لبنى هي مديرة التسويق في شركة تقنية، حيث تشرف على فريق صغير من الموظفين، وتعمل حتى وقت متأخر وتسافر مرة كل أربعة شهور. أما زوجها مشاري فله شركة يديرها في مجال تصميم الحدائق، وهو عمل يتطلب منه العمل لساعات طويلة لستة أيام في الأسبوع. (وقد غيرت في المقالة الأسماء وبعض التفاصيل). في بداية زواجهما، قبل أربع سنوات، اتفق الزوجان على أنهما، وبسبب طبيعة عمليهما الصعبة، سيتقاسمان بعض المسؤوليات بخصوص أعمال المنزل.

لكن وبعد فترة من الزمن رأت لبنى أنها هي التي تقوم بأعمال المنزل كافة، باستثناء جزّ العشب في حديقة الفيلا. ففي اليوم الوحيد لإجازة مشاري كانت تلاحظ بكل غيظٍ أنه لا يفعل شيئاً سوى الاستلقاء على الأريكة. وبسبب انشغالها المستمر في التنظيف والطبخ والغسيل كل أسبوع فإنه لم يكن يبقى لديها فعلياً أي وقت لنفسها، لا شخصياً ولا مهنياً. تقول لي لبنى: "كنت أشعر أنني أنانية حين أقضي ذلك القدر الكبير من الوقت في العمل، حين أتأخر مثلاً في المكتب لإنهاء مشروع ما، بدل أن أنجز أمراً يجب فعله في البيت".

ولبنى بطبيعة الحال ليست الوحيدة في هذا المأزق. فأنا أعمل مدربة في مجال القيادة مع العديد من المديرات والقائدات من أجل تحسين مهاراتهن في إدارة الوقت وتحقيق التوازن بين العمل والحياة.

قد تتساءلين وتقولين: لمَ كل هذه الشكوى من أمر تافه كأعمال المنزل؟ والجواب هو أنكِ حين تحسبين بدقة عدد الساعات التي تتطلبها أعمال المنزل هذه، فإنك ستتفاجئين من مقدار الوقت الكبير الذي تخسرينه. إن تحمل المرأة هذه القدر الكبير من أعمال المنزل بينما يستريح الرجل ليستعيد نشاطه ويحقق التقدم في وظيفته يعني أن المرأة لن تتمكن من تحديد أولوياتها وستكون عاجزة عن إحراز التقدم في الجوانب ذات الأهمية الكبيرة بالنسبة لها.

يبدو أن الرجال يدركون ذلك جيداً، وهذا ما يجعل الكثير منهم يتحاشى المبادرة في تحمل قدر أكبر فيما يتعلق بمسؤوليات البيت. ومع أن الرجال الأميركيين اليوم يساعدون بأعمال المنزل بشكل أكبر مما كانت عليه الحال لدى الأجيال السابقة، إلا أنهم ما زالوا لا يساعدون بقدر يعادل ما تقوم به زوجاتهم. والنتيجة المباشرة لذلك هو أن الرجال يمتلكون وقتاً أكثر للراحة ويقضون وقتاً أكبر في العمل. وحتى لو كانت المرأة هي معيلة الأسر فإن ذلك لا يعفيها من أداء الأعمال المنزلية. ففي دراسة أجرتها مؤسسة ماكنزي ومؤسسة لين إن (LeanIn.org) تبيّن أن "النساء في المناصب الإدارية العليا أكثر ميلاً بسبع أضعاف من الرجال في نفس المستوى المهني للشكوى من كونهن يقمن بأكثر من نصف الأعمال في المنزل". وحتى المرأة التي تجني أكثر من زوجها تقوم كذلك بمعظم أعمال المنزل أيضاً (ملاحظة: بعض الدراسات ترى أن مسألة النزاع على الأعمال المنزلية هي ظاهرة أميركية، وأن المساواة أفضل بين الأزواج في دول أخرى، ففي فرنسا مثلاً الرجال يقومون بالأعمال المنزلية أكثر من المرأة).

الأعمال المنزلية: عائق آخر أمام نجاح المرأة؟

لكلِ من الرجل والمرأة دور في خلق هذه المعضلة. لا يتعلق الأمر في أن الرجال لا يقومون بما يلزم للمساعدة وتخفيف العبء عن المرأة وحسب، بل الأدهى من ذلك وفق دراسة حديثة صادرة عن جامعة ميتشيغن أن الأزواج يضيفون سبع ساعات في الأسبوع من الأعمال المنزلية على زوجاتهم. أما المرأة في المقابل فتبيّن أنها تحمل عن زوجها ساعة من الأعمال المنزلية في الأسبوع. هذا لطف منّا نحن النساء، أليس كذلك؟ لكن عجز المرأة عن وضع الحدود في التوازن بين الحياة والعمل هو أحد تلك العوائق أمام نجاحها، وهي سلوكيات تحول دون تحقيق المرأة لأهدافها المهنية، والتي أشرت إليها في كتابي "ليس سقفاً زجاجياً، بل أرضاً دبقة" (It's Not a Glass Ceiling, It's a Sticky Floor). وهذا لأن جوهر مشكلة عدم التوازن بين الحياة والعمل قد يكون مرتبطاً بالتقيّد ببعض المعايير العالية المبالغ بها أو التردد في توكيل المهام للآخرين أو خلل في الولاء أو رفض وضع حدود واقعية أو مزيج من هذه العوامل السابقة جميعها:

