تمت عملية الاشتراك بنجاح

إغلاق

عذراً، أنت مشترك مسبقاً بالنشرة البريدية

إغلاق
اشترك

الاستمرار بالحساب الحالي

شارك
شارك

متى يجب عليك استخدام الذكاء الاصطناعي في حلّ المشكلات؟

برعايةSDAIA Logo
Article Image
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
 - 
00:00
00:00

ملخص: يمدّ الذكاء الاصطناعي عملية صناعة القرار في الشركات بالمعلومات والبيانات بصورة متزايدة، لكن من الممكن أن يساء استخدامه إذا تمسك المسؤولون التنفيذيون بأساليب صناعة القرار القديمة. أحد أسرار فاعلية التعاون مع الآخرين هو القدرة على تمييز أجزاء المشكلة التي يجب تسليمها إلى الذكاء الاصطناعي، والأجزاء التي سيكون العقل الإداري أفضل في حلها. إن تقنيات الذكاء الاصطناعي تتفوق على البشر في حلّ مشكلات التنبؤ بناءً على البيانات الكثيفة، ويمكن القول أن الذكاء الاصطناعي هو أداة صنع القرار، لكن العقل البشري مناسب بصورة استثنائية لإجراء تجارب الفكر الإبداعي التي تعزز أفضل القرارات.

غالباً ما يفتخر قادة الشركات بقدرتهم الفطرية على صناعة القرار. فهم لم يصلوا إلى المناصب العليا، كمنصب رئيس القسم أو الرئيس التنفيذي، باتباعهم الآلي لبعض قوائم التعليمات القيادية. بالطبع، فالحدس والغريزة مهمان بوصفهما أدوات قيادية، لكن ليس إذا استُخدما بصورة عشوائية.

كشف ظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي عن عيوب في السمات التي طالما قدرناها في المسؤولين التنفيذيين المسؤولين عن صناعة القرار. فقد كشفت الخوارزميات أن بعض الإجراءات التي اعتبرت ذات يوم مستندة إلى بصيرة نافذة ما هي إلا ضربة حظ، وأن بعض مبادئ صنع القرار التي كانت تعتبر مقدسة هي في الواقع غير مثبتة، وأن بعض القناعات الراسخة قصيرة النظر. خذ مثلاً أداء صناديق الاستثمار ذات الإدارة النشطة، ولاحظ أوجه القصور في أساليب صناعة القرارات البشرية العتيقة. إن أداء هذه الصناديق، مع استثناءات نادرة، وكثير منها يديرها مستثمرون مشهورون، يكون أضعف من أداء الصناديق التي تتبع المؤشرات على المدى الطويل، وكثيراً ما تتفوق التعاملات التجارية التي تجريها خوارزميات الذكاء الاصطناعي على التي يجريها البشر.

لن يحل الذكاء الاصطناعي مكان عملية صنع القرار البديهي في أي وقت قريب، لكن سيكون من الضروري أن يقوم المسؤولون التنفيذيون بزعزعة الأساليب التي يتبعونها في صناعة القرار كي يتمكنوا من استغلال قدرات الذكاء الاصطناعي بالكامل. إذ سيتعين عليهم استخدام البيانات لتخفيف قناعاتهم القديمة، وإجراء التجارب من أجل اختبار معتقداتهم، وتوجيه الذكاء الاصطناعي لمعالجة المشكلات الصحيحة. تماماً كما يكتشف مدراء المحافظ الاستثمارية أن عليهم تعلم اختيار أفضل الخوارزميات بدلاً من اختيار أفضل الأسهم، سيجد المسؤولون التنفيذيون في مختلف المجالات أنفسهم أمام أحد خيارين للزعزعة الذاتية، فإما أن يتعلموا طريقة تشغيل الآلة، وإما أن تحل الآلة محلهم.

سلم العلاقة السببية

دعونا نلقي نظرة على ما يجعل الذكاء الاصطناعي متفوقاً على البشر في حلّ أنواع معينة من المشكلات، وكيف يمكن أن يساعد ذلك في تنوير المسؤولين التنفيذيين في تعاملهم مع التقنية. في الأعوام الأخيرة، تغلب الذكاء الاصطناعي على أبطال العالم في ألعاب البوكر والشطرنج والجوباردي والغو. ومن يرى أن هذه الانتصارات مفاجئة يستخفّ بحجم القدرة على الاستظهار واستخدام المنطق الرياضي اللازمين للفوز بهذه الألعاب؛ أما في حالة لعبتي البوكر والشطرنج، فهو يبالغ في تقدير دور البصيرة في السلوك البشري.

أنشأ عالم الكمبيوتر توماس ساندولم، الأستاذ في جامعة "كارنيغي ميلون"، خوارزمية "ليبراتوس" (Libratus) القائمة على الذكاء الاصطناعي والتي تغلبت على أفضل لاعبي البوكر في العالم. وصف ساندولم خوارزمياته على أنها آلات تنبؤ مستند إلى الاحتمالات، وأدرك أن الفوز لا يستدعي بالضرورة دراسة سلوكيات الخصم، كخدعهم ومحاولات التصدي للخدع وما إلى ذلك. عن طريق تطبيق نظرية الألعاب والتعلم الآلي، تمكنت خوارزمية "ليبراتوس" من إلحاق هزيمة ساحقة بخصومها بمجرد اللعب على الاحتمالات. حتى في بطولة لعبة البوكر، فإن أهمية فهم قوانين الاحتمالات هي أكبر بكثير من أهمية قراءة سلوكيات الخصم.

لذا، فسرّ نجاح صناع القرار يكمن في تحسين عملهم مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، إذاً هو التعرف على أنواع المشكلات التي يجب تسليمها إلى الذكاء الاصطناعي والتي يجب تسليمها إلى العقل الإداري الذي سيكون أفضل في حلها إذا تمت زعزعته كما يجب. يعتبر عمل عالم الكمبيوتر الشهير، جوديا بيرل، بمثابة دليل إرشادي. اشتهر بيرل بتصميم "سلّم السببية" الذي يصف 3 مستويات من التفكير الاستدلالي، وهي تشكل خارطة طريق للزعزعة الذاتية التي تخدم أغراضنا. وكما ينوه بيرل في كتاب "السبب: علم السبب والنتيجة الجديد" (The Book of Why:The New Science of Cause and Effect): "لا يمكن لأي آلة استخلاص التفسيرات من البيانات الأولية، بل تحتاج إلى الدعم". الدرجة الأولى من السلم هي الاستدلال بالترابط (إذا كان "أ"، فسيكون "ب")؛ والدرجة الثانية هي الاستدلال بالتدخل (إذا غيرت العنصر "س" من المعطيات، فما الذي سيحدث للعنصر "ص" من النتائج؟)؛ والدرجة الأخيرة هي الاستدلال عن طريق تطبيق الواقع المضاد، وهو تركيبات غير بديهية تبدو متعارضة مع الحقائق وتؤدي إلى رؤى جديدة.

الترابط

وهو يتضمن فحص العلاقة الترابطية بين متغيرين: عندما نرفع الأسعار، ماذا يحدث للأرباح؟ تقنيات الذكاء الاصطناعي بارعة جداً في غربلة كميات هائلة من البيانات للكشف عن حالات الارتباط. مثلاً، تستخدم شبكات وسائل التواصل الاجتماعي الخوارزميات الترابطية للتنبؤ بالمنشورات التي ستجذب أكبر عدد من المشاهدات بناءً على السلوك السابق للمستخدمين.

وهذا أمر لا يجيده البشر، لأنهم أبطأ وأكثر عرضة للتحيز، وبالنتيجة، سيتوصل المدراء التنفيذيون، الذين يصنعون القرارات على أساس الارتباطات البديهية وحدها، إلى استنتاجات خاطئة حول السبب والنتيجة. مثلاً، قد يفترضون خاطئين أن إجراءً معيناً أدى إلى نتيجة مرجوة. ‎مثال على ذلك: عندما كنت أدير المجموعة الداخلية لرسم الاستراتيجية لدى شركة "أكسنتشر" (Accenture)، كرّسنا كثيراً من الوقت ورأس المال لتطوير خدمات متميزة، لأن العملاء بدوا على استعداد لدفع المزيد من المال مقابل هذه الخدمات، ما سيؤدي إلى تحقيق أرباح أكبر. لكن عندما قمنا لاحقاً بمقارنة الأرباح الناتجة عن العملاء الذين تلقوا هذه الخدمات المتميزة مع الأرباح الناتجة عن العملاء الذين يتلقون الخدمات غير المتميزة، توصلنا إلى أن العلاقة الشخصية مع العملاء هي التي كانت تولد الأرباح وليس تميز الخدمات. كانت العلاقة الظاهرة بين الخدمات المتميزة والأرباح مبدأً غير مثبت اتبعناه على مدى أعوام طويلة.

التدخل

وهو عملية اتخاذ إجراء ما ومراقبة أثره المباشر على النتيجة، أي أنه يعني في جوهره التلاعب بمتغير تجريبي، وهذا ما يفعله صناع القرار في الشركات دائماً. مثلاً، قد يقومون بتعديل سعر منتج ما ثم قياس أثر التعديل على المبيعات أو الأرباح، لكنهم يواجهون مشكلة عندما يبالغون في ثقتهم بالنتيجة المتوقعة. بيد أن التدخل الفعال يتطلب الاستعداد لاختبار مجموعة متنوعة من المعطيات، وحتى غير البديهي منها، من أجل معرفة كيف ستغير النتائج. وهنا، يمكن للبشر أن يتفوقوا على تقنيات الذكاء الاصطناعي.

منذ عدة أعوام، أنتجت شركتي الناشئة منتجين واعدين قائمين على الذكاء الاصطناعي، أحدهما حلّ للمبيعات والآخر حلّ التقنية المالية للعمليات. استخدمنا الذكاء الاصطناعي لتشغيل تصورات التنبؤ بناءً على تقييمات السوق المحتملة لكل منتج. حددت النمذجة أن أداء منتج المبيعات سيكون أفضل، على الرغم من أنه سيُطرح في سوق مزدحمة بالمنتجات. لكن بناء على الحدس، قررنا إطلاق حملات للمنتجَين معاً من أجل اختبار ما إذا كان منتج التقنية المالية سيتفوق على منتج المبيعات بصورة غير متوقعة، لأن مستوى المنافسة في سوق المنتج الأول كان أقل. وبالنتيجة، اتضح في غضون 90 يوماً أن منتج التقنية المالية تفوق بمبيعاته فعلاً وبدرجة كبيرة على منتج المبيعات، ما أدى إلى اكتسابه حصة أكبر من السوق الأصغر.

الواقع المضاد

تم عرض مفهوم الواقع المضاد بصورة جميلة في فيلم "إنها حياة رائعة" (It’s a Wonderful Life) الذي يكشف فيه الملاك "كليرانس" لجيمي ستيوارت واقعاً بديلاً مظلماً يتمثل في شكل العالم لو لم يولد هو. يتضمن "الاستدلال بالواقع المضاد" (Counterfactual inference) الإبداع في تخيل ما قد يحدث لو اختلف أحد المعطيات في تجربة ما، أو في النشاط الذي تقوم به الشركة، مع أخذ جميع المعطيات المعروفة الأخرى في الحسبان.

عندما كنت مستشاراً شاباً، طلبت مني رئيسة العمليات في شركة "ماكدونالدز" مساعدتها في إقناع الشركة بتمويل عمليات البحث والتطوير المؤسسي. سألتني: "ما هي طريقتك للقيام بذلك؟". التزمت الصمت فترة طويلة، ثم أجبت: "فلنتخيل ما سيحدث إذا لم تقم الشركة بعمليات البحث والتطوير وتركت الأمر لمن منحتهم الامتياز التجاري." كان الواقع المضاد هنا واقعاً متخيلاً لا وجود فيه لعمليات بحث وتطوير مؤسسي، وربما توقعت رئيسة العمليات أن الإيرادات كانت ستنخفض فيه.

على الرغم من استحالة اختبار واقع مضاد حقيقي لقرار عمل تم تنفيذه سابقاً من دون آلة الزمن، فمن الممكن البحث عن أدلة على الشكل الذي قد يبدو عليه هذا الواقع المضاد. في حالة شركة "ماكدونالدز"، اقترحت أن ندرس كل منتج طُرح مؤخراً لمعرفة منشأ فكرته. كان التمرين ملهِماً ومدهشاً، فأفكار كثير من المنتجات الناجحة، مثل شطيرة "بيغ ماك" و"فيليه أوه فيش" نشأت من ميدان العمل، في حين كانت معظم المنتجات التي أخفقت وليدة أفكار الشركة، مثل شطيرة "ديلوكس". أدت تجربة التفكير في الواقع المضاد إلى توضيح صورة الدور النسبي لعمليات البحث والتطوير المؤسسي في ابتكار منتجات الشركة.

البشر مع الآلة

خذ مثلاً عندما تعاون البشر مع تقنيات الذكاء الاصطناعي وتمكنوا من العثور على طائرة مفقودة عن طريق الجمع بين نُهج الارتباط، والتدخل، والواقع المضاد. في يونيو/حزيران من عام 2009، اختفت طائرة الخطوط الجوية الفرنسية رقم 447 في عاصفة قبالة سواحل البرازيل، وعلى متنها 228 شخصاً، وأمضت الحكومة الفرنسية عامين في البحث عن الحطام من دون جدوى.

بعد 4 محاولات فاشلة، أحضرت الشركة فريقاً من علماء الرياضيات. وباستخدام الذكاء الاصطناعي، طبق الفريق تقنية إحصائية قائمة على الاستدلال "البايزي" تقوم بتحديث تنبؤات الاحتمالات كلما توفرت معلومات جديدة، وفي هذه الحالة كانت المعلومات الجديدة هي احتمال أن تكون الطائرة في موقع محدد في قاع المحيط.

واللافت للنظر هو أن الفريق تمكن من تحديد موقع الطائرة في غضون أسبوع واحد فقط. كيف؟ حدد التنبؤ الأولي القائم على الذكاء الاصطناعي أبرز منطقة بحث واعدة، وهي منطقة كانت الحكومة قد قامت بالبحث فيها بالفعل. لكن الأمر تطلب رؤية بشرية للنظر في المعلومات "الجديدة" حول الخيارات التي فشل البحث فيها سابقاً ولم يفكر الفريق الحكومي فيها، وتعديل أحد المتغيرات المهمة في البحث من أجل معرفة تأثيره على النتيجة. كان السر كامناً في التساؤل عما إذا كان جهاز الإرشاد الملاحي في الطائرة قد تعطل، وهو ما قد يؤدي إلى عدم قدرة الحكومة على تحديد موقع التحطم. في الواقع، كان الافتراض حول تعطل جهاز الإرشاد صحيحاً، وعُثر على الحطام بالقرب من المكان الذي حددته التنبؤات السابقة.

إن تقنية الذكاء الاصطناعي هي أداة قوية في عملية صنع القرار، لكن إذا كان الأداء هو المرحلة الأخيرة، فعلى القادة وغيرهم من المسؤولين التنفيذيين الذين يعملون على صناعة القرار التفكير مجدداً في أفضل الطرق للاستفادة منها. هذا لا يعني تسليم عملية صنع القرار للآلات، وإنما يجب على صناع القرار التركيز على التفكير الإبداعي التدخلي (creative interventional) والتفكير المخالف للواقع (counterfactual thinking) اللذين لا يجيدهما البشر إلا عند الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لوضع التنبؤات القائمة على البيانات الكثيفة وأداء المهمات الترابطية التي تجيدها. ومع تزايد التعاون بين البشر والآلات، كلي أمل أن نرى ما يعادل قانون مور في العمل، أي تضاعف مجموع قدرات صناعة القرار لدى البشر والآلة عاماً تلو الآخر. لكن لن يحدث ذلك إلا إذا عملنا على زعزعة العملية التي نتبعها في صناعة القرار أولاً.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2023 .

-->

الأكثر قراءة اليوم