تابعنا على لينكد إن

قبل ثلاث سنوات، أعرب 37% من الرؤساء التنفيذيين عن قلقهم حيال انعدام الثقة في شركاتهم، وذلك وفقاً لاستطلاع “بي دبليو سي” العالمي السنوي للرؤساء التنفيذيين. أما الآن فقد ارتفعت تلك النسبة إلى 55% في القطاعات الاقتصادية كافة.

إن توفّر سوية عالية من الثقة المتبادلة بين المدراء والموظفين يمثّل السمة المحدِّدة لأفضل بيئة عمل، وهو العامل المحرّك لأداء الشركة العام وحجم إيراداتها. وكما يقول “ستيفن إم آر كوفي” في كتابه “سرعة الثقة”: “عندما تنخفض سوية الثقة (في العلاقة، ضمن فريق العمل، في المؤسسة، أو مع الشريك أو الزبون) فإن السرعة ستنخفض أيضاً وترتفع التكاليف عموماً… والعكس صحيح أيضاً؛ فعندما ترتفع سوية الثقة، ترتفع السرعة وتنخفض التكاليف”. ولما كانت نسبة موظفي السويات الدنيا (من غير المدراء أو الرؤساء) الذين يثقون بشركاتهم لا تتجاوز 50%، فإن على مدراء تلك الشركات أن يفكروا جيداً لإيجاد طرق تمكّنهم من بناء علاقات الثقة مع موظفيهم.

عادة ما يشير الموظفون الذين لا يثقون بمدرائهم إلى الانطباع العام والأمور الواضحة: كأن يتخطّى رؤساؤهم حدود السلوك الأخلاقي، أو أن يخفوا عنهم معلومات مهمة، أو أن يقطفوا ثمار جهود الآخرين ولا يتوانوا عن خداعهم. خلال عملي لسنوات عديدة في مساعدة الشركات على إقامة بيئات عمل عالية الأداء، شاهدتُ عن كثب كيف يقوم مدراء الشركات الذين لا يستحقون الثقة بتهديم الروح المعنوية لدى موظفيهم وإعاقة إنتاجيتهم. عندما لا يتكلّم الموظفون عن مشاكلهم في العمل إلا بعد خروج مدرائهم من القاعة، وفجأة يصبح لديهم الكثير مما يقولونه حول تحفّظه المبالغ فيه وتكتّمه على المعلومات المفيدة، وبلطجته، ونزعته للإيقاع فيما بينهم؛ فإن المشكلة تغدو سهلة التشخيص.

بيد أن الأسباب الأقل وضوحاً لانعدام الثقة غالباً ما تكمن في البيئات التقليدية التي نشأ فيها القادة أكثر من انبعاثها من السلوكيات الخاصة للقادة حسنيّ النيّة. فعلى سبيل المثال يتمحور التدريب التقليدي للقادة حول مبدأ تطبيق القواعد والأنظمة، وهو منهج أقرب إلى نمط العلاقة بين الأهل وأطفالهم أكثر منه إلى نمط العلاقة القائمة على الثقة بين أناس راشدين. أما الآن، فلم يعد القادة في بيئات العمل العالية الأداء يرسمون سياساتهم ويمحورونها حول “بضع تفاحات فاسدة” من شأنها أن تفسد الصندوق كله، بل باتوا ينطلقون من أن موظفيهم سيتصرفون بما يخدم المصلحة العليا للشركة والمصالح المتبادلة فيما بينهم. وعلى الرغم من صعوبة حل المشاكل التي لا تراها بوضوح، إليك أربع طرق فعالة لمعالجة أسباب تلك المشاكل:

وظّف أناساً تثق بهم

كثير من قادة الشركات يصرّحون ويفاخرون بأن توظيف أفضل الناس هو في رأس أولوياتهم، غير أن أنظمة وأساليب التوظيف التقليدية تجعل من ذلك مهمة معقدة وصعبة. ولا شك في أن استخدام أساليب توظيفٍ أكثر ذكاءً، مثل تكتيكات مقابلات التوظيف المبتكرة وإشراك فريق العمل ذي الصلة في قرارات التوظيف، من شأنه أن يثري فريق العمل بأناس صادقين ومسؤولين وقادرين على خلق ثقافة عمل مثالية والحفاظ عليها، ثقافة يستطيع فيها الجميع أن يثقوا بالآخرين ويعتمدوا عليهم.

