يتمتع المدراء التنفيذيون أصحاب الكاريزما بقيادة وإلهام الناس، ما يجعلهم لا يحبون تفويض قرارات الأعمال المهمة إلى الخوارزميات الذكية. فمن يرغب بأن تمارس بعض الرموز الذكية دور المدير عليه؟ لكن بعض أنجح المشاريع في العالم اليوم (مثل: جوجل ونتفليكس وأمازون وعلي بابا وفيسبوك) تشهد توجهاً نحو وضع الكلمة الفصل في يد الخوارزميات المستقلة وليس في يد المدراء الموهوبين. إذاً، بات طبيعياً اليوم استخدام الإدارة بالخوارزميات (Management by Algorithm).

يقبل التنفيذيون الذين يؤمنون بالتميز المدفوع بالبيانات بواقع أنّ الخوارزميات الذكية تحتاج إلى استقلالية أكبر كي تنجح. واليوم، يشكل تمكين الخوارزميات مؤسساتياً أهمية لا تقل عن أهمية تمكين الأشخاص. لكن من دون خيوط واضحة توضح السلطة والمسؤولية، فإنّ التمكين المزدوج سيضمن صراعاً دائماً بين البشر والذكاء الاصطناعي.

تتطلب الاستقلالية الحاسوبية من كبار التنفيذيين مراجعة أسباب وطرق التفويض. وهو أمر يتطلب من الرؤساء التنفيذيين توضيح متى يتوجب على البشر الموهوبين مخالفة القرار الخوارزمي. يُعد هذا الأمر صعباً. لأن الحوارات الأكثر إيلاماً التي تخوضها مجالس الإدارة عن تعلم الآلة تتمحور أصلاً حول كمية النفوذ والسلطة التي يمكن إعطاؤهما لبرنامج شديد الذكاء. وحتى التنفيذيون الذين لم يترددوا في أتمتة مصانعهم، يخيفهم اليوم احتمال قيام خوارزميات التعلم العميق بإملاء استراتيجيات المبيعات والنفقات عليهم. لا بل إنّ انعكاسات النجاح تخيفهم أكثر من مخاطر الفشل.

يسأل رئيس تنفيذي لإحدى وحدات الأعمال التي تقدر قيمتها بمليارات الدولارات بارتياب: هل يعني هذا أنّ الآلة ستحدد من يفوز بجميع عقود التوريد؟ نعم، هذا بالضبط ما يعنيه ذلك. لقد أبدعت فرق علوم البيانات والمشتريات وسلسلة الإمداد في مجموعة الشركات التي تقودها الطواقم الخوارزمية التي وفرت مئات الملايين، بكل ما يتضمنه ذلك من مقاييس وعمليات المحاكاة. ليس هذا فحسب، بل إنّ استجابة هذه الشركات لتحركات السوق أسرع بعشر مرات مما هي مع الإجراءات الحالية، وكل هذا لا يتطلب إلا الحد الأدنى من التدخل البشري. إذاً، سيكون على الإدارة العليا أن تثق ببرنامج المناقصات الرائع حاسوبياً هذا. وكان ذلك هو التحدي. لكن الرئيس التنفيذي لم يرد (أو لم يستطع) أن يطلق العنان للاستقلالية.

يقول أندرو نيج، رئيس العلماء في شركة بايدو (Baidu) لمجلة فورتشن (Fortune ) في معرض إلكترونيات المستهلك في يناير/كانون الثاني من العام 2016 “أنت بحاجة إلى رئيس لشؤون الذكاء الاصطناعي”. (وقد شرح السبب في مقالة حديثة في هارفارد بزنس ريفيو). ربما هذا صحيح. لكن يتوجب على الرؤساء التنفيذيين الجادين في مواجهة فرصة ومخاطر الاستقلالية أن يأخذوا بعين الاعتبار أربعة خيارات مؤسساتية مثبتة أظهرت جميعها نجاحات واقعية لها أدلة تؤكدها. أما ما يمكن اعتباره أخباراً سيئة: ستكفل ضخامة البيانات الجديدة والابتكارات الخوارزمية أن يكون هناك دوماً ذاك الشخص المهووس بالاستقلالية، والذي يتحدى الرقابة البشرية من الداخل بلا هوادة.

استشاري الاستقلالية/الاستشاري المستقل

يمكن القول أنّ وكالات ماكنزي وباين (Bain) وبي سي جي (BCG) هي النماذج الإدارية هنا، حيث يُنظر للخوارزميات المستقلة وتعامل على أنها أفضل استشاري استراتيجي يمكنك الحصول عليه، لكنهم أيضاً الاستشاريون الذين لن يتخلوا عنك. إضافة إلى ذلك، تقود الخوارزميات على الدوام مراجعات مرتكزة على البيانات وتصدر التوصيات. كما أنها تبادر بتقرير ما يجب تحليله وتحيط الإدارة العليا بما تتوصل إليه. لكن وحدها اللجنة الرقابية البشرية من يقرر ما سيتم “جعله مستقلاً” وكيف يتم ذلك.

من الناحية النظرية، ترتبط التحديات المؤسساتية للاستقلالية الخوارزمية بشكل مثالي بالإجراءات أو الأنظمة المطلوب منحها الاستقلالية. وتثبت إجراءات “التسليم” والانتقالات أنها مشاكل تشغيلية مهمة. كما أنّ المنهج المعتمد على “القمة إلى القاعدة” يخلق باستمرار احتكاكات متبادلة وعابرة للإجراءات. لدى أحد تجار التجزئة الأميركيين، حل طاقم مستقل من الخوارزميات مكان كامل قسم المشتريات. أخبرت الإدارة العليا مدراء المتاجر والموظفين أن يحترموا الطلبات ويطيعوا التوجيهات من “زملائهم الجدد”. كانت النقمة والمقاومة واضحة. وجرى بعدها سريعاً تحميل برنامج تدقيق ومراقبين بشر للتأكد من الامتثال.

في هذا النموذج، يُعتبر علماء البيانات محاورين وسفراء بين لجنة رقابة الاستقلالية وبين أهداف التنفيذ. وغالباً ما يجدون أنّ التقنيات لا تتسبب إلا بالقليل من المشاكل مقارنة بالبشر. وغالباً ما يتحول هؤلاء إلى متلقين للغضب وممتصين للصدمات من كلا الجانبين. هؤلاء هم الأشخاص الذين يقع على عاتقهم منع محاولات التلاعب بالخوارزميات. ويكون ولاؤهم للإدارة العليا وهم مسؤولون أمامها.

الموّرد الخارجي المستقل

يُعد النموذج الإداري المتبع هنا هو أكسنتنشرازون وهو مزيج من نموذج شركة أكسنتشر (Accenture) مع نموذج شركة أمازون. إذ يتحول في هذا النموذج الإسناد الخارجي لإجراءات الأعمال إلى تطبيق للخوارزمية على إجراءات الأعمال. وتصبح المفاهيم والفرص الاقتصادية التي تجعل الاستعانة بمصادر خارجية أمراً جاذباً، هي المبادئ الإدارية للاستقلالية الحاسوبية.

يعني هذا أنك بحاجة إلى وصف للأدوار يكون شديد الوضوح وتجزئة كلتا المهمتين للوصول إلى النتائج المطلوبة. ويُعتبر الغموض هو العدو، والجوهر هو اتفاقات لمستوى الخدمة محددة جيداً ومسؤولية واضحة عن مؤشرات الأداء الأساسية. إنّ أصحاب الإجراءات والقرار هم من يخصصون الموارد ويحددون ما إذا كانت الاستقلالية ستؤدي إلى ابتكار وتحسين أفضل، أو إلى الاثنين معاً. ويمكن القول أنّ التنبؤية والموثوقية هما أكثر ما يهم، والاستقلالية هي وسيلة لتحقيق تلك الغاية.

وكما هو الحال في الاستعانة بمصادر خارجية، كذلك تتسبب المرونة والاستجابة والتوافقية بمشاكل. إذ يؤدي التشديد على إنجازات محددة إلى تقويض مبادرات قد تؤدي إلى خلق قيمة جديدة أو استكشاف فرص تغذيها الاستقلالية. ومع أنّ المشروع يبني مجموعة رائعة من طواقم الاستقلالية الفعالة، إلا أنّ التوافق بينها قليل جداً. لهذا، يُهندس التنفيذيون الأذكياء مبادرات الأكستنشرازون المستقلة بعد أخذ التوافقية بالاعتبار.

في سيناريوهات تطبيق الخوارزميات على إجراءات الأعمال، يمكن القول أنّ علماء البيانات هم مدراء للمشاريع. هم من يحرصون على الترابط والتناسق الفني في اتفاقات مستوى الخدمة مع تحديد لمعايير جودة البيانات والخوارزميات على حد سواء. وهم يدعمون من بيدهم القرار والإجراءات المسؤولة عن النتائج الممكنة بالاستقلالية.

الموظف المتحدّي/المتحدّي المستقل والعالمي الطراز

حتى أجمل العقول لديها ما يقيّدها، وفي ذلك تتشابه الخوارزميات مع العبقرية غير المألوفة. هل بوسع المدراء والموظفين العاديين التعاون بفعالية مع كيانات مستقلة لا يمكن إنكار ذكائها حتى وإن كان لديها ما يقيّدها؟ في بيئة المشاريع هذه تُصنف البرمجيات الذكية، حيث تكون الاستقلالية الحاسوبية داعمة ومكملة بصورة ملموسة. وتدرّب الشركة موظفيها بفعالية من أجل توظيف أفضل وألمع الخوارزميات في العالم والعمل معها.

يُعامل البرنامج كزميل مهم وذو تقدير يعطي الإجابة الصحيحة في معظم الأحيان، هذا إن لم تكن أفضل إجابة. وهناك نسخ فاعلة  من هذا الآن في شركات مثل نيتفليكس وعلي بابا، ولكنني لا أستطيع أن أصف بما يكفي روعة مناقشة الصحافي ستيف ليفي الرائعة في موقع باك تشانل لكيفية التزام جوجل بأن تصبح مؤسسة تضع “تعلم الآلة أولاً”.

يقول أحد مهندسي شركة جوجل: “ليس نموذج تعلم الآلة قطعة ثابتة من التعليمات البرمجية، فأنت تغذي بياناته باستمرار. نحن نعمل باستمرار على تحديث النماذج والتعلم، فنضيف المزيد من البيانات، وندخل تعديلات على كيفية قيامنا بالتنبؤات. إنه أشبه بشيء حي ويتنفس. إنه نوع مختلف من الهندسة”.

يقوّض هذا الخلط بين استقلالية الشخص/الآلة بالضرورة المساءلة التنظيمية. وفي بيئات التعلم سريعة التغيير، لا يمكن لمدراء المشاريع والبرامج أن يعرفوا دائماً ما إذا كانوا سيحصلون على نتائج أفضل بإعادة تدريب الأشخاص أو إعادة تدريب الخوارزميات. ومع ذلك، تُصبح ثقافة الابتكار المشترك والتعاون الطريقة الوحيدة لتحقيق النجاح.

هنا يأتي دور علماء البيانات في التسهيل. هم يمثلون قسم الموارد المستقلة، في مقابل أقسام الموارد البشرية التقليدية. فيقومون بأشياء مثل كتابة برامج روبوتات الدردشة (chatbot) واعتماد واجهات مثل أليكسا لجعل التعاون والزمالة أبسط وأسهل. وهم يتطلعون إلى الحد من التمييز والمحسوبية والتوتر في العلاقات بين الإنسان والآلة. كما أنّ التنفيذيين يعتمدون عليهم لفهم التحول الثقافي الذي يعنيه هذا التفشي للاستقلالية.

الاستقلالية الشاملة

تُعد مؤسسة رينيسنس تكنولوجي (Renaissance Technology) وغيرها، وحتى صناديق الاستثمار الأكثر سرية هي النماذج الإدارية هنا. لدى هذه المؤسسات التزام كامل بالسماح للاستقلالية الخوارزمية أن تنقل المؤسسة إلى حدود جديدة من الابتكار والربحية والمخاطرة. لا شك أنّ جهودهم سوف تقلل من شأن من يفضلون الوسيط الإنساني. هنا، تذعن القيادة البشرية للقوة للخوارزمية المثبتة.

أكد أحد المصممين الكميين في صندوق للتحوط في نيويورك (قيمة ما يتداوله كل أسبوع تفوق ما تجنيه أي شركة من شركات فورتشن 250 في العام الواحد): “استغرقنا الأمر سنوات لنثق بالخوارزميات بما يكفي لكبح رغبتنا بتجاوزها، ولا تزال هناك بين الحين والآخر صفقات لا نقوم بها، وهو ما يكلفنا المال دوماً لأننا لم نقم بتلك الصفقات”.

تتطلع المؤسسات إلى الاستفادة من الاستقلالية وتضخيمها وربطها لتصبح ميزة تنافسية مستدامة ذاتياً. وهم يستخدمون لهذا الغرض برنامجاً لتعلم الآلة لتحسين تدريب برامج تعلم الآلة. وبهذا نحصل على خوارزميات لتعلم الآلة تُخضع خوارزميات أخرى لتعلم الآلة لاختبارات إجهاد وإدارة المخاطر.

وتُعتبر الاستقلالية في هذا النموذج مركز الجاذبية التنظيمي والتشغيلي من أجل الابتكار والنمو. على هذا الأساس، يُوظَّف الأشخاص ويُطردون اعتماداً على مقدراتهم على الدفع بالإمكانات الخوارزمية للاستقلاليات الناجحة إلى حدود جديدة.

تتطلب القيادة في هذه المؤسسة تواضعاً ورغبة في تحويل الثقة بالأرقام إلى أعمال نابعة عن إيمان بالنجاح في الأمر. يخبرني الباحثون في التمويل الحسابي الأكاديمي ومدراء الصناديق على حد سواء أنّ آلاتهم تقوم في كثير من الأحيان بصفقات واستثمارات يمكن القول حرفياً وإدراكياً أنّ البشر لا يفهمونها. من بين مجالات البحث الأكثر إثارة في التعلم العميق هو صياغة برامج الذكاء الجمعي (meta-intelligence software) التي تولد منطقاً وشروحات تشرح للبشر ما اتخذته الآلات من قرارات معتمدة على البيانات.

تسطير الآن إدارة المخاطر والحاجة الملحة للتوصل إلى فهم يمكن للبشر استيعابه حول الاستقلالية المعقدة لعلم البيانات في جميع مشاريع الاستقلالية الشاملة ضمن المؤسسات.

لا يمكن إنكار أنّ هذه النماذج الإدارية تجسد عن قصد الخوارزميات المستقلة في صورة بشرية. يعني هذا أنّ التعامل مع البرنامج لا يكون على أساس أنه مجرد أسطر جامدة من التعليمات البرمجية، بل على أنّ هذه السطور كائنات تتمتع بنوع من التمثيل القابل للقياس والي يمكن إخضاعه للمساءلة. إلى جانب ذلك، يدفع كبار التنفيذين في كل نموذج نحو مزيد من الشفافية وإمكانية الوصول ما يجعل النموذج مقبولاً. ومن شأن زيادة الإشراف أن تؤدي إلى مزيد من الرؤى مع تطور مقدرات استقلالية الخوارزمية.

يتعين على المدراء التنفيذيين ومجالس إداراتهم مراقبة ذلك عن كثب. كما عليهم أيضاً الترويج لاستخدام حالات الاستخدام والمحاكاة والسيناريوهات لإجراء اختبار إجهاد للتحقق من الظروف التي بإمكان طواقمهم المستقلة العمل تحتها.

كذلك يجب على المدراء التنفيذيين والقيادات التنفيذية أن يحذروا من مزج أو تهجين هذه المنهجيات المنفصلة. ويُعتبر مفتاح النجاح لعملهم هو بناء المساءلة والمسؤولية والنتائج منذ البداية. كما يجب أن يكون هناك وضوح حول التوجيه والتفويض والامتثال.

مع أنّ هذه القاعدة تقوم على الملاحظة القصصية والمشاركة، وليس التحليل الإحصائي، لا يجب أبداً التقليل من مدى قدرة التحولات الجذرية في السلطة التنظيمية والنفوذ على تهديد احترام الذات وتخريب ما يعتبر سلوكاً مهنياً. لهذا يجب ألا يقلق المدراء التنفيذيون كثيراً بشأن تطويع الاستقلالية، وأن يركّزوا على كيفية جعلها قوة ومصدراً قوياً للميزة تنافسية.

لا شك أنّ أذكى منافسيهم سيكونون خوارزميات مستقلة تعتمد على البيانات.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!