تابعنا على لينكد إن

تبدو أماكن العمل الحديثة غارقة تماماً في اللقاءات والاجتماعات، والعديد منها يسبب التوتر. وبالنتيجة يعرب الناس في أكثر الأحيان عن ضيقهم وعدم رغبتهم في حضور هذه الاجتماعات. وتكمن المشكلة في أنّ أكثر الاجتماعات لا تشهد نقاشات فعلية، علماً أنّ الهدف من هذه الاجتماعات يكون خوض مناقشات لا يتيسر إجراؤها بطريقة أخرى. ومن أجل تحسين الاجتماعات التي تديرها أو الخروج بنتائج مفيدة من تلك التي تُدعى للمشاركة فيها، ينبغي عليك التركيز على جعل النقاشات حيوية وهادفة.

عندما ينشأ خلاف بين فرق العمل خلال الاجتماعات، يناقش أعضاء الفريق المسألة ويفكرون في حلول بديلة وتتسم الأمور بالتحدي ويستمعون إلى رأي الأقلية ويدققون في أية فرضيات. يتمكّن كل مشارك من إبداء الرأي دون خوف من رد أو قصاص. ومع ذلك، يتفادى الكثير من الناس الخوض في مثل هذه المواجهات، عبر الخلط بين الاختلاف في الرأي والنقاش والتهجم الشخصي عليهم. وفي الحقيقة،  لا تخرج القرارات الأمثل إلا من مثل هذه النقاشات الحادة. وفي دراستي الحديثة التي شملت خمسة آلاف مدير وموظف وتضمنها كتابي الأخير، خلصت إلى أنّ المدراء المتفوقين في أدائهم هم الذين يتمكنون من جعل الفرق تخوض مناقشات حازمة خلال اجتماعاتها. (تتضمن العينة مدراء كباراً وصغاراً وأفراداً من عدد من قطاعات الأعمال في أميركا، ولقد كان هدفي هو تحديد إحصائياً عادات العمل المرتبطة بتحقيق مستوى أعلى من الأداء). كيف يمكنك إذن أن تقود مواجهة مثمرة خلال الاجتماعات؟ في ما يلي ست نصائح عملية:

ابدأ بطرح سؤال، وليس بالتعبير عن رأيك

في أحد الاجتماعات التي دُعيت إليها بصفتي مستشاراً، بدأ المدير الاجتماع بقوله: “أظن أنّ علينا أن نفعل كذا، وأريد معرفة رأيكم”. ثم دار على الجميع حول الطاولة ورفع جميع من في الغرفة يدهم مؤيدين، من دون أي اعتراض. إذا كنتم ترغبون في مناقشة حقيقية، عليكم أن تبدأوا بسؤال. لماذا؟ أولاً، لأنه يحدد إطار المشكلة التي ينبغي مناقشتها، وفي حال كانت المشكلة عامة تماماً، سيتفرع النقاش في مختلف الاتجاهات، أما إذا كانت محددة تماماً، فسيحد ذلك من الخيارات. وبالتالي، ينبغي صرف بعض الوقت في التفكير بصيغة السؤال الأنسب والتأكد من أنه ليس موحياً، بمعنى أنه لا يميل باتجاه إجابة محددة. ثانياً، لأنّ السؤال يشير إلى أنك تسعى حقاً لخوض نقاش فعلي وليس نقاشاً صورياً. وثالثاً، يشجع من لديهم الأفكار والآراء المختلفة على الإفصاح عنها. شجع من يتسمون عادة بالهدوء على الإدلاء برأيهم (ولا تدع كثيرو الكلام يسيطرون على الجلسة). حتى لدى طرح أسئلة جيدة، يحجم كثير من الناس عن الحديث. بعضهم يشعر بالرهبة، لاسيما الموظفون الجدد أو من هم في مرتبة أدنى. ويخشى آخرون من ردة الفعل أو الاقتصاص منهم. وقد يُحجم آخرون عن الكلام لأسباب سياسية. في حين يبغض الانطوائيون النقاشات المحتدمة التي تشعرهم بعدم الارتياح. مع هذا، فإنّ مساهمة كثير من هؤلاء الناس مهمة للنقاش، ولجذبهم إليه، تحدث إليهم بصدق قبل الاجتماع وشجعهم على المشاركة. لقد قال أحد المدراء الناجحين في دراستي: “أحياناً أتحدث إلى الناس قبل الاجتماع وأقول لهم: لدينا هذا الاجتماع وأعرف أنّ لديك وجهة نظر بشأن المسألة، وأظن أنه من المهم جداً أن يسمعها الآخرون، وأريد التأكد أنك ستعرضها خلال الاجتماع”. ثم عبّر عن تأييدك لمن يشارك، كأن تقول على سبيل المثال: “شكراً لاطلاعنا على وجهة النظر المهمة هذه”.

اعمل على جعل الناس يدلون برأيهم خلال الاجتماع بدلاً من خوض نقاشات ثنائية

عندما تنجح في جعل الناس يتحدثون خلال الاجتماعات، فإنك تستفيد من الحكمة الجماعية للفريق، وبالتالي يمكن للناس الاستفادة من مختلف التعليقات والأفكار. اعط الناس الأمان للمجازفة بطرح رأيهم ولا تدع الأشرس بينهم يسيطرون على الحلبة. حاول إشاعة أجواء نفسية مريحة، وهو ما تسميه إيمي ادموندسون أستاذة هارفارد: “أجواء يشعر فيها الناس بالحرية للتعبير عن أفكارهم وشعورهم حيال أمور متصلة بالعمل”. وفي دراستي، كان 19% من المشاركين بارعين في إشاعة مثل هذه الأجواء. واستناداً إلى البيانات، فإنّ أولئك الذين سجلوا درجة أعلى تفوقوا في الأداء (بلغ معامل الارتباط 0.63، علماً أنّ الارتباط المثالي هو 1.0 والترابط العشوائي 0). ولقد بينت دراسة حول كفاءة الفريق لدى جوجل نتيجة مماثلة.

ابدأ بنفسك لإشاعة الأجواء المريحة

كأن تقول على سبيل المثال: “دعوني أجازف بطرح فكرة جريئة”، وأن تعبّر عن دعمك لمن يحاولون ذلك، كأن تقول: “أثمّن هذا المقترح”، وأن تؤدب أولئك الذين يسخرون منهم: “لا أريد أن أسمع مثل هذا الكلام هنا”.

تبنى وجهة النظر المخالفة

عندما كنت أدرّس حالة التحول الإيجابي التي شهدتها شركة أميركان إكسبرس في كلية هارفارد لإدارة الأعمال، حضر هارفي غولوب رئيس مجلس إدارة الشركة حينها إلى المحاضرة، وشرح أنه كان في أكثر الاحيان يتبنى وجهة النظر المخالفة. مثلاً: إذا كان الاجتماع يتعلق بزيادة سعر خدمة ما، كان يتحدث ويسأل إن لم يكن ينبغي خفض سعر الخدمة. كان ذلك يدفع المجتمعين إلى البحث عن حجج متينة لتأييد وجهة نظرهم. لقد استخدم أحد المدراء المتفوقين في دراستي تكتيكاً مماثلاً لحث المشاركين على الرد بقوله: “أعطي أحياناً إجابة سخيفة، فيجيب بعض الناس بالقول هذا ليس منطقياً”. يمكنك كذلك أن تطلب من زميل التظاهر بعدم الموافقة والتعبير عن رأي مخالف، من أجل إحماء النقاش. ولكن احرص على أن تطرح وجهة النظر المضادة على طاولة البحث.

شرّح المقترحات أو الافتراضات الثلاثة الأساسية

في قضية خليج الخنازير الشهيرة، عندما شن فريق الرئيس جون كينيدي هجوماً فاشلاً على كوبا، فشل فريقه في تحليل فرضية أساسية، ألا وهي أنّ الهجوم الذي أُعد 1,400 من الكوبيين المنفيين لشنه قد يفضي إلى ثورة شعبية ضد نظام كاسترو رئيس كوبا في تلك الفترة (عام 1960). ربما كان كينيدي سيعمد إلى إلغاء الخطة الفاشلة لو علم مدى ضعف ذاك الاحتمال. من أجل  تجنب مثل هذه الكوارث، شرّح وتعقب الفرضيات مثلما يتعقب المحقق المجرمين: تحرَّى الأمر بنفسك، واطلب من خبراء آخرين أن يتعمقوا فيه، واطلب من الفريق أن يحيط بكافة جوانب المسألة. لقد واصل أحد المدراء في دراستنا توجيه سؤال صعب للفريق: “ما هي الافتراضات الأساسية، وما هي المعطيات التي ستتسبب بفشلها؟”.

حاول إعداد مدافعين يتحلون بالشفافية (وتخلص من الباعة الجسورين المتحيّزين)

عندما تشتري سيارة مستعملة من معرض سيارات في الولايات المتحدة الأميركية، سيحرص البائع على إخبارك بكل مزاياها ولا شيء عن سيئاتها. يُسمى هذا البيع الجسور (hard sell)، الذي يركز على المزايا ويغفل السيئات. أنتم تريدون أن يقترح أعضاء الفريق أفكاراً وأن يدافعوا عنها بشغف ولكنكم تريدون كذلك منهم أن يطرحوا بأمانة كذلك مواطن الضعف فيها. وتكمن المشكلة في أنّ لدى البشر ميلاً إلى الانتقال من الشفافية في الدفاع عن فكرة (إي عرض الخطة بكل عيوبها) إلى أن يصبحوا مثل بائع السيارات المستعملة: فالناس ميالون إلى ما يُسمى “الانحياز التأكيدي” فهم يتأثرون بالمعلومات التي تتوافق مع آرائهم وتؤكد عليها، ويزداد التزامهم بها من خلال مواصلة الدفاع عن خططهم حتى عندما تُعرض عليهم معطيات سلبية تتعلق بها. لكن يمكن محاربة مثل هذا الميل من خلال دفع الموظفين إلى إظهار الجوانب السلبية ومواطن الضعف، كأن تطلب من أحد المشاركين: “عندما تعرض رأيك خلال الاجتماع غداً، أريد أن أرى صفحة عن المخاطر الخمس الكبرى وسنصرف الكثير من الوقت في مناقشتها، كن مستعداً”. أو يمكنك أن تطلب منهم التفكير في سيناريوهات الفشل كأن تقول لهم: “لنفترض أنّ الفكرة ستفشل، ما هي أسباب فشلها الرئيسية؟”.

إنّ الغاية من الاجتماعات هي خوض نقاش يثمر عنه قرار رائع. وإنه لغاية في الأهمية ما سيكون عليه سلوكك بصفتك مديراً أو مشاركاً خلال هذه الاجتماعات من أجل تحسين مستوى النقاش، وبدلاً من تكوين شعور سلبي تجاه الاجتماعات، اعمل على تحسينها.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz