفي تحليلي، استخدمت بيانات طولية عالية النوعية من لجنة وطنية في المملكة المتحدة. تتضمن البيانات عشر سنوات من المعلومات عن عشرات الرجال والنساء الذين ترقوا إلى مناصب إدارية دنيا أو عليا سواء داخل الشركة أو عبر الانتقال إلى شركة أو مؤسسة جديدة. وتتضمن كذلك معلومات ثرية تتعلق بعوامل أُخرى تُعرف بأن لها تأثيراً على الرضا الوظيفي مثل التعويضات والنظرة الشخصية إلى فرص الترقية، وأنماط العمل المرنة، وقطاع العمل، وساعات العمل، والساعات التي تُصرف في العمل ضمن المنزل (انظر إلى الدراسة المنشورة للاطلاع على اللائحة الكاملة لعوامل التحكم).

بعد التحكم بالعوامل المذكورة أعلاه، بقيت فجوة في الرضا الوظيفي بين النساء والرجال الحاصلين على الترقية. ومثلما يبين الرسم البياني أدناه، لا توجد فجوة مهمة من الناحية الإحصائية قبل الترقية إلى المنصب الإدارية. في المقابل، صارت الفجوة مهمة في وقت الترقية وازداد اتساعها في فترة ما بعد الترقية.

أردت كذلك أن أرى إذا كان تأثير الترقيات إلى مناصب إدارية عليا مختلفاً عن الترقية إلى مناصب إدارية دنيا، فأجريت التحليل مجدداً. ووجدت تأثيراً إيجابياً للترقية على الرضا الوظيفي لدى الرجال الذين تمت ترقيتهم إلى مناصب إدارية دنيا أو عليا على السواء. وظل التأثير إيجابياً ومهماً إلى ما بعد السنة التي جرت فيها الترقية.

لكن النتائج كانت مغايرة بصورة ملفتة لدى النساء: لم تسجل النساء اللواتي رُقين إلى مناصب إدارية دنيا تغيّراً إيجابياً في رضاهن الوظيفي، بدلاً من ذلك، ظل رضاهن الوظيفي مسطحاً نسبياً خلال فترة الترقية وفي الفترة التي أعقبتها. في المقابل، سجلت النساء اللواتي رُقين إلى مناصب إدارية عليا انخفاضاً ملحوظاً في الرضا الوظيفي بعد السنة الأولى.

كانت هذه التأثيرات متسقة مع فرضية “السقف الزجاجي” التي تفيد أنّ تجارب العمل أكثر صعوبة بالنسبة للنساء اللواتي يترقين إلى مناصب إدارية عليا.

يمكننا القول إنّ خيبة أمل النساء إزاء تجربتهن الوظيفية الإدارية لها تداعيات مقلقة بالنسبة للشركات والمؤسسات. ونظراً إلى أنّ رضا النساء الوظيفي يتدهور بعد ترقيتهن لمنصب إداري (في حين أنّ رضا زملائهن الرجال يتحسَن) فتُعتبر النساء على الأرجح أقل ميلاً للتفكير في تولي مناصب إدارية عليا، وبالتالي يخفّض هذا الأمر عدد المواهب النسائية في المناصب العليا. علاوة على ذلك، ولأن المرشحين المحتملين للمنصب يكوّنون فكرة عن ملاءمتهم للوظيفة بناء على التواصل والمقارنة مع مجموعات مماثلة من الناحية الديموغرافية الإحصائية، فإذا ما تصورت النساء الطامحات للارتقاء مهنياً أنّ الترقية الإدارية تؤدي إلى تدني الرضا الوظيفي فإنهن لن يُقبلن على الأرجح للترشح لأي وظيفة إدارية.

كيف يمكن للشركات والمؤسسات أن تعرف إذا كانت لديها فجوة في الرضا الوظيفي بين مدرائها؟

الجيد في الأمر أنّ بعض البيانات متوفر لدى معظم المؤسسات والشركات في مسوحات مستوى رضا الموظفين. ويكشف إجراء تحليل أشمل لهذه البيانات بإضافة بعض الأسئلة إلى المسح، عن تباينات في الرضا له صلة بالنوع الجندري على مستوى المدراء. فضلاً عن ذلك، من شأن القياس المنتظم لرضا الموظفين الإداريين أن يتيح للشركات اتخاذ إجراءات لتصحيح الفجوات المتصلة بالنوع الجندري في الرضا الوظيفي دون تأخير.

ربما لا يكون انتظار اتخاذ الشركات إجراءات لتصحيح الأمر سيناريو مريحاً للنساء اللواتي يفكرن في الارتقاء في مسيرتهن المهنية عبر تولي منصب إداري. لكن يمكن للشركات الحصول على قياس واقعي للصعوبات التي تواجهها المديرات، فكلما كانت على بيّنة من هذه الصعوبات أمكنها الاستعداد للتعامل معها. فلدى البشر ميل طبيعي للتقليل من احتمالية تعرضهم لأحداث سلبية، وتساهم الإشارات الاجتماعية والبيئية في تضخيم هذا التهوين. ونظراً للاهتمام الذي تحظى به مسألة المساواة في المجتمعات الغربية، فربما يجعل ذلك من الأصعب على الجيل الجديد من المديرات تخيل احتمال التعرض لتجارب سلبية في العمل بسبب النوع الجندري. ربما العثور على موجّهات جيدات راغبات في مشاركة تجاربهن الصعبة في الإدارة بصراحة  يجعل جيلاً جديداً من المديرات الشابات أكثر استعداداً لصعود السلم الإداري.

وعندما يرغب عدد أكبر من النساء القياديات في تشارك تجاربهن مع القادمات الجديدات، مع اعتراف صادق من الشركة بالعراقيل التي تواجهها المديرات، لا يكون ثمن القيادة النسائية مكلفاً إلى هذا الحد.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!