أولاً وقبل كل شيء، لا تنطلق من أن المهارات التقنية والمعرفة التخصصية تفوق السمات الشخصية أهمية، وبخاصة عندما تبحث عن موظفين لشغل وظائف قيادية. إن الاهتمام بالمعرفة التخصصية أكثر من المسائل المتعلقة بالسلوك التي تساعدك على فهم السمات الشخصية للمرشَّح، يجعلك تغفل كلياً النظر إلى نزاهته واستقامته الأخلاقية. وكذلك فإن الأسئلة التقليدية التي تُطرح عادة على المرشح مثل “لماذا ترغب في العمل هنا؟” لا تخبرك شيئاً عن مقدراته الفعلية وأدائه المستقبلي.

إذاً، اطرح الأسئلة التي تُحدّد سمات المرشّح الشخصية. فعلى سبيل المثال، دع المرشّح يُخبرك متى أنجز عملاً إضافياً متميزاً لمساعدة شركته أو فريق عمله على تحقيق أهداف حيوية؛ أو متى أعطى الأولوية لمصلحة الزبائن أو الزملاء أو الشركة بشكل عام على مصلحته الخاصة. وأشرِكْ موظّفي فريق العمل الذي قد يعمل المرشح ضمنه في عملية الاختيار، فربما يقترحون أسئلة مفيدة قد لا تخطر في بالك. ولكي تظهّر ثقتك بحكمة وحسن تقدير فريق العمل واحترامك لآراء أعضائه جميعاً، عليك أن تأخذ على محمل الجد اعتراضات أي منهم مهما كانت.

وأخيراً، تحقق من صحة المؤهلات والخبرات السابقة للمرشحين! فالأشخاص الذين تتم إقالتهم لأسباب تخص النزاهة والصدق والاستقامة يعملون باستمرارعلى اصطياد الوظائف، ولذلك فإنك ستصادفهم كثيراً. ابحثْ وتحقّق جيداً، واستفد من أخطاء الشركات الأخرى.
فلقد وجدت جمعية إدارة الموارد البشرية أن 53% من الشركات التي حاولت التحقق من مؤهلات مرشّحيها وخبراتهم السابقة، قد كشفت ادّعاءات زائفة فيما يخص فترات العمل السابقة، وأن 51% منها اكتشفت مزاعم كاذبة حول الرواتب السابقة، كما وجدت أيضاً أن 61% من المرشّحين قد كذبوا في الإفصاح عن معدّلات تحصيلهم الجامعي. قد يبدو التحقّق من مؤهلات المرشحين وخبراتهم السابقة أمراً مضنياً، غير أنه من المؤكّد أن تصحيح أخطاء التوظيف يكلّفك وقتاً أطول ومالاً أكثر بكثير.

أحسِن الظّنّ بالناس

لا بدّ لك من أن تلتقي في حياتك الشخصية كما المهنية بأناس يحاولون استغلالك، ولا شك في أن هذه التجارب مؤلمة ومن شأنها أن تجعلك متشائماً. وبالنسبة للمدراء فإن هذا الموقف المتشائم سيجعلهم يسيؤون الظن بموظفيهم عموماً وينطلقون من أنهم كسالى، وغير قادرين على توجيه سلوكهم الخاص، وأنهم يفتقدون إلى الاستقامة والنزاهة. ومن المرجّح أن المدراء الذين ينطلقون من الاحتمالات السلبية ويسيئون الظن بالآخرين يميلون إلى ممارسة الإدارة التفصيلية وحجز المساعدة الضرورية وحجب المعلومات المهمة ووضع قواعد وسياسات لا معنى لها، الأمر الذي من شأنه أن يجعل حتى أفضل الناس يفقدون شغفهم بعملهم وحماسهم له.