المعايير المبالغ بها

الشخص الذي يلتزم دوماً بتحقيق الكمال على مستوى العمل قد يضع على نفسه ضغوطاً شبيهة حين يتعلق الأمر بأداء أعمال المنزل. فالإصرار على أداء أعمال المنزل على "أكمل وأتم وجه" قد يتسبب من دون قصد بإلقاء عبء القيام بها عليكِ وحدك، لأنه ما من أحد سواك يستطيع تحقيق ذلك المستوى من النظافة والترتيب. فعندما يقيّد الإنسان نفسه بوصفه "النحلة الدؤوب" التي لا تتوقف عن الحركة لا في البيت ولا في المكتب، فإنه لن يكون لديه الوقت للتركيز على الصورة الأكبر. ويجدر أن نشير مرة أخرى إلى أن هذه الظاهرة قد تكون أميركية، فالمرأة الأميركية تقضي وقتاً أكبر في أعمال البيت مقارنة بالمرأة في أستراليا واليابان والبرازيل وإسبانيا وفرنسا على سبيل المثال.

خلل في الولاء

بعض النساء يلزمن أنفسهن بأداء العمل وفق معايير عالية ليس انطلاقاً من ميل نحو تحقيق الكمال وإنما من شعور بأنهن لسن جيّدات بقدرٍ كافٍ، سواء في أدوارهن في العمل أو البيت، ولذا يبذلن جهداً أكبر لتعويض هذا النقص المفترض. لقد دَربت العديد من المديرات التنفيذيات المتميزات اللواتي يحوّلن التأمل والمراجعة الذاتية إلى مدخلٍ مستمر لنقد الذات. والنتيجة هي أنهن قد يبادرن لأداء قدر أكبر من الواجبات المنوطة بهن في المنزل (بالإضافة إلى مهام أدنى في العمل) في محاولة من كل واحدة لتثبت أنها متفانية كزوجة أو كأم أو كموظفة، بدل أن تبحث عمّا تريده فعلاً لتحقيق أهدافها الأكبر.

التردّد في توكيل المهام

جميعنا نعرف المشكلة لدى الأشخاص غير القادرين على توكيل غيرهم بمهام معينة، ولكن يندر أن نقر بوجود هذه السمة فينا كذلك. قد تقولين في نفسك "أستطيع فعل كلّ شيء"، ولكن الحقيقة سيّدتي الخارقة تقول خلاف ذلك. تظهر الأبحاث أن فعالية الإنسان تتراجع حين يتولى مهامّ أكثر من اللازم. وعلى المرأة خصيصاً أن تدرك هذا الأمر، لأنها أكثر ميلاً من الرجل لتحمل الكثير من المهام، ولاسيما أن الشخص الذي كثيراً ما يؤدي مهام متعددة قد ينتهي به الأمر في تقديم أداء أسوأ.

العجز عن وضع حدود واقعية

أحياناً يؤول الأمر إلى أن تؤدي الزوجة معظم أعمال المنزل وليس ذلك لحرصها على الكمال أو لتفانيها وإنما لأنها ببساطة تجد أن شخصاً ما عليه القيام بها، وأن القيام بالأمر أسهل من الإصرار على إقناع شخص آخر بالقيام به. والكثير من النساء يفتخرن بأنهن موظفات مجتهدات وزوجات وأمهات. ولكن محاولة خدمة أكثر من "سيّد" في وقت واحد لن يترك للمرأة أي وقت لحياتها الشخصية ولا لتطورها المهني. لقد رأينا في مثال لبنى في بداية المقالة كيف أن الأمر قد ينتهي بالزوجة إلى أن تمتعض ممّن تخدمهم بهذا النمط المتواصل. تقول لبنى: "لقد وصلت إلى حدّ شعرت به بالامتعاض من زوجي لأنه يستطيع أن يرتاح طوال الوقت في أيام إجازته، أما أنا إن كنت في إجازة ولا أقوم بأي عمل من أعمال المنزل فإنني أشعر بأنني مقصّرة بشكل ما".

تخلّصي من نظرتك التقليدية عن "الزوجة المثاليّة"

إن كانت هذه العوائق تبدو مألوفة بشكل مقلق لديك فربما قد حان الوقت لتجاوزها.

من الواضح أن تحمّل المزيد من الأعباء المنزلية لا يؤثر على ما يحصل في البيت وحسب. فكلما زاد الوقت التي تقضيه على الأمور الصغيرة سيقل الوقت الذي يمكن تخصيصه للمهام طويلة المدى أو السفر في رحلات العمل أو التأخر في المكتب لإتمام مشروع إستراتيجي سيساعدك على الحصول على ترقية. والذي أدركته خلال تدريبي لعميلات من أمثال لبنى هو أنّ الخطوة الأساسية فيما يتعلق بمعرفة الطريقة الأمثل لإدارة الوقت في العمل لدى العديد من المسؤولات التنفيذيات تبدأ في البيت، وهي ببساطة تقاسم أعباء أعمال البيت بين الزوجين.

وبعد التنبيه لهذا الجانب فإنني أنصح السيدات اللواتي أدربهن على التركيز على الأولويات وأشجعهن على عدم الشعور بالتقصير إن فاتهنّ أمرٌ أو اثنين في البيت. وكثيراً ما أؤكّد على أنه ما من مشكلة أبداً في الحصول على المصادر وأوجه المساعدة التي تريدها المرأة، سواء من أفراد العائلة أو غيرهم، من أجل أن تتمكن من الحصول على المزيد من الوقت لأداء الأشياء التي تهمها حقّاً. ومع أنّه ليس ثمة إجابات سهلة لتشجيع المرأة على "التخفّف" قليلاً من أعباء أعمال المنزل وإقناع الرجل في تحمل المزيد منها، إلا أنني أعتقد أن الحل الأنجع لمعضلة الأعمال المنزلية تعتمد على القدرة الفعالة في التفاوض بين كلّ زوجين على حدة: فما هو مناسب لزوجين في وضع ما قد لا يرضي غيرهما. وفيما يلي بعض الإستراتيجيات التي بوسعك تجربتها مع زوجك:

• سيّدتي: أعطي لنفسك الفرصة لفعل ما تودّين فعله. حين تحاول المرأة أن تقوم بكلّ شيء لجميع من حولها وتكون هي آخر ما تهتمّ به فلن يكون ذلك في صالح أحد. إن كنتِ في مثل هذه الحالة حدّدي الأمر الذي أنت بأشد حاجة إليه: زوج أكثر تعاوناً، شخص يساعدك، أو مجرد استراحة من هذه الدوّامة، ثم اطلبي ذلك دون أن يراودك أي شعور بالذنب. قد لا تحصلين على ما تريدين مباشرة، ولكن إن لم تطلبي على الأقل فلن تحوزي أي شيء على الإطلاق.

• سيدي: خذ زمام المبادرة. قد تكون المرأة معتادة في معظم الحين على النزول على رغبات الزوج، ولكن إن كان الرجل مستعدّاً كذلك للقيام بالأمر ذاته فإن ذلك قد يكون كفيلاً بإنقاذ الزواج.

• تفاوضي لتحقيق الإنصاف لا التساوي. قد يدفعك تصورك للعدالة للمطالبة بتقاسم تام لأعباء المنزل مع الزوج بحيث يتحمّل كل منكما نصف هذه الأعباء، إلا أن دراسة قام بها باحثون من النرويج قد أظهرت أن الأزواج الذين يتقاسمون أعباء الأعمال المنزلية بالتساوي أكثر عرضة للطلاق. والعبرة هو أن الزوج قد يفسر إصرارك على التقاسم الكامل لأعمال المنزل على أنّه نوع من "المحاسبة". يجدر بك بدل ذلك أن تسعي وراء التوزيع المنصف لأعمال المنزل، وليس المتساوي بالضرورة، بحيث يشعر كلا الطرفين بأنهما يساهمان بجهد مماثل في البيت.

• حددي الشكل الأنسب لك من "تأمين الزواج". أخبري زوجك بالأمور التي تمثل أكبر فرق بالنسبة إليك، وحددي الخطوات التي قد تغيّر الوضع بأكمله إن بدأ زوجك الالتزام بها باستمرار. ولا بد من الالتزام بالشكل الأمثل بينكما من "تأمين الزواج" وذلك من خلال معرفة الأمور المهمّة لدى كل منكما، والنظر إن كان يمكن تحديد أرضية مشتركة لتحقيق هذه الأهداف.

• لا تشعري بالذنب إن قررت الاستعانة بأحد. قد يلجأ بعض الأزواج للخروج من هذه الأزمة إلى الاستعانة بشخص آخر في أعمال البيت، ولكن لا بد من معرفة أنّ هذا الحلّ لا يخلو بالضرورة من الحساسيات. فقد يكون هنالك خلاف بخصوص الأعمال التي سيقوم بها هذا الشخص أو من سيدفع أجرة ذلك. ولا بد هنا من الحوار من أجل التوصل للتوازن المطلوب، ولكن النقطة الأساسية هنا هي أنّه إن كان الوضع حساساً للغاية وكان يصعب أداء أعمال المنزل بلا مقابل، وإن كانت هنالك قدرة مالية للاستعانة بشخص للمساعدة في أعمال المنزل والتخلص من هذه الأزمة، فإنّ هذا الأمر يستحق كل قرش تبذلانه.

إن التخلص من أزمات الأعمال المنزلية بين الزوجين سيساعد المرأة على أن تكون أكثر مرونة وتركيزاً واهتماماً بأهدافها الأكبر، سواء تلك المتعلقة بالبيت أو بالعمل.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!