علامات تدلُ أنك خائف من تقادُم مهاراتك في عصر الذكاء الاصطناعي وكيفية مواجهته

7 دقيقة
الخوف من فقدان الأهمية
shutterstock.com/Vicente Sargues
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: يمر العديد من الموظفين على اختلاف مجالاتهم المهنية بأوقات يخشون فيها من أنهم فقدوا أهميتهم أو سيفقدونها مع الوقت. يختلف الخوف من التقادم عن الشك الذاتي العرضي، إذ ينطوي على تشكيك جوهري في قيمتنا المهنية. والأسوأ من ذلك، يخلق هذا الخوف تصورات مشوهة لأنفسنا وللآخرين ومحيطنا عندما نستغرق فيه بشدة، ما قد يُظهرنا في أسوأ حالاتنا. سواء كنت في بداية حياتك المهنية وتواجه مرحلة من الزعزعة التكنولوجية والاقتصادية، أو كنت في مرحلة متقدمة وتشكك في أهميتك للمجتمع في المستقبل، يجب ألا تدع الشعور بفقدان الأهمية يغرقك في الخوف أو الشعور بعدم الجدوى. المشكلة ليست في كيفية تجنب هذه المشاعر، بل في كيفية اكتشاف علاماتها والتعامل معها بطريقة سليمة وبصدق.

والت هو مسؤول تنفيذي مخضرم يعمل تحت إشراف رئيس تنفيذي كنتُ أدربه لسنوات في شركة كبيرة لتصنيع قطع غيار السيارات. كنا في مقهى الشركة خلال أحد الاجتماعات العامة التي يُقدم فيها الرئيس التنفيذي جوائز الإنجاز لذلك العام. وبينما كان يسلّم جائزة الإنجاز في الابتكار لفريق من الخبراء الشباب الذين فازوا ببراءة اختراع مهمة للشركة، لاحظت أن والت بدا شارد الذهن وكأن عقله في مكان آخر، فشعرت بالفضول وسألته فيمَ يفكّر؟ فأجاب بحسرة: "أتذكر براءة الاختراع التي فزتُ بها بهذه الجائزة وكأن الأمر حدث بالأمس". كان ذلك قبل 15 عاماً في الواقع. ثم سألته عن شعوره وهو يرى الجائزة تُمنح لخبراء شباب نشؤوا في عصر مختلف تماماً عن العصر الذي عايشه في قطاع السيارات. فوجئت بإجابته التي جاءت بنبرة حزينة؛ قال ببساطة: "أشعر بأني منبوذ".

سألتُ لاحقاً الرئيس التنفيذي عما إذا كان قد لاحظ معاناة والت في الآونة الأخيرة، فأجاب: "يتحدث والت خلال العامين الماضيين باستمرار عن أيامه الجميلة القديمة. أمامه العديد من السنوات المثمرة المتبقية، لكنه يمتص طاقة أي مكان يدخله بحديثه عن أيامه الخوالي واستعراضه المتكرر الممل لإنجازاته العظيمة السابقة أمام الجميع. كان زملاؤه يستمعون إليه بدافع الاحترام، لكن الأمر أصبح مزعجاً للفريق".

مخاوف والت ليست فريدة. يمر العديد من الموظفين على اختلاف مجالاتهم المهنية بأوقات يخشون فيها من أنهم فقدوا أهميتهم أو سيفقدونها مع الوقت. لقد كشفت دراسة أجرتها شركة برايس ووتر هاوس كوبرز عام 2021 أن نحو 40% من الموظفين يخشون أن تتقادم وظائفهم في غضون 5 سنوات. ويبرز هذا الخوف أكثر بين الموظفين الشباب والملونين وأصحاب الرواتب الأقل، إذ أظهر استقصاء آخر أن ربع هؤلاء يخشون من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تقادم وظائفهم. وظهر مصطلح جديد لتعريف هذا الخوف: الخوف من فقدان الأهمية (FOBO)، وهو في تصاعد بين الموظفين الأميركيين.

يختلف الخوف من فقدان الأهمية عن الشك الذاتي العرضي، إذ ينطوي على تشكيك جوهري في قيمتنا المهنية. عندما نشعر بأن ذلك الجزء من هويتنا مهدد، يمكن أن يؤثر ذلك سلباً على صحتنا النفسية وسعادتنا وقدرتنا على الانخراط في علاقات مهنية هادفة. والأسوأ من ذلك، يخلق هذا الخوف تصورات مشوهة لأنفسنا وللآخرين ومحيطنا عندما نستغرق به بشدة، ما قد يُظهرنا في أسوأ حالاتنا. لم يدرك والت كم بدا لزملائه بائساً في محاولاته إثبات نفسه أو إلى أي مدى كان سلوكه يضايقهم.

سواء كنت في بداية حياتك المهنية وتواجه مرحلة من الزعزعة التكنولوجية والاقتصادية، أو كنت في مرحلة متقدمة وتشكك في أهميتك للمجتمع في المستقبل، يجب ألا تدع الشعور بفقدان الأهمية يغرقك في الخوف أو الشعور بعدم الجدوى. المشكلة ليست في كيفية تجنب هذه المشاعر، بل في كيفية اكتشاف علاماتها والتعامل معها بطريقة سليمة وبصدق.

راقب العلامات

أولاً، ابحث عن علامات تدل على أنك تعاني الخوف من فقدان الأهمية:

سلوكيات جذب الاهتمام

انتبه للطرق التي قد يدفعك بها الخوف من التقادُم إلى المبالغة في تعويض ذلك بجذب الانتباه. على سبيل المثال، قد يتجلى ذلك بإقحام نفسك في أي محادثة أو هيمنتك عليها لتعزيز إحساسك بذاتك. بالنسبة للموظفين الجدد، فقد يدَّعون معرفتهم بمشاهير في المجال أو قد يبالغون بخبراتهم حول أحدث التقنيات لإظهار تفوقهم وترهيب الزملاء، في المقابل قد يبالغ الموظفون القدامى، مثل والت، في الإشارة إلى إنجازاتهم السابقة لتعزيز مصداقيتهم أمام من يخشون من أن يروهم متخلفين عن الركب. في الواقع، يمكن أن يدفعنا الخوف من فقدان الأهمية إلى المبالغة في تركيزنا على ذواتنا.

الهروب إلى أحلام النجاح المستقبلي أو "العودة إلى الأضواء"

في الواقع، يصبح الميل إلى السلوك المنفصل عن الواقع أقوى عندما نشعر بالقلق، فنرغب في استبدال الواقع المحيط بحالة أكثر إثارة وتفاؤلاً. قد يحلم الموظفون الجدد بالنجاحات والأوسمة المستقبلية، في حين قد يتخيل الموظفون القدامى "العودة إلى الأضواء" وإحياء النجاحات السابقة.

لا بأس بالطبع في أن تحلم أحياناً بتحقيق شيء مهم أو تكرار نجاح سابق، لكن عندما تصبح هذه الأحلام هاجساً غير صحي يجعلك تشعر بعدم الأمان بشأن قيمتك المهنية، فهذه علامة على وجود خوف كامن من فقدان الأهمية.

الحذر المفرط

قد يقودنا التشكيك في أهميتنا إلى إسقاط تلك المشاعر على الآخرين، فنفترض أنهم يروننا بلا أهمية. إذا وجدت نفسك شديد الحساسية تجاه الانتقادات المنطقية، أو تظن أن الآخرين يشككون بقيمتك، أو كنت في حالة ترقب دائم بحثاً عن إشارات تؤكد مخاوفك من التهميش، فهناك احتمال كبير بأنك تخشى فقدان الأهمية. قد يظهر ذلك أيضاً من خلال شعور غريزي بالتهديد من التغيير، مثل إدخال تكنولوجيا جديدة لست على دراية بها أو تعيين مواهب جديدة تمتلك مهارات تفتقر إليها.

المقارنات غير الصحية

عندما نشك في قيمتنا، غالباً ما نقارن أنفسنا بالآخرين الذين نخشى أن يظهروا أهمّ منا. صحيح أن المقارنة قد تكون وسيلة صحية للتعلم من الآخرين إذا استخدمناها لتقييم مواطن قوتنا وفرصنا بدقة، لكنها تصبح مدمرة عندما تكون مدفوعة بالخوف من الدونية.

وهذا يمكن أن يقودنا في اتجاهين. قد نستخدم نجاح الآخرين ومواهبهم سلاحاً ضد أنفسنا نؤكد به فقدان الأهمية الذي نخشاه أو قد نقلل من شأن قدرات الآخرين وإنجازاتهم لتضخيم شعورنا بأهميتنا.

استبدال الخوف

إذا كنت تشك في أنك تعاني مخاوف عميقة من فقدان الأهمية، فإليك بعض الطرق للبدء بالتحرر منها لاستعادة السيطرة، بغض النظر عن المرحلة المهنية:

اجرد بصدق مواهبك الفريدة

يصبح من السهل أن تتشوه نظرتنا إلى مواهبنا عندما نشك في أهمية قدراتنا، إما بتضخيمها وإما بالتقليل من قيمتها. لذلك اجمع أدلة ملموسة على إسهاماتك من خلال ملاحظات الزملاء واكتشف ما يجعلها ذات قيمة فريدة في نظرهم، واسأل الخبراء الذين تقدرّهم عن المهارات التي يجب أن تركز على تقويتها للحفاظ على قيمتها وأهميتها في المستقبل.

ركز على القدرات التي لا يمكن للتكنولوجيا أن تحل محلها

بالنسبة للموظفين الجدد الذين يشعرون بالقلق خاصة تجاه التكنولوجيا مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات، يُفضل عدم محاولة التنافس معها في الإنتاجية أو القوة التحليلية. وبدلاً من ذلك، يجب التركيز على السمات الإنسانية الفريدة مثل التعاطف والفضول والمرونة. ببساطة، وعلى حد تعبير توماس تشامورو بريموزيتش البليغ، قد لا نستطيع تحديد طبيعة الوظائف في المستقبل، لكن يمكننا أن نفترض، وبثقة، أن من يتمتعون بأعلى مستويات الفضول والذكاء العاطفي وسعة الحيلة والاندفاع والذكاء هم الأكثر استعداداً وقابلية لتعلم المهارات الضرورية لأداء مهام هذه الوظائف، وتقديم أي قيمة بشرية لا تستطيع التكنولوجيا تقديمها.

احتفِ بأيام مجدك واحفظ إنجازاتك

إذا كنت متقدماً في حياتك المهنية وما زلت متشبثاً بذكريات أمجادك السابقة، فاحتفِ بإنجازاتك، ولكن اتركها وراءك. عليك الحذر، إذ قد يؤدي هوسك الشديد بالماضي إلى فقدان الأهمية الذي تخشاه. ضع إنجازاتك الماضية العظيمة التي تتوق إليها جانباً وركز على المستقبل. لا يمكنك الاستمرار بالحنين إلى الماضي والحفاظ على أهميتك في الوقت نفسه، عليك اختيار أحدهما؛ لا يمكنك الجمع بينهما مطلقاً. قد يكون الحنين إلى الماضي سبباً لدعوتك إلى عشاء مهني لمشاركة تجربتك، لكنه لن يكون سبباً لتكليفك بمشروع مهم حديث. سواء كان أمامك 5 أعوام أو 15 عاماً للتقاعد، فلا تركز على كيفية إعادة إحياء نجاحات الماضي، فكلما زاد إدراك الآخرين لتعلقك بها، عززت الدليل الذي تقدمه على أن أيامك المجيدة فد ولّت بالفعل.

اغتنم فرص الجديدة للتطور

إن إظهار قدرتك على التعلم طريقة قوية للإشارة إلى أهميتك، والأهم من ذلك أنها تحافظ على ثقتك بقدرتك على التكيف مع الظروف المتغيرة، بغض النظر عن مرحلة حياتك المهنية. بدلاً من رؤية التغيير الوشيك تهديداً لأهميتك، اسأل نفسك: "ما هي فرص التعلم التي يمكن أن يتيحها لي هذا الغموض؟" مع أن البشر لا يحبون بطبيعتهم الغموض، لكنه يخلق فرصاً بالفعل.

إذا كنت في بداية حياتك المهنية، فتطوع للعمل في مشاريع تعتقد أنها تمثل مستقبل شركتك، حتى لو كان ذلك بصفة مراقب فقط، وراقب أفكارك الداخلية حول ما تمر به وركز على العلامات التي ناقشناها سابقاً، خصوصاً المقارنات غير الصحية أو الرفض أو ازدراء الذات. حافظ على تركيزك على حب الاستطلاع والاهتمام بالتعلم والشغف به.