عملتُ قبل سنوات مع مدير إحدى الشركات، وقد أبلغني بأنه يرغب في أن يتصرف موظّفوّ شركته وكأنهم يملكونها، غير أنه كان يرفض إعطاء المفاتيح لعمال المصنع الذين كانوا يصلون قبل موظفي المكاتب. من الواضح أنه بسلوكه هذا لم يكن ينطلق من حسن الظن والاحتمالات الإيجابية ولم يكن يرى أن بوسعه الثقة بموظّفيه والسماح لهم بالدخول والخروج كما يحلو لهم. فكيف لهم إذاً أن يشعروا بأن الشركة ملكهم إذا لم يكن يُسمح لهم حتى بامتلاك مفاتيح مدخل الشركة؟

ولإظهار حسن ظنك وأنك تنطلق من الاحتمالات الإيجابية، أثبت للجميع أنك ترفض ممارسات الإدارة التفصيلية، وقم بتكليف الموظّفين بمهامّ صعبة وطموحة وكُن على ثقة واضحة وراسخة بأنهم سيكونون عند حسن ظنك. ولْيكن سلوكك العام مشجّعاً على الوضوح والشفافية، فلا تخفِ معلومات تخصّ العمل انطلاقاً من الظن بأن العاملين سيسيؤون استخدامها. وفضلاً عن ذلك حاولْ إضافة بند “الدردشة” على جدول أعمال الاجتماعات بوصفه طريقة مرحة وغير رسمية لتبادل المعلومات المتداولة بين الموظفين عن الشركة، بحيث تكون تلك الدردشة فرصة لتأكيد تلك المعلومات إن كانت صحيحة، أو نفيها إذا كانت مجرد شائعات لا أساس لها من الصحة.

عندما يتوقع المدراء الاحتمالات الإيجابية، فإن الموظفين سيردّون بالمثل. وهكذا فإن أفعال وقرارات الإدارة التي كانت ستوضع عادة موضع التساؤل والشك وتُرفض من غالبية الموظفين، ستغدو مقبولة الآن لأن الموظفين سيكونون على ثقة بأن لتلك الأفعال والقرارات أسبابها الوجيهة. وهذا ما يمنح الجميع سوية معقولة من الارتياح والطمأنينة في أوقات التغيّر والنمو السريعين.

عامِل الموظفين بالعدل، لا بالتساوي

تنصح أقسام الموارد البشرية في غالبية الشركات التقليدية إداراتها بأن تعامل الجميع بالتساوي بغية التقليل من نسبة المخاطر، غير أن القيام بذلك يجرّد الناس من شخصيتهم وفرادة قدرتهم على المساهمة في نجاح تلك الشركات.

فمثلاً: إذا طلب موظّفان اثنان استراحة من العمل لأسباب شخصية، فإنك لن تعطي كليهما أسبوعين من الإجازة المدفوعة الأجر بشكل آلي ودون أن تفكر ملياً في الأمر، بل من الطبيعي أن تأخذ بالحسبان الظروف المحيطة بهما إضافة إلى أداء وسنوات خدمة كل منهما.

ولعلّ المنطق ذاته ينطبق كذلك على موضوع المحاسبة والتأديب. فهنا أيضاً عليك الموازنة بين المخاطر المحتملة لتطبيق سياسات التأديب الموحدة على الجميع من جهة، والتكاليف الحقيقية لتبديل الموظفين وانخفاض الروح المعنوية وما يستتبعه ذلك من تدنٍّ في الأداء من جهة أخرى. ونادراً ما تكون سياسات التأديب التقليدية فعالة، إذ إنها غالباً ما تسبب دورة متصاعدة من الإنذارات وقرارات الحد الأدنى. وبالطبع فإن من الأفضل انتهاج خيار النقاش الناضج بين الإدارة والموظفين بغية تحديد سبب المشكلة والطلب من الموظفين المشاركة في إيجاد الحلول التي تناسبهم والعمل على تطبيقها. ولا شك أن هذا النهج القائم على نمط الاستشارة هو الأسرع والأكثر احتراماً والأفضل من حيث النتائج.
عندما يترسّخ الاعتقاد عند الناس بأن قادتهم يبحثون فعلاً عن الأسباب الحقيقية لمشكلة تدنّي الأداء بغية إيجاد الحلول لها، لا بغية تحميل المسؤوليات والمعاقبة، فإنهم سيمتلكون درجة كافية من الثقة تمكّنهم من الاعتراف بأخطائهم وهفواتهم مقدّماً وتحمّل المسؤولية الشخصية لاتخاذ ما من شأنه أن يساعد على إيجاد الحلول المناسبة.

ضع سياسة صارمة لعدم التسامح مع الكذب والخداع

تتخذ غالبية الشركات إجراءات محدّدة لضمان عدم انتهاك الموظفين للثقة الممنوحة لهم، غير أن الشركات عالية الأداء تنظر إلى موضوع الثقة باهتمام وتقدير عاليين جداً لدرجة أنها تفرض وتطبق سياسة عدم التسامح مع أدنى استغلال لتلك الثقة، وذلك من خلال الإعلان بشكل واضح وصريح بأنها لن تتسامح على الإطلاق مع أي انتهاك للثقة مهما كان صغيراً، وبأن من يقوم بذلك سيخسر عمله.

لقد أمضى أحد العاملين 15 سنة لدى إحدى شركات مستثمر من زبائني، وكان محبوباً جداً من الإدارة ومن مالكي الشركة. لكنه عندما ضبطه زميله وهو يأخذ إحدى قوارير الماء التي يبلغ حجمها خمسة غالونات إلى سيارته حاول إخفاء ذلك قائلاً لزميله: “تصرف كما لو أنك لم ترَ هذا”.

كانت الشركة ستعطيه الماء لو أنه طلبه وكان فعلاً بحاجة إليه، غير أنه بأخذه لتلك القارورة ومحاولته إخفاء ذلك قد خان الثقة الممنوحة له. ولقد كان الانزعاج بادياً على الإدارة لاضطرارها إلى إنهاء عقده، لكنها بقيت صارمة ولم تستمع لنداءات وتوسلات زملائه في فريق العمل، مثبتةً بذلك أن من شأن أي كذبة مهما صغرت (كالكذبة “البيضاء” مثلاً) أن تهدم الثقة المبنية بين طرفين.

لنأخذ مثالاً مشابهاً: الكل يعرف أن غالبية الشركات تلتزم سياسة عدم التهاون مطلقاً مع أن يكون العامل تحت تأثير الكحول أو المخدرات أثناء العمل. ذلك لأن السلامة والأمان يحتلان الأولوية المطلقة في العمل. وهكذا أيضاً، ففي ثقافةٍ تضع الثقة في رأس أولوياتها المطلقة، من غير المقبول أن يكون المرء مخادعاً ولو بعض الشيء. فحتى تلك “الكذبات البيضاء الصغيرة” غير مقبولة على الإطلاق.

إن الوجه الآخر لسياسة عدم التهاون مع الكذب هو أن على الإدارة الالتزام بنفس المعايير والاعتراف بالخطأ أيضاً. فكلّنا يخطئ أحياناً، وإذا ما كنتَ قادراً على الاعتراف بأخطائك وهفواتك وتحمّل مسؤولياتها، فإنك ستحصد ثقة فريق عملك وإعجابه وستكون له مثلاً أعلى.

بوصفك قائداً، تقع عليك مسؤولية التحلّي بالحكمة وامتلاك القرار السديد فيما يخصّ الأمور الخطرة، والعمل وفق الدوافع المبدئية، وحسن الظن بالآخرين. ولْتعلَم أنك سوف تحصد ما تزرعه. فإذا ما حصّنت نفسك بحواجز بيروقراطية، فإنك لن تخفق فقط في القيام بمسؤولياتك الأساسية، بل إنك ستبثّ روح القلق وانعدام الثقة لدى الموظفين. وفي المقابل، عندما تكسر تلك الحواجز وتجعل بناء الثقة على رأس أولياتك وأولويات جميع موظفيك، يمكنك أن تتوقع الولاء والتفاني والأداء العالي من أولئك الذين في أيديهم مصير شركتك وأعمالك، ألا وهم الناس الذين يعملون معك.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz