تُعتبر تقييمات الأداء إحدى الدعامات الأساسية في مكان العمل، سواء أحببت هذه الإجراءات أم لم. ولطالما وُصفت التقييمات الكمية أنها أدوات محايدة لقياس جودة العمال وضمان العدالة في قرارات الترقية والتعويضات.

لكن الأبحاث الحديثة أظهرت أنّ تقييمات الأداء الكمية أبعد ما تكون عن الموضوعية، ففي حين أنها قد تجعل مهمة مقارنة العمال أسهل للمدراء، إلا أنها تعجّ بالتحيز ضد النساء. وتظهر الأبحاث باستمرار حصول الرجال على تقييمات أداء أعلى من النساء، حتى عندما تكون مؤهلاتهم وسلوكياتهم متطابقة. إذ إنه حتى خوارزميات الذكاء الاصطناعي تفضّل الرجال.

وتعتبر هذه التحيزات تضرّ بفرص المرأة الوظيفية، وتسهم في وجود فجوات في الدخل بين المرأة والرجل، ونقص تمثيل المرأة في المناصب العليا.

وفي حين استمرار الأدلة على عدم المساواة بين المرأة والرجل من حيث تقييمات الأداء في التصاعد، لا يُعرف الكثير عن سبل معالجة هذه القضايا. لذلك حددنا في دراسة جديدة في مجلة أميركان سايكولوجي ريفيو (American Sociological Review) إحدى الطرق المحتملة لتقليل الفجوات في تقييمات الأداء الكمية بين الرجل والمرأة، وتتميّز هذه الطريقة بفاعليتها من حيث الوقت والتكلفة، ألا وهي تبديل معايير التقييم.

وأجرينا دراسة على إحدى الكليات التابعة لجامعة كبيرة في أميركا الشمالية غيّرت نظام تقييم أعضاء هيئة التدريس من مقياس مكون من 10 نقاط إلى مقياس مكون من 6 نقاط، لأسباب غير مرتبطة بالنوع الاجتماعي. ودرسنا في النهاية ما مجموعه 105,034 تقييماً من تقييمات الطلاب الخاصة بـ 369 معلماً في 235 دورة تدريبية. وكان أحد الجوانب الفريدة لبياناتنا هو تمكُننا من مقارنة أداء المدرسين الذين يقومون بتدريس نفس الدورات التدريبية بالضبط في ظل نُظم التقييم المختلفة.

وكما هو متوقع، حصل الرجال في ظل نظام التقييم المكون من 10 نقاط على تقييمات أعلى بكثير من النساء في معظم المجالات التي يهيمن عليها الذكور. ولكن ما وجدناه بعد ذلك كان مفاجئاً، إذ أدى الانتقال إلى نظام التقييم المكون من 6 نقاط إلى تلاشي هذه الفجوة تماماً بين الرجل والمرأة.

وأجرينا تجربة بهدف معرفة سبب هذا الاختلاف، ومنحنا 400 طالب نسخاً متطابقة من محاضرة، وقيل لبعض الطلاب أن المحاضرة ألقيت من قبل الأستاذ جون أندرسون، في حين قيل لبقية الطلبة أنها ألقيت من قبل الأستاذة جولي أندرسون. واخترنا نظام التقييم الذي سيستخدمه الطلاب لتقييم ملقي المحاضرة عشوائياً، سواء نظام التقييم المكون من 10 نقاط أو 6 نقاط. وطلبنا من الطلاب أيضاً كتابة الكلمات التي تتبادر إلى أذهانهم أول مرة عند التفكير في الأداء التدريسي لملقي المحاضرة.

وكما هو الحال في دراستنا الميدانية، وجدنا فجوة كبيرة في التقييمات بين الرجل والمرأة بموجب نظام التقييم المكون من 10 نقاط، والتي تلاشت مرة أخرى بموجب نظام التقييم المكون من 6 نقاط. إلا أننا اكتسبنا بعض الرؤى الثاقبة هذه المرة حول سبب أهمية المقاييس. خصص الطلاب 10 نقاط لجون أندرسون بسهولة عند استخدام مقياس مكون من 10 نقاط، إلا أنهم شعروا بالتردد في منح التقييم ذاته لجولي أندرسون، ومنحها بدلاً من ذلك 8 أو 9 نقاط.

وعند تحليل الكلمات التي استخدمها الطلاب لوصف أداء ملقي المحاضرة، وجدنا أن أعلى درجة على المقياس المكون من 10 نقاط أثارت صوراً من الأداء الرائع والاستثنائي. كما وجدنا أيضاً ميل الطلاب إلى ربط هذا النوع من الأداء بجون بدلاً من جولي. وتتوافق هذه النتيجة مع ارتباط الرقم 10 الثقافي القائم منذ أمد بالكمال، وكذلك الأبحاث السابقة التي تظهر تمحيص المقيّمين لأداء المرأة بشكل أدق بحثاً عن الأخطاء والاحتفاظ بمسميات مثل "نجم" و"نجم بارز" و"عبقري" للرجال. ونظراً إلى الصورة النمطية لتألق الذكور، يُعتبر الكمال الذي ينضوي على 10 درجات مستوى أداء بعيد المنال بالنسبة للنساء.

وعلى النقيض من ذلك، لم تسفر أعلى درجة على المقياس المكون من 6 نقاط عن توقعات الأداء القوية هذه. إذ كان يكفي أن يُنظر إلى أداء المعلمين أنه جيد جداً للحصول على 6 درجات، ولا حاجة إلى أن ينظر إليه أنه مميّز أو استثنائي. نتيجة لذلك، على الرغم من أنّ الطلاب الذين يستخدمون المقياس المكون من 6 نقاط أكثر عرضة لاستخدام عبارات الثناء لوصف أداء جون التعليمي، إلا أنهم كانوا على استعداد لمنح جولي 6 نقاط بقدر جون. ما زالت القوالب النمطية الكامنة وراء تألق الذكور موجودة، لكن لم يُثر مقياس التقييم المكون من 6 نقاط صوراً ثقافية قوية من الكمال والذكاء بقدر مقياس التقييم المكون من 10 نقاط، وبالتالي حدّ المقياس المكون من 6 نقاط من التعبير عن التحيز، واختفت الفجوة بين الرجل والمرأة.

قد يجادل المشككون في دور التحيز في هذه النتائج. إذ يُرجّح بعضهم على سبيل المثال كون الأساتذة الاستثنائيين من الذكور، وأن المقياس المكون من 6 نقاط يقود المقيّمين ببساطة إلى حصر الأداء المميّز بما هو جيد بشكل موضوعي فقط. ومن هذا المنظور، لا يحد المقياس المكون من 6 نقاط من التعبير عن التحيز ضد المرأة، بل هو ببساطة أداة عديمة الفائدة تفشل في التمييز بين المدرسين الذكور العظماء والمعلمات الجيدات فقط، على عكس المقياس المكون من 10 نقاط. ومع ذلك، تعالج تجربتنا هذا القلق، إذ كان الشيء الوحيد الذي اختلف بين المعلمين هو اعتقاد الطلاب بأن ملقي المحاضرة كان ذكراً أو أنثى، بينما كانت نسخ المحاضرة متطابقة.

ولا تقتصر تداعيات هذه النتائج على صعيد الجامعة فقط، إذ تُستخدم تقييمات الأداء الرقمية في كل مكان، وفي عصر مهووس بالبيانات والمقاييس، فإننا كثيراً ما نتصرف كما لو كانت أدوات القياس والتقييم التي نوظفها أدوات محايدة، لكنها ليست كذلك. حتى العوامل التي تبدو صغيرة مقارنة بعدد الفئات على مقياس التقييم قد يكون لها تأثير كبير على عدم المساواة.

والجيد في الأمر هو أننا لم نعد ضعفاء عندما يتعلق الأمر بعدم المساواة بين الرجل والمرأة. من الصعب التغلب على تحيزاتنا الشخصية، ولكن بمجرد إدراك أن التحيز جزء من نظم تقييمنا أيضاً، يمكننا حينئذ تغيير تلك الأنظمة. ويمكن لمختلف أنواع المؤسسات تجربة المقاييس وأدوات التقييم واكتشاف طرق جديدة لإحداث فارق ما، على غرار الجامعة التي قمنا بدراستها. ويمكننا جعل السبيل نحو المساواة أحد تجاربنا في وقت ما. ولا يعني ذلك أن هذه التدخلات ستقضي على الصور النمطية بين الرجل والمرأة التي تبيّن البحوث أنها عميقة الجذور وشديدة المقاومة للتغيير. بل يمكنها الحد من تأثيرها على التقييمات والبدء في سد الفجوة بين الرجل والمرأة في مجالات العمل، وفق تعبير عالم الاجتماع جون وليام.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!