إذا كنت في مرحلة متقدمة من حياتك المهنية، فابحث عن طرق لاستخدام خبرتك في تطوير الآخرين. فكّر في المجالات التي يمكن أن تكون فيها الخبير البارز الذي يفيد بمعرفته الزملاء الذين جاؤوا بعدك. احرص على عدم الاكتفاء فقط بجذب جمهور تشاركه أمجاد الماضي، وركّز بدلاً من ذلك على تطوير مهارات جديدة في الإرشاد والتدريس تسمح بنقل المعرفة للآخرين بلطف، وتسمح لك في المقابل بتعلّم شيء جديد أيضاً. في الواقع، يقلق العديد من الشركات من فقدان المعرفة المؤسساتية مع خروج الموظفين المخضرمين من مكان العمل، لذلك فكر في الطرق التي يمكنك من خلالها المساعدة على توثيق خبرات شركتك ونقلها إلى أجيال الموظفين القادمة.

اكبح الشعور بالاستحقاق وركّز على العطاء

إحدى النتائج السيئة المحتملة للخوف من فقدان الأهمية هي الشعور بالاستحقاق. يمكن أن يلّح الموظفون في بداية حياتهم المهنية بشدة على الحصول على مهام مميزة وفرص للظهور، وقد يشعرون بالاستياء من الموظفين المخضرمين الذين يرون أنهم يقفون عائقاً أمام فرص ترقيهم. وعلى النقيض، قد يشعر الموظفون المخضرمون بأنهم اكتسبوا الحق في أن يُنظر إليهم على أنهم مهمون بسبب سجل إنجازاتهم، وقد يشعرون بالاستياء من المواهب الجديدة لأنها لم تكسب حقها في تحمل تحديات أكبر تقع مسؤوليتها على عاتقهم.

يعوق هذا الصراع بين الإرث والإمكانات الإنتاجية، إذ تترك كلتا النظرتين للاستحقاق انطباعاً سيئاً لدى الآخرين، والمفارقة هي أنه لا يمكن تحقيق إمكانات الموظفين الشباب أو الاستفادة من إرث الموظفين المخضرمين دونهما معاً.

احذر من أي ميول إلى الشعور بالاستحقاق، واستبدل بها التزاماً صادقاً بخدمة الأجيال القادمة والإسهام في تطويرها. وبغض النظر عن مرحلتك المهنية، ابقَ متواضعاً وابحث برحابة صدر عن فرص لمساعدة الآخرين على التألق. من أهم العوامل التي تحافظ على أهمية الموظف في مراحل مسيرته المهنية جميعها أن يرى الآخرون العمل معه متعة، وأن يعدوه زميلاً سخياً يمكن التعلم منه، وشخصاً يهتم حقاً بنجاح الزملاء الآخرين.

نتوق جميعاً في كل مرحلة من الحياة إلى الشعور بالأهمية وإدراك أن تفرّدنا له قيمة في العالم. إذا شعرنا بأن وجود هذه الرغبة مهدد بعوامل خارجية لا نملك سيطرة عليها، مثل مرور الوقت أو التغيرات الحتمية، فيمكن أن ندخل في أزمة هوية تشوه بشدة إدراكنا لأنفسنا وتطفئ إيماننا بما نأمل أن نصبح عليه.

مع ذلك، يجد العديد من المهنيين في كل مرحلة من مراحل حياتهم المهنية طرقاً للاستمرار في التعلم والتكيف والعطاء. وبالنظر إلى هذه الحقيقة، فإن فقدان الأهمية ليس نتيجة حتمية، بل هو عقلية. عندما يطغى خوفنا من فقدان الأهمية على إيماننا بأن لدينا دائماً ما نقدمه، فإننا لا نفقد أهميتنا، بل نحكم على أنفسنا بذلك، فالأمر ليس نتيجة فقداننا لفائدتنا المتصورة، بل هو نتيجة التخلي عن إنسانيتنا وتأثيرنا. تقبّل حقيقة أن أهميتك لا تنبع في الأساس من مجرد امتلاك أحدث المهارات المتطورة، فهناك الكثير من الأشخاص الذين لا يرغب أحد في العمل معهم ويمتلكون بالفعل تلك المهارات. وبدلاً من ذلك، تقبّل أهميتك باعتبارها مجموعة السبل التي يمكنك من خلالها تمكين مَن حولك من الحفاظ على أهميتهم والتمتع بها. ركز اهتمامك على ذلك، ولن تضطر أبداً إلى الخوف من فقدان الأهمية.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .