تابعنا على لينكد إن

هناك توثيق جيد للعقبات المزمنة التي تعيق وصول النساء إلى مناصب قيادية. إذ أنّ نسب زيادة حصتهن في القيادة لا تزال ضئيلة جداً منذ وقت طويل، كما يتراجع حضورهن في المناصب القيادية أكثر في المجالات التي تتضمن جداول عمل متقلبة أو طويلة الأمد، وجداول لا يمكن للأخصائيين التحكم بها أو التي تتضمن الكثير من السفر.

ويُعد أحد الأسباب الرئيسية لذلك، أنّ العديد من النساء يقمن برعاية عائلاتهن في المقام الأول. مثلاً، تقضي الأمهات ضعف الوقت الذي يقضيه الآباء في رعاية الأبناء (بنسبة 15 ساعة بالأسبوع للأمهات، مقابل 7 ساعات للآباء). كما أن بعض النساء، وبعض الرجال أيضاً، ملتزمون بأكثر من رعاية الأبناء، فهم يعتنون بآباء مسنين أو أفراد آخرين من العائلة يحتاجون إلى الرعاية والاهتمام. ولكن كيف ستتمكن المرأة من إيجاد شخص آخر للاعتناء بولدها أو بأحد والديها المسنين إن لم تكن تعلم أين يمكن أن تكون، وكم ستغيب في العمل؟ إلى جانب ذلك، ليس بمقدور معظم النساء تحمل نفقات مربية مقيمة، وقليلات من لديهن شركاء تسمح جداول أعمالهم بأن يستلموا عنهن مسؤوليات الرعاية في أي لحظة دون سابق إنذار.

تشكّل كل هذه الأمور تحديات مستعصية في وجه تقدم المرأة المهني، ويمكن أن تكون هذه المشاكل مرهقة للعدد المتزايد من العاملات من غير موظفات الشركات ذوات الرواتب الثابتة، كالمتعاقدات المستقلات (freelancers) والاستشاريات، ولمن يتوجب عليهن الاهتمام بفتح آفاق جديدة للعمل بصورة مستمرة، كالوسيطات اللواتي يُتوقع منهن العمل على مدار الساعة أثناء فترات عملهن المأجورة من أجل التخطيط لكيفية تحقيق أرباح مستقبلية. كيف ستتمكنّ من التقدم في عملهن وهن يجاهدن لتلبية متطلبات الحياة العائلية والعمل معاً؟

لدراسة هذا السؤال أجرينا دراسة على المسارح، وهو المكان المثالي لمعرفة المزيد عن استمرارية السير المهنية للمتعاقدات المستقلات والوسيطات اللواتي يحملن في الوقت ذاته مسؤولية تقديم الرعاية الأسرية، إذ تعجّ الجداول في وظائف الفنون المسرحية بساعات العمل غير المنتظمة والسفر الكثير.

يحتاج الفنانون إلى جعل أسمائهم معروفة في الوسط الفني، ويكون ذلك فقط عن طريق الظهور عبر نطاق واسع من الأسواق المختلفة. ولكن الشهرة ليست مجرد نتيجة للعمل الجادّ والانتشار الواسع فحسب، بل يحتاج الفنانون أيضاً لإقامة علاقات مع أشخاص يستطيعون استثمار نقاط قوتهم فيها أيضاً. وبالنسبة للموظفين الطموحين في الجانب الإداري من المسرح، يمكن أن يؤدي السعي الدائم لزيادة الدخل إلى جعل جداولهم تسير بسرعة قصوى. يعمل المدراء المبدعون والمنتجون الذين يسعون ليصبحوا مدراء فنيين لمسرح ما، كمتعاقدين مستقلين في أغلب الأحيان. وهم في حاجة دائمة للبحث عن فرص ليمارسوا إدارتهم أو إنتاجهم الإبداعي كي ينخرطوا في الوسط ويصبحوا معروفين. وإذا كان بإمكان شخص لديه طموحات قيادية الاعتماد على توصيات معارفه المهمين ذوي المراكز العليا، يصبح وجوده ذا مصداقية، وتزداد فرص تقدمه نحو القيادة.

كان هدف دراستنا هو اكتشاف سبب وجود عدد قليل من النساء في مناصب قيادات المسارح المحلية غير الربحية الأميركية، حيث بالكاد تبلغ نسبتهم 30% فقط. وذلك على الرغم من أنّ النساء يشكلن نصف عدد نوّاب المدراء في المجال. لقد قمنا بجمع بيانات من عدة مصادر، وهي عبارة عما يزيد عن 1,300 استطلاع رأي و300 ملف سيرة ذاتية و100 مقابلة مع قادة مسارح تم اختيارهم بصورة عشوائية ونوّابهم المباشرين، بالإضافة إلى مقابلات مع أمناء المسارح وخبراء شركات البحث. كان هذا ما ساعدنا على تحديد المسارات المهنية والمؤهلات والمهارات والخبرات اللازمة للوصول إلى قيادة المسرح. كما ساعدنا على مقارنة المسارات المهنية للرجال والنساء.

ترددت النساء بداية الأمر في التحدث عن مسؤولياتهن العائلية وكيف أثرت الحياة العائلية على مساراتهن المهنية. كما أنّ بعض من أجرينا معهم المقابلات لم يتحدثوا عن هذا الموضوع إلا عندما كان الحديث يتعلق بالآخرين. مثلاً، قال نائب مدير عن زميلته: “لا أعتقد أنها تطمح لذاك النوع من المناصب القيادية نظراً لوضعها العائلي”. إلى جانب ذلك، قال مدير فني: “بحسب ما سمعته من قبل، تجد أنّ معظم المدراء الفنيين هم رجال في أغلب الحالات، لأنهم أكثر قدرة على التنقل. فعندما ترغب النساء بإنشاء عائلة تأخذهن الحياة العائلية أكثر ولا يتمكن من العمل كمتعاقدات مستقلات ويذهبن للعمل في مسارح محلية أخرى”.

وبناء على هذه المعلومات، عدلنا أسئلة لقاءاتنا لنسأل النساء صراحة عن كيفية تنسيقهنّ لأدوارهن في العمل وفي المنزل. وفور إثارة الموضوع صراحة تلقينا إجابات النساء اللاتي بدأن يحكين عن قصصهن. إذ علمنا من هذه الإجابات أنّ النساء في المسرح، وتحديداً الأمهات منهن، كنّ خائفات من التحدث عن مسؤولياتهن في رعاية أبنائهن خوفاً من أن يتسبب ذلك في اعتبارهن غير متفانيات في عملهن بصورة كافية أو عدم حصولهن على فرص عادلة عند التقدم للعمل برتبة أعلى. تقول إحدى المديرات الفنيات بتعجب: “لقد تعلمت النساء التزام الصمت عندما يرزقن بأطفال لأنهم يشكّلون مسؤولية عليهن. وبذلك فأنت لن تحصلي على العمل”.

يمكن القول إنّ عدم القبول بوظيفة ما لأنها ستضعك في موقع بعيد عن عائلتك أو لأنك ستضطرين للانتقال من مكان سكنك لأجلها سيمنعك من الظهور أمام العديد من قادة المسارح المهمين. وفي حالات كهذه تعجز النساء اللاتي تحملن مسؤوليات عائلية عن بناء العلاقات اللازمة، وبذلك فهن تفوتن المناصب القيادية. في السياق ذاته، هناك عينة فرعية من النساء اللاتي أجبن عن أسئلتنا، وهