5 رسائل على القادة أن يحرصوا على إيصالها بوضوح

21 دقيقة
shutterstock.com/Lightspring
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

إذا أردت أن تعرف لماذا تغرق العديد من المؤسسات في الفوضى، ما عليك سوى أن تدقق في الكلام الصادر عن قادتها. لا شك أن مهمة القيادة، على مختلف مستوياتها غير سهلة، لكن التفوه بكلام غير واضح ومبهم ومتقلب يجعل من منصب الكثير من كبار المدراء أكثر صعوبة مما ينبغي.

يدلي القادة بصورة متكررة بعبارات نمطية مثل “دعونا نركز على الأولويات الرئيسية في هذا الفصل”، أو “العملاء أولاً”، أو “نريد من قسم الهندسة أن يبذل قصارى جهده هذا الشهر”. لا شك أنها عبارات من العيار الثقيل، وإنما هي ضبابية ولا تفيد في شرح الوجهة التي يرى هؤلاء القادة أن الشركة تتجه نحوها. وفي أكثر الأحيان، يفترض هؤلاء القادة أن الجميع يشاطرونهم الرأي الذي يسبغونه على عبارات مثل الرؤية والولاء والمساءلة والعلاقات مع العملاء وعمل الفريق والتركيز والأولوية والثقافة والتوفير وصنع القرار والنتائج وهكذا دواليك، إلى ما لا نهاية.

حتى كبار المدراء، يحركون رؤوسهم بإشارة الموافقة عندما يستخدم رئيس الشركة عبارات رنانة مثل تلك العبارات، لكن هؤلاء المدراء قد يشعرون على نحو ما بالحرج ويتساءلون إن هم فهموا المُراد حقاً. وبدلاً من طرح سؤال للاستفسار – سؤال يخشون أن يجعلهم يبدون أغبياء – يقومون بتمرير تلك الأوامر الغامضة إلى فريقهم الذي يقوم بدوره بوضع تفسيراته الخاصة بشأن ما يعنيه مسؤولهم. وفي غياب تواصل واضح يلبي الرغبة الملحة في معرفة ما الذي يفكر فيه المدير، يتخيل الناس دوافع لا حصر لها. وتأتي النتيجة في أحيان كثيرة على شكل تصرف بلا اكتراث وعدم اتساق، وهي أمور قد تكلف الشركة غالياً. وبالتالي، يُهدر وقت ثمين، وتكثر الشائعات، ويفقد الموهوبون القدرة على التركيز، وتفشل مشاريع كبيرة.

في المقابل، فكروا بطريقة عمل فريق ذي موثوقية عالية – لنتصور في هذه الحالة غرفة طوارئ أو فريق التدخل السريع. هنا يتكون لدى كل فرد فهم واضح عما تعنيه الأمور. فالجراحون والممرضون يتحدثون اللغة الطبية نفسها، وفرق التدخل السريع تعرف تماماً ما هي الأسلحة التي ستستخدمها ومتى وكيف وفي أي ظروف تُستخدم. في مثل هذه المهن، لا مجال على الإطلاق لأي نقص في التواصل. فإذا لم يتحدث أعضاء الفريق مع بعضهم بوضوح تام، يمكن أن يتسبب ذلك بوفاة أحد الأشخاص. بالطبع لا يموت الناس في الشركات، ولكن في غياب تعريفات واضحة وتوجيهات واضحة من القمة، فإنهم يعملون بصورة غير فعالة ولغايات متعارضة.

 

لقد عملتُ على مدى سنوات مع المئات من المدراء التنفيذيين بصفتي مرشداً في مسائل القيادة وعضو مجلس إدارة ومستثمراً برأسمال مُجازف، ومستشار استراتيجيي. وشغلت كذلك منصب رئيس ومدير تنفيذي لشركتي ويسل كوميونيكيشن (Whistle Communications) التي اشترتها شركة آي بي إم في سنة 1999. يتراوح حجم الشركات التي عملت مع رؤسائها التنفيذيين – وهي عادة تنشط في قطاع التكنولوجيا – من 100 إلى آلاف الموظفين. ومن خلال متابعة عمل المدراء التنفيذيين، خلصت إلى أن عمل القيادي الحقيقي هو في إلهام الشركة من أجل تحمُّل مسؤولية توفير ظروف أفضل في المستقبل. أؤمن أن التواصل الفعال هو الأداة الإدارية الأهم التي يملكها القائد من أجل تحقيق ذلك. وعندما يصرف القادة وقتاً في شرح ما يقصدونه، بصورة واضحة (من خلال التحديد الدقيق لرؤيتهم ونواياهم وتوجهاتهم) وبصورة ضمنية (من خلال سلوكهم) فإنهم يمارسون التأثير الذي تحتاجه الشركة بصورة ملحة، بدلاً من العبارات المبهمة والرنانة التي يحلق بها خيال الموظفين. من خلال توضيح العبارات المبهمة ومن خلال قيادة وتوجيه وضبط المفردات المستخدمة في الشركة، يوجه القادة بنجاح طاقة وجهود موظفيهم الثمينة ويضمنون الالتزام والمشاركة داخل المؤسسة.

خلال عملي البحثي على هذا الموضوع، اكتشفت أن العديد من القادة لا يصرفون وقتاً على تحديد وتوضيح ما الذي يعنونه عندما يستخدمون عبارات عامة أو نمطية. فهم لا يحبذون الشعور بأنهم يستخفون بالناس عندما يشرحون ما يبدو غير ضروري، سواء في السياق أو التفاصيل. ويفترض القادة ببساطة أن المعنى الدقيق لكلامهم واضح، ويُفاجَئون عندما يعرفون ليس فقط أن رسالتهم لم تكن واضحة، وإنما أن فرق العمل تسعى للحصول على معلومات وتفاصيل واضحة حتى لا يضطروا إلى تخمين المقصود بقول المدير.

إذا قبلنا أن عمل القائد يقوم في الصميم على إلهام ودعم المسؤولية الجماعية في الشركة وتوفير مستقبل أفضل لها، فما هي إذاً مفاتيح الفعالية؟ ما هي الأدوات التي يحتاجها القادة من أجل هذه المهمة؟ وما هي الذهنية النموذجية التي يجب أن التحلي بها؟ يروق لي تشبيه القادة الناجحين بسائقي عربات القطار المهرة. فالقطار يمكن التحكم به من خلال مجموعة من المفاتيح والأذرع، فإذا شد السائق إحدى الأذرع، يسير القطار قدماً، وعندما يشد أخرى، يتوقف، وهكذا. عندما تكون المؤسسة أو الشركة متسقة، يسهل تحريك الأذرع، فهي تعمل بسلاسة تمكِّن السائق والركاب والقطار من التحرك إلى الأمام بلطف وكأنهم جسد واحد.

لقد خلصتُ من خلال تجربتي إلى أن خمسة أمور تتحكم بسير القطار، وهي الهيكلية التنظيمية والتراتبية الهرمية، والنتائج المالية، والمعنى الذي يعطيه القائد لعمله أو تعطيه القائدة لعملها، وإدارة الوقت، وثقافة الشركة. إن الرسائل المتصلة بهذه المواضيع تترك تأثيراً لا حصر له داخل الشركة. فعندما يفترض القادة أن الجميع في الشركة يشاطرونهم تكهناتهم عينها أو أنهم مدركون للنماذج الذهنية التي لدى هؤلاء القادة عن هذه المواضيع الخمسة، فإنهم يفقدون قدرتهم على التحكم بالأذرع الإدارية وسرعان ما يجدون بين أيديهم قطاراً جامحاً فقدوا السيطرة عليه. ولكن عندما تُعرف هذه المواضيع الخمسة وفق الأصول وتُحدد وتُنشر وتُضبط، فإنها توفر للقائد الفرص لضمان تناغم عمل المؤسسة وزيادة الموثوقية وتحسين الأداء إلى حد كبير.

قبل الخوض في كل رسالة، أود أن أتطرق إلى بعض الاعتراضات المبررة، أولاً، لماذا تتخذ هذه النقاط الخمسة تحديداً كل هذه الأهمية، لماذا مثلاً يفترض إيلاء أهمية أكبر إلى تحديد ثقافة الشركة من تحديد العلاقات مع العملاء؟ بالطبع، تتخذ عبارات أخرى أهمية قصوى في بعض المؤسسات، لكني توصلت إلى أن هذه المسائل الخمس توفر نقاط انطلاق رائعة وأمثلة قوية على نوع الصعوبات التي تطرح نفسها عندما يتحدث القادة إلى فرقهم بصورة يومية. ولا تمثل هذه المسائل الأمثلة الأكثر حدة على مخاطر التواصل المبهم فحسب، وإنما عندما يتم إتقانها والتحكم بها، فإنها تضع بيد القيادة أعظم رافعة يمكن أن يحظوا بها.

أنا لا أقترح بتاتاً أن يتحول القادة إلى طغاة متبجحين، عن طريق طرح تحديد أو تفسير دقيق للمفاهيم الخمسة، لا بل على العكس، أنا أقترح أنه عندما يحدد القادة ما يعنونه ويَخطون وجهة سير واضحة بناء على ذاك التحديد، تتحسن العلاقات ويحصلون على آراء بناءة، ويصبح العمل أكثر فعالية ومتماشياً مع الاستراتيجية، ويتبع ذلك تحسن الأداء.

الرسالة الأولى

الهيكلية التنظيمية والهرمية التراتبية:

يُعد المخطط التنظيمي للشركة نظراً لما يسبغه من سلطة ونفوذ على كل منصب، إطار عمل مشحوناً بالمشاعر حتى في الأوقات التي تكون فيها الشركة في أحسن حالات الاستقرار. ولكن، عندما تكون الهيكلية التنظيمية للشركة في حالة تغير، قد يصبح المخطط التنظيمي باعثاً على الخوف حقاً، لا سيما في الشركات التي يخشى فيها الموظفون، بسبب الثقافة السياسية السائدة، مما يمكن أن يمثل ذلك من مخاطر على أوضاعهم الشخصية.

وفي حال فشل رئيس الشركة التنفيذي في تحديد وضبط تعريفات عملية إعادة التنظيم، بما يشمل خسارة وظائف، وتغيير في المناصب الإدارية، واعتماد منهجيات عمل جديدة، فقد يتسبب ذلك بتوقف الشركة بأكملها عن العمل. يمكننا أن نطرح مثالاً لما حدث عندما سمح رئيس تنفيذي معروف بسريان تخمينات مسلّم بها في مثل هذه الحالات بشأن “إعادة الهيكلة”. قبل عدة سنوات، قررت كارلي فيورينا أن شركة هيوليت-باكارد (آتش بي) (Hewlett-Packard) تحتاج إلى إعادة هيكلة من القمة إلى القاعدة. وكانت لديها فكرة ثابتة بأن إعادة الهيكلة يجب أن تُدار وفق أقصى درجات التأني، وسربت ضمناً رؤيتها من خلال الطريقة الحذرة التي عوَّمت بها فكرتها مع كبار المدراء. كانت قلقة من أن تؤدي خطة إعادة التنظيم إلى حالة من الفوضى بسبب الحساسيات المتصلة بمصالح كل طرف، لا سيما بين مدراء الصف المتوسط. ولهذا السبب، افترض الجميع أن “إعادة التنظيم” هي سبب للخوف والرهبة.

على امتداد شهرين قبل إعلان فيونا رسمياً خطتها، تباطأ العمل أو حتى توقف إذ أن الموظفين الذين كانوا يجهلون ما يمكنهم أن يتوقعوه أو يخشوه، نقلوا تركيزهم إلى التغيرات المقبلة. وغرق المدراء في معارك النفوذ من أجل الحفاظ على السلطة والقوة. وانهار الدافع للعمل، وتأجل تنفيذ العقود الخارجية، إذ لم يعد أحد يعرف من سيتولى إدارة أي قسم بعد إعادة التنظيم. وعندما أعلن عن المخطط التنظيمي الجديد في نهاية الأمر، شهدت الشركة فترة إضافية من انعدام الإنتاجية مع تسلم الموظفين أدوارهم الجديدة. لقد خسرت الشركة عملياً 12 أسبوعاً بالكامل، أي ربعاً سنوياً بأكمله. وإذا حسبنا أجور الموظفين خلال تلك الفترة وأخذنا في الاعتبار النقص في خدمة العملاء وابتكار المنتج خلال تلك المدة، يمكن أن نتصور بلا أي مبالغة الضرر الذي لحق بالشركة.

قد يبدو منافياً للمنطق إلقاء اللوم على كاهل فيورينا لأنها لم تدرك أنها نقلت إلى الشركة شعورها بالهلع، أو تحميلها المسؤولية لأنها لم تتوقع عواقب الكلام عن أفكارها المتصلة بإعادة الهيكلة قبل أشهر من الكشف عن تفاصيل خطتها. وفي النهاية، لا يمكن أن يكون القادة مسؤولون عن ضمان التنفيذ المثالي لأي خطة، ولكن يمكن أن يُحاسبوا على الالتزام بالمعايير المطلوبة عندما يتحدثون عن رؤية وعن مقوماتها. لو أن فيورينا تحدثت بوضوح أكبر عن المخطط الرئيسي خلف إعادة التنظيم، واتخذت قرارها بصورة أسرع، وتواصلت مع المدراء بصورة أوضح، لتكوَّن لدى العاملين في شركة هيوليت باكارد فهم أوضح للعملية ولأسباب الجدول الزمني الممتد، ولأدوارهم ضمن الشركة بعد التعديل.

إن القائد الذي يمسك بسرعة بزمام الأمور فيما يتصل بشرح فكرته حول إعادة التنظيم، يمكنه أن يمنع إثارة الهلع. إن الأجدى بالقائد التفكير بالهيكلية التنظيمية بصفتها خارطة مرنة للمساءلة في العمل، وبالتالي النتائج – أي على أنها مبدأ توجيهي الغاية منه تحديد الأهداف واستخدام الموارد على النحو الأمثل وليس للتخلص من الموظفين أو الحط من قدرهم. عندما يتم تعريف إعادة التنظيم على هذا الأساس، فإنها تفقد ما هو معروف عنها بصفتها طريقة موارِبة لإجراء تبديلات في مراكز القوى خدمة لأهداف شخصية، سواء كان الأمر حقيقياً أم مُتخيلاً.

يُظهر الرئيس التنفيذي لشركة برمجيات تضم 150 شخصاً كيف يمكن للقائد أن يحول دول انتشار الهلع بسبب التنافس على السلطة من خلال البقاء على تواصل لبث المعلومات بصورة موجزة ومباشرة. وبدلاً من النظر إلى المخطط التنظيمي بصفته مصدراً للقلق، ونقل ذاك الموقف إلى الشركة، يختار الرئيس التنفيذي أن ينظر إليه بصفته مجرد هيكلية مؤقتة تتيح استخدام الموارد على النحو الأمثل. وحين يتعين اعتماد استراتيجية جديدة أو توجهاً جديداً يُشرك العاملين في شركته بصفتهم عناصر تغيير فاعلين فلا يُتركون عرضة للتكهن بمصيرهم وما إذا كانوا سيصبحون ضحايا عملية التغيير. على سبيل المثال، أدرك الرئيس التنفيذي في لحظة ما أنه بحاجة إلى إعادة ضبط الموارد الداخلية مع اكتساب شركة منافسة مزايا على حساب شركته، فدعا إلى اجتماع عام صباح يوم الاثنين قال خلاله “أيها الفريق، نحن في حرب على حصتنا من السوق. أنا أقبض راتبي لكي أنتصر في هذه الحرب وأنتم كذلك. ولكني لا أعتقد أن هيكليتنا الحالية تتيح لنا كسب هذه المعركة بالتحديد، لهذا سأعيد تنظيم الموارد لكي نتمكن من تنفيذ العمل بفعالية أكبر. سيواصل معظمكم أداء العمل الذي تؤدونه الآن، ولكن قد يتغير المشرفون عليكم”. وبعد أن عرض مخطط العمل الجديد على الجميع، نظر إلى ساعته وقال “إنها الآن الحادية عشرة إلا ربعاً. لديكم حتى الظهر لكي تعربوا عن استيائكم وتبرمكم إذا كان هذا ما تشعرون به. بعد الظهر، سنقدم البيتزا للجميع. وعند الواحدة بعد الظهر، سنتوجه إلى العمل كل في منصبه الجديد”.

لقد شرح لي الرئيس التنفيذي في ما بعد ما فعله: “لقد كانت لدينا شركة منافسة عرفنا من خلالها طريقة أمثل لكسب السوق. كنا نحن الإثنان مثل قادة فريقين للإطفاء، ولدى كل منا سبعة أفراد ومجموعة كاملة من الدلاء والخراطيم. كان لدى فريقي خمسة أشخاص لديهم دلاء، واثنان مع خراطيم. وكان لدى الفريق الآخر ثلاثة أشخاص معهم دلاء وأربعة معهم خراطيم. لم يكن تنظيمنا يسمح لنا بالمنافسة والكسب. لم أكن أسعى إلى إعادة توزيع مواقع السلطة، كنت فقط أعمل على تحسين استخدام الموارد على أفضل وجه. لم أكن أرغب في أن يُنظر إلى هذا التغيير بصفته على صلة بتوازن القوى. أردتهم أن يرونه على أنه خطوة ضرورية للشركة للحفاظ على قدرتنا التنافسية”.

بالطبع، إن تغيير أدوار موظفين في شركة تضم 150 شخصاً يختلف تماماً عن فعل ذلك في شركة عملاقة مثل هيوليت باكارد. ولكني أقول هنا إن قيمة التواصل الواضح والصريح والشفاف تزداد باضطراد مع حجم الشركة. وفي الواقع، فإنه يمكن إعادة تنظيم الأدوار في شركة كبيرة أسرع بكثير عندما يقرر الرئيس التنفيذي عن قصد عدم تضخيم البالون السياسي المتصل بالصراع على النفوذ وعدم السماح للآخرين بأن يفعلوا ذلك.

بعد جمع المعطيات واتخاذ قرارها، لم تكن فيورينا ملزمة بالكشف عن التجاذبات المتوقعة، ولكن قبل 48 ساعة من الإعلان عن المخطط الجديد، كان يمكنها عقد اجتماع عام للشركة مرفق ببث مباشر عبر الإنترنت لتوضيح أهمية التغيير. ولتفادي انشغال الموظفين بالتفكير في من سيخسر منصبه ومن سيترقى، كان بإمكانها أن تطلب من كل المعنيين بالتعديلات أن يحددوا بسرعة ويعرضوا أهدافاً واضحة للأيام الستين التالية. وبالتالي كان يمكنها أن توضح أن مخطط الشركة التنظيمي لا علاقة له بتاتاً بصراع النفوذ وإنما متصل تماماً بكفاءة الأداء.

الرسالة الثانية

النتائج المالية:

تمثل “النتائج” مفهوماً آخر قوياً يعرض سلامة الشركة للخطر على المدى البعيد، إذا لم يتم توضيحه، وعندما يقول مدير كبير للموظفين أن عليهم أن “يركزوا على نتائجنا المتوخاة”، غالباً ما يفسر كبار المدراء ذلك على أنه “افعلوا كل ما هو ممكن لتحقيق توقعات المستثمرين”. عندما تغيب عن القادة رؤية الصلة بين سلوك الموظف والنتائج، ويخفقون في الاستفادة من فرص التعلم، فإنهم يضيِّعون فرصة بناء قيمة بعيدة المدى لشركتهم.

لقد اعتقد رئيس تنفيذي عرفته أن الغاية الوحيدة حقاً من وظيفته هي أن يخرج بتوقعات ووعود جريئة بشأن النتائج الربعية وبالتالي بلوغ الأرقام المحددة بكل الطرق الممكنة. وبحلول الأسبوع التاسع من كل ربع، عندما كانت تظهر التوقعات عجزاً في تحقيق الأهداف، مارس ضغوطاً هائلة على قسمي المبيعات والمالية. لقد كانت رسالته الضمنية هي: “هذه هي النتائج التي أريدها: لا يهمني كيف تحققونها”. لقد كان يتوقع أن تحقق الشركة ازدهاراً منقطع النظير.

ولكن ما حدث هو العكس، لأن تعريف الرئيس التنفيذي للنتائج كان ضيقاً تماماً، ولأنه فشل في تحفيز أو تعويض الجهود التي بذلها فريق المبيعات، ولم يشعر فريق المبيعات بتأنيب ضمير لقاء حشو قنوات البيع. ورغم أن الأمر لم يتبعه أي إجراء تأديبي، دفعت الممارسات الخاطئة بالشركة إلى إعادة حساب نتائجها وكبدها الأمر تدهور سعر أسهمها. ولم تسجل زيادة في العائدات ربع السنوية التي بقيت عند 10 ملايين دولار، وفي نهاية الأمر بيعت الشركة بسعر مهاود على أساس إيراداتها السنوية.

على المدى البعيد، تنبع النتائج الإيجابية باستمرار من استراتيجية ذكية ومن التركيز الذي لا يقل عن جودة التنفيذ. فكروا على سبيل المثال بلاعب غولف محترف مثل تايغر وودز الذي كان رهانه الأمثل لكسب بطولة رئيسية على التركيز على هدفه، والإعداد والتسديد. ما إن تصبح الكرة في الهواء، يستحيل التحكم بها وستهبط أينما يحلو لها. وبالمثل، فإن القادة الفاعلين يدركون أن الفائدة الأكبر تتحقق من احتساب النتائج الربعية بصفتها قياساً للتحسين على المدى البعيد، وأن هذا أجدى من مجرد القلق بشأن تحقيق مكاسب قصيرة الأمد في السوق. ومن خلال استخدام النتائج بصفتها أداة تشخيص من أجل تحسين التنفيذ في المستقبل، ومن خلال الطلب من الموظفين المشاركة في التحليل، يشجع القادة الفاعلون الصراحة ويشركون موظفيهم في حوار مفتوح. هكذا سيكون الموظفون على الأرجح أكثر قدرة على طرح أفكار جيدة، وستكون الشركة أكثر قدرة على تجاوز التوقعات المالية، فصلاً بعد آخر.

لقد سررت بالعمل لمدة ست سنوات تحت إشراف جون أدلر، الرئيس التنفيذي السابق لشركة “أدابتك” (Adaptec) للتكنولوجيا. وخلال 12 سنة قضاها على رأس الشركة، رفع أدلر تقييم الشركة من 100 مليون دولار إلى أكثر من خمسة مليارات دولار بفضل موقفه السليم إزاء الأهداف التجارية والنتائج المالية. لم تكن النتائج بالنسبة إليه سلاحاً تأديبياً، وإنما مؤشراً تشخيصياً مفيداً وأداة تعليمية. فعندما أخفقت الشركة مرة في تحقيق هدفها الربعي، حلل مع فريقه الإداري كافة العوامل المساهمة في الإخفاق، ليكتشفوا أنه ونتيجة لمسألة غير اعتيادية تتعلق بمراقبة الجودة، لم تتمكن الشركة من تسليم بعض الطلبيات في نهاية الربع. وبدلاً من الرد بانفعال وتوجيه اللوم، وجه أدلر أسئلة حازمة إلى فريق كبار المدراء الذي تمكن من التوصل إلى أساس المشكلة. بعدها شارك هذه المعطيات على نطاق واسع لضمان تعلم كافة الموظفين في الشركة. ومن خلال التركيز على كشف الحقيقة وتحمل المسؤولية عما حصل، جعل أدلر الموظفين يشعرون بالأمان في مناقشة المسالة من دون خوف من رد فعل انفعالي قد تسفر عنه عقوبات اعتباطية.

عندما تُشرح خطة إعادة التنظيم على أنها مجرد خطة لتحديد الأهداف واستخدام الموارد على النحو الأمثل، فإنها تفقد سمعتها المسلم بها بصفتها وسيلة مواربة لتغيير مراكز القوى والنفوذ.

الرسالة الثالثة

المعنى الذي يوليه القائد لوظيفته:

وجه أدلر رسالة ضمنية مفادها أن ما مضى قد مضى وأن الغد هو يوم آخر للبدء من جديد. وبدلاً من أن يُسمرهم الغموض وأن ينشغلوا بمن ينبغي أن يتحمل اللوم، عمل مهندسو البرمجيات وفنيو ضمانة الجودة معاً من أجل تحسين العمليات والتقليل إلى الحد الأدنى احتمالات الإخفاق في تلبية توقعات البيع بسبب عيوب في التصنيع أو في الجودة تظهر في اللحظة الأخيرة. انطلاقاً من تلك اللحظة، بات سجل الشركة في مجال الجودة مثار حسد القطاع بأكمله. ومن خلال تعديل “تسديدته”، تمكن أدلر من تحقيق نتائج دقيقة وممتازة على الدوام طيلة فترة بقائه في منصبه. يتحلى الرؤساء التنفيذيون بصفات عدة ويؤدون أدواراً عدة من أجل نجاح مهمتهم القيادية، ولكن نظراً لكونهم محاطين بأشخاص ينتظرون رأيهم وموافقتهم، يقع البعض منهم في فخ التفكير بأن من مسؤوليتهم أن يكونوا ذاك الشخص الذي يحمل كل الإجابات، أي “الكل بالكل”. (ينطبق هذا الأمر بصورة خاصة على الرؤساء التنفيذيين من رواد المشاريع الذين هم كذلك مؤسسو الشركة لأن هوياتهم على صلة وثيقة بشركاتهم). يظن هؤلاء، وهذا خطأ، بأنهم يملكون الحَكم النهائي في كل نزاع وكل قرار ومعضلة، وهذا يجعلهم في موقع يشعرهم بالوحدة والعزلة، حيث تصبح المعلومات غير موثوقة ولا يحصلون على آراء مجدية.

ظل رئيس تنفيذي، سأعرف عنه باسم جميل، يسمع طيلة حياته أنه ثاقب الذكاء وهو كان كذلك بالفعل. لقد قاد في فترة من الفترات شركة برمجيات حاسوبية مزدهرة لكنها اختفت اليوم من الوجود. كان جميل خريج كلية إدارة الأعمال من جامعة ستانفورد وحامل شهادة الدكتوراه من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (إم آي تي) ولديه عشر براءات اختراع في مجال البرمجيات، وكان كذلك مثل الملك ميداس في الأسطورة اليونانية: يحيل كل ما يلمسه ذهباً. ولم يكن غريباً عليه أن يفترض أنه ونظراً لذكائه الخارق، فإنه بالضرورة يعرف أين تقع مصلحة الشركة. اعتاد جميل على اعتبار هذا الأمر من المسلمات، وفي الواقع، ونظراً لعدم إحساسه بالثقة في مسائل قيادية أخرى، فقد كان كل تركيز هويته منصبّاً على ذكائه.

وعلى الرغم من أنه حرص على توظيف خيرة المهندسين والإداريين، فلم يكن يصغي لما يقوله فريقه الجديد. لم تكن الاستراتيجية على سبيل المثال نقطة قوة لدى جميل، لكنه اعتقد أنه أكثر خبرة في محاربة التهديدات القادمة من المنافسين. وعندما عرض المدراء مقترحات لوضع حد للمنافسين، تجاهلها جميل واستخدم موقعه لإنهاء النقاش. فعندما يأتي على ذكر شركة منافسة كان يقول: “لا مجال لأن يكون هؤلاء قريبين من التكنولوجيا التي توصلنا إليها. لقد التقيت رئيسهم التنفيذي هناك وأعرف أننا قادرون على التغلب عليهم. سأشرح ما علينا فعله”. وفي حين كان قادراً على فرض رأيه وإقناع الآخرين به، كان بعيداً كل البعد عن واقع السوق، وكان فريقه يعرف ذلك. وسرعان ما فهم مدراؤه المستاؤون الرسالة الضمنية وهي أنه لا يتم الاستماع لرأيهم ولا يحظون بأي تقدير، وبدأوا بترك الشركة مصطحبين معهم الكثير من رأس المال الفكري. لقد كان جميل غافلاً عن الرسالة التي أوحت بها تصرفاته للآخرين، واحتار إزاء حركة المغادرة، محاولاً إقناع نفسه بأن من تركوا فشلوا في فهم طريقة عمله.

في المقابل، يفهم القادة الفاعلون أن دورهم يقوم على تحفيز الآخرين على تقديم الإجابات. ويفعلون ذلك من خلال دفع المدراء التابعين مباشرة لهم بوضوح تام وبشفافية من أجل المساهمة والتحدي والتعاون، مستخدمين سلطات موقعهم ليس للهيمنة، وإنما من أجل توجيه عملية اتخاذ القرار. وكلما زاد مقدار التعاون والابتعاد عن صراع النفوذ في هذه العملية، تراجعت عزلة القائد وازدادت أرجحية ترسيخ استراتيجية الشركة على أرض الواقع.

وعلى طرف نقيض مع جميل وفهمه لدوره والرسالة التي أوصلها عبر ذلك الدور، كان هنالك رئيس تنفيذي سأسميه كريم تولى إدارة شركة تعنى بأبحاث التكنولوجيا. كان كريم بدوره لامعاً وواثقاً من نفسه، كان الأول بين أقرانه في هارفارد وأحد أبطال حرب الخليج، ولكن بدلاً من التبجح بشأن ذكائه، كان يبدي فضولاً كبيراً. وخلال الاجتماعات العملية، كان يصر على إيصال هذه الرسالة طيلة مدة الاجتماع، ولا يستغل سلطات موقعه، بل يساهم مثل الآخرين بطرح أفكاره. كان يستمع إلى وجهات نظر الجميع قبل أن يدلي بوجهة نظره. وكان يطرح الأسئلة ويتحدى الآراء. وخلال إحدى الاجتماعات مع فريق التسويق، استمع إلى عروض مدراء العلاقات العامة والتسويق والإعلانات. وعندما تحدث في النهاية، لاحظ أن الشركة أنفقت أكثر بكثير من منافساتها بهدف تعزيز حضور منتجها الرئيسي، ولكنها لم تتمكن من الاستحواذ ولا على قدر بسيط من حصة منافسيها في السوق. وطلب عقد اجتماع مصغر خلال أسبوع لمعرفة السبب. ونظراً لعلمه بأن “إجابة المدير” ستخنق الطاقة الخلاقة لدى الفريق وتتسبب بالضرر أكثر من المنفعة، قاوم إغراء عرض نظريته حول الأمر.

عندما يقول مدير كبير للموظفين أن عليهم أن “يركزوا على نتائجنا المتوخاة”، غالباً ما يفسر كبار المدراء ذلك على أنه “افعلوا كل ما هو ممكن لتحقيق توقعات المستثمرين”.

من خلال الطلب من فريقه تحمل مسؤولية تشخيص المشكلة، لم يتهم كريم أحداً أو يوجه اللوم إلى أحد، وبذلك أفهمهم أن دوره هو مساعدة الفريقة في تحليل المعلومات. وأوضح لمن عملوا معه أن دوره ليس في تقديم الإجابات، وإنما في المساعدة على إيجاد أنجع الحلول. لقد شجع نهجه التعاوني الصادق الأذكياء من حوله على الإدلاء بآرائهم. ووضع الفريق الصغير عدة نظريات متبصرة ومجدية وعدة خطط شاملة لتجاوز المشكلة. تم الأخذ بالأكثر إقناعاً من بينها ووضعت موضع التنفيذ. وحققت تلك الخطة التغييرات المأمولة في حصة السوق خلال الأرباع الثلاثة التالية. وخلال العملية، نشأت عدة أفكار تتعلق بحملات تسويق أخرى. وبفضل أسلوبه القيادي، رسخت شركة كريم نفسها كقوة منتجة لرأس المال الفكري في قطاع التكنولوجيا، ويُنظر إليها اليوم بصفتها المصدر الوحيد لمعلومات السوق وتتقاضى مبالغ كبيرة لقاء نشر نتائج أبحاثها.

ومثل قادة المستوى الخامس الذين يصفهم جيمس كولينز، تولى كريم القيادة من خلال الفصل بين ذاته وعمله. إن القادة من أمثاله يفهمون أن دورهم هو طرح الأسئلة المهمة ويعرفون أنه يمكن العثور على الإجابات عندما يشعر الموظفون بالأمان للجود بها. وبالتالي، فإن الفريق بأكمله يدفع بالشركة إلى الأمام.

الرسالة الرابعة

إدارة الوقت:

يشعر كل مدير تنفيذي بضيق الوقت الأمر الذي يذكرنا به الجميع وكل شيء من المنظِمين إلى دورات إدارة الوقت والمساعدين الإداريين. وحرصاً على الالتزام بمواعيد الإنجاز والتسليم، يكابد المدراء للتغلب على كل المصاعب عبر تمرير الأمور بين المواعيد والتحايل على الوقت واستغلال كل مساحة متاحة خلال النهار. وعندما تكون رسالة الرئيس التنفيذي إلى الموظفين أن الالتزام بالوقت يعلو فوق كل شيء، يمكن بسهولة أن تنغلق ذهنية “لائحة الواجبات” المطلوبة على أهداف مهمة.

دعوني أشارككم مثالاً معبِّراً، ولكنه حقيقي عن رئيس تنفيذي عملت معه سأسميه علاء. كان علاء رئيس شركة تكنولوجيا متوسطة الحجم في وادي السيليكون. كان هذا المهندس السابق مشغولاً على الدوام ويعمل بهدى من منبهه ولائحة الواجبات وهاتفه المحمول، فيبدأ نهاره وهو يشعر بأن الوقت يسبقه، حتى قبل ساعات من قرع الجرس والإيذان بفتح هيئة الأوراق المالية في وول ستريت. لقد كان نظام إدارة الوقت كتابه المرجعي، والكفاءة عقيدته، وتحديد الأولويات على رأس أعماله. كانت فكرة علاء الراسخة أن الوقت هو العدو، وهذه هي الرسالة التي نقلها إلى فريقه بقوله لهم إنهم من خلال إدارة وقتهم بصورة أفضل من نظرائهم في الشركات المنافسة، يمكنهم ضمان النجاح للشركة. لقد أشاع هوسه بالوقت كحالة محسوسة من القلق في الشركة.

وعندما ساءت الظروف الاقتصادية في وادي السيليكون، اضطر علاء إلى تجميد توظيف عاملين جدد، ثم تلقت الشركة طلب تقديم عطاء من شركة “بيل ساوث” (BellSouth). تلقف علاء فرصة الفوز بصفقة بيع برمجيات كبيرة وطلب من العاملين في الشركة الخاضعين أصلاً لضغط كبير في العمل التركيز على المشروع. وهكذا صارت إدارة العمل ضمنياً هي العملة التشغيلية للشركة، وبات علاء أكثر تركيزاً على كيفية استخدام الموظفين للوقت، فقام بفصل عناصر المشروع إلى أجزاء، وأبلغ المدراء الذين يتبعون له مباشرة أين وكيف يستخدمون ساعاتهم ودقائقهم من أجل إنجاز طلب تقديم العطاء. وعندما كان يقدم رأيه لمرؤوسيه، كان أول سؤال يطرحه عليهم هو كيف استخدموا الوقت الذي خصصوه للعمل. وعلى الرغم من الجهود التي كان الجميع يبذلها، لم يكن لديهم وقت كاف خلال النهار لإنجاز المطلوب.

قدمت الشركة طلب العطاء في الوقت المناسب وبالشكل المطلوب، وانتظرت بفارغ الصبر الرد الإيجابي الذي كان علاء واثقاً من الحصول عليه من شركة “بيل ساوث”. لكن شركته خسرت العرض في النهاية لصالح شركة أخرى أقل منها كفاءة في مجال التكنولوجيا. لم تكن المشكلة على صلة بمضمون المقترح بقدر ما كانت بطريقة تسليمه. لقد أنجز علاء وفريقه طلب عطاء مثالياً لكنهم فشلوا في بناء علاقات مع أي من فريق “بيل ساوث”. أما الشركة المنافسة، فوثقت علاقاتها مع شركة الاتصالات. وببساطة، لقد ركز فريق علاء جل اهتمامهم على الالتزام بمواعيد التسليم وأغفلوا المشروع ككل، والعميل بشكل خاص. لقد كان الأمر يشبه نجاح الطباخين في شركة علاء في إعداد عشاء فاخر لكنهم نسوا المشروبات وغطاء السفرة والزهور، وقدموا الطعام بارداً. لقد قدموا ما قال علاء إنه يتوقع منهم تقديمه.

يمكن للرئيس التنفيذي أن يثبت فعالية أكبر إذا أشاع لدى الشركة شعوراً بأن الوقت ليس أداة ينبغي ضغطها واستغلالها بأي ثمن كان، وإنما استخدامها بصورة استراتيجية. إنه فرق بالكاد يُلحظ ولكنه مهم. إن القائد الذي يعزف على وتر ضغوط الوقت ويقف وراء ظهر مدرائه لكي يضمن أن يبذلوا المزيد خلال الوقت المحدد، يمكن أن يشيع حالة من القلق والتوتر في الشركة تنتهي بها إلى إفقادها كفاءتها وفعاليتها. أما القائد الذي يقول لفريقه عندما يكون الوقت ضيقاً أن الأجدى هو أداء قدر أقل من العمل وإنما بإتقان، يمنح المدراء الثقة لاستخدام هذا المورد الثمين على أفضل وجه. بهذه الطريقة، يعمل جميع المعنيين ضمن الوقت المحدد لإنجاز المطلوب.

إن أحد القادة الذين فهموا أهمية إيصال الرسالة الصحيحة بصدد الوقت هو مارك كينغ، الرئيس التنفيذي لشركة “تايلورميد أديداس غولف” (TaylorMade-adidas Golf). استبدت الرغبة بكينغ لطرح منتج في السوق يغير وجه القطاع بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس الشركة في ربيع العام 2004. والمعروف أن معدات الغولف هي مثل الموسيقى والسيارات والأزياء، تتأثر بالموضة: كان كينغ يعرفه أنه اذا نجحت شركته في تطوير منتج رائع وطرحته في مناسبة مهمة في تاريخ القطاع، سترسخ الشركة مكانتها بصفتها علامة تجارية رائدة الأداء في لعبة الغولف.

في البدء، تخيل كينغ مجموعة جديدة تماماً من المضارب استناداً على فكرة الوزن المتحرك الجريئة وطلب من خيرة مهندسيه العمل على تطويرها. صرف هؤلاء ساعات طويلة في العمل لكن مع اقتراب مهلة الأشهر الستة، أدرك أنه يستحيل تحقيق هدفه بمناسبة الذكرى. لم يكن بوسعه أن يطلب وقتاً إضافياً من فريقه ولا تغيير الموعد، فقام بتغيير الهدف. تقرر أن تطور “تايلورميد” مضرب غولف واحداً يشكل مثالاً على تكنولوجيا نقل الوزن على أن يُطرح خلال احتفالات الذكرى أمام مئات الخبراء المؤثِرين في القطاع.

بدلاً من مقارعة الوقت، غير كينغ خياراته خلال الفترة الزمنية المتاحة، بأن طرح على نفسه السؤال التالي: كيف يمكن لفرق العاملين لديه استخدام الوقت على أفضل وجه؟ وبدلاً من بذل المستحيل لإنجاز ما طلبه، أين كان يمكنهم أن يركزوا طاقاتهم بالشكل الأمثل؟ كيف كان يمكن استغلال الوقت بالشكل الأمثل؟ عندما فهم أن لديه خيار حسن استخدام الوقت المحدود لديه، تمكن من تحرير الموارد الفنية والتسويقية المطلوبة والتركيز على الجودة والعلامة التجارية.

لقد حاز مضرب “تايلورميد” “ر7” الجديد على إعجاب الخبراء وأشاد به النقاد لدى عرضه لأول مرة في ذكرى تأسيس الشركة، وسرعان ما حظي برضا منظمي مباريات الغولف للمحترفين في الولايات المتحدة وفي أوروبا. ومع انتهاء المباريات الأميركية والأوروبية، كان نصف المحترفين في كل أنحاء العالم قد حازوا على المضرب الجديد، الذي ذاع صيته على الملأ بين جمهور اللعبة. وتبع المضرب نحو عشرة منتجات إضافية لتستكمل رؤية الفريق بالنسبة إلى مجموعة المضارب. لقد أعدت الوليمة وقدمت على نحو جيد. واليوم، تعد “تايلورمايد” أسرع الشركات المصنعة لمعدات الغولف نمواً في العالم ولا يزال مضرب “ر7” الأهم على خط إنتاج يدر عليها مئات الملايين من الدولارات.

لقد وجه علاء، رئيس شركة التكنولوجيا، رسالة مفادها أن علينا مغالبة الوقت، وحدد توقعات غير منطقية. أما رسالة مارك كينغ فكانت أن الوقت ليس عدونا وإنما هو واقع في وضع ما، ويمكننا استخدام روافع أخرى يسهل التحكم بها بصورة أفضل لتلبية التحديات المطروحة. لقد صور علاء الوقت وحشاً مرعباً لا يلين، لا تنفع في مواجهته غير القوة الغاشمة، أما كينغ فرآه ظاهرة حيادية الأجدى التعامل معها بمرونة. لقد كان لدى الرجلين رؤية قوية حول النجاح، لكن كينغ كان يرغب في المفاضلة لصالح الجودة.

ما هي ثقافة الشركة؟ ولماذا من المهم توخي الوضوح والدقة في إيصالها؟ لا تُبنى الثقافة بمجرد الإعلان عنها وانما تُستمد من التوقعات التي تركز على وتهدف إلى الكسب والفوز. يمكنك أن تحظى بثقافة تشجع الأداء فقط في حال وظفت الأشخاص المناسبين وطلبت منهم أن يتصرفوا بطريقة متسقة مع القيم التي تؤمن بها الشركة، ونفذت إجراءات تتيح للشركة تحقيق النجاح في السوق.

الرسالة الخامسة

ثقافة الشركة:

إن الرؤساء التنفيذيين الذي يخفقون في تحديد وتعريف النجاح وإيصال رؤيتهم المتصلة به، ويفشلون في توضيح توقعاتهم للموظفين، ينتجون ثقافات غير ذات مغزى. ويمكن أن نسوق مثالاً رائعاً على ذلك بالعودة إلى النشاط الثقافي السخيف الذي نشأ من فقاعة التكنولوجيا الفائقة في أواخر تسعينات القرن الماضي. أذكر كيف فتح رئيس إحدى شركات وادي السيليكون “خزانة الثقافة” وقدم إلى موظفيه أشهى المأكولات والمشروبات والألعاب المشتركة، وحتى عين “مديراً للثقافة” ومديراً للموارد البشرية كانت مهمته الحرص على جعل الموظفين يشعرون بالسعادة حتى عندما تخسر الشركة عميلاً أو تأتي بنتائج ربعية سيئة. لقد قامت فكرته على أنه إذا شعر الناس بالارتياح، وحصلوا على “التمكين” وعملوا معاً، فمن الطبيعي أن تحقق الشركة نتائج جيدة، فالأمر يتعلق أولاً وأخيراً بمعنويات الموظفين ومواقفهم وبعمل الفريق. لكن المدراء أهملوا القياسات التجارية الجوهرية. وفي النهاية يرغب الناس في العمل لدى شركة تقدم لهم أكثر من مجرد التسلية والمرح، إنهم يريدون حصة من نجاحها.

لقد بيعت الشركة في نهاية الأمر لقاء قيمة أصولها لأن رئيسها، وبدلاً من تطوير استراتيجية رابحة، صرف الوقت في التساهل مع التهرب من المسؤولية.

تُبنى الثقافة ويتم الحفاظ عليها من خلال التركيز على الأهداف الصحيحة وخوض تجارب ناجحة في السوق. يدير الرئيس التنفيذي لشركة برمجيات الهاتف الذي سأطلق عليه اسم فهد شركته وموظفيه وكأنهم فريق رياضي عالي الأداء، لقد حرص على أن يعرض على لوحة كبيرة شبيهة بلوحة عرض نتائج مباريات كرة القدم، أرقام الشركة لكي يراها الجميع: المبيعات، والنفقات والإيرادات. يعمل كل الموظفين في الشركة الذين فُحصت مهاراتهم التعاونية وكذلك التحليلية، ضمن فرق من ستة أشخاص (على غرار فرق البحرية الأميركية التي تعد العدد ستة مثالياً للمشاركين في مشروع يتطلب عملاً مكثفاً). وتقاس كفاءة الأفراد بكفاءة فريقهم، ويلتزم كل فرد في الشركة بمجموعة من القيم ومعايير السلوك الصارمة. وفي النهاية يعرف كل فرد في الشركة ما هو شكل النجاح: معدل السعر إلى الربح (P/E ratio) عند القيمة 15، وحصة من السوق بنسبة 20%، ونمو سنوي في الإيرادات بنسبة 30%. وإذا كان هدف الشركة هو أن تجني 20 مليون دولار في الربع الثالث، يُقسم الهدف إلى أجزاء استراتيجية تُكتب على اللوحة.

وتقوم الروحية التي تعمل بها الشركة على التزامها الجماعي بتحقيق النجاح وليس على آخر نزهة نظمتها. إن الشركات الناجحة هي الأماكن التي يرغب الناس في العمل فيها – ليس من أجل الحصول على المتعة، وإنما من أجل إحداث فرق.

في الشركات التي تتبنى ثقافات سليمة، لا تُحجب المعلومات عن الموظفين وإنما يحصلون على الدعم والتمكين من خلال إشعارهم بأنهم جزء من مستقبل لامع. وهكذا يأتون للعمل وهم متقدون حماسة نتيجة وضوح ممارسات القيادة والشركة التي يفهمهما الجميع صراحة، ويعرف كل فرد في الشركة كيف يساهم شخصياً في هذا المستقبل.

من خلال الإقرار بتأثير التواصل الواضح والمباشر وتشجيع الفرق على الإدلاء برأيها، يعزز القادة مكانتهم وسلطتهم على رأس الشركة بدلاً من أن يسيئوا استخدامهما. إن أكثر القادة نجاحاً الذين عرفتهم هم رؤساء الشركات المدركون أن مخاطر سوء التواصل وعدم الوضوح هي مخاطر عالية تماماً، والذين يطرحون على أنفسهم الأسئلة التالية بشأن طريقة عملهم: ماذا ينبغي أن يحدث اليوم حتى نتمكن من الوصول إلى حيث نريد أن نذهب؟ أين توجد حالة غموض وارتباك في شركتي؟ ما هي المفاهيم والمسلمات التي يمكن أن أوضحها وأفسرها اليوم؟ ما الذي أخفقت في إيصاله بصورة تامة أو واضحة؟ ما هي الأمور التي يُعدها الناس مسلمات؟

في النهاية، إن قوة التواصل الواضح هي في الحقيقة رافعة للنفوذ، فرئيس الشركة الذي يوصل ويشرح فكرته ورؤيته بدقة إلى عشرة من المدراء الذين يأتمرون له مباشرة، ويقوم كل منهم بإيصال الفكرة والرؤية بدرجة مماثلة من الدقة إلى أربعين آخرين من الموظفين الموهوبين، ينجح في حشد التزام الشركة وطاقتها حول رؤية واضحة ومفهومة تماماً ومشتركة لأهداف الشركة الحقيقية، والأولويات والفرص. إن مثل هذا الرئيس التنفيذي سيوفر على الشركة الوقت والمال والموارد وسيقودها نحو تحقيق إنجازات رائعة.

اقرأ أيضاً: القوى التنافسية الخمسة لبورتر

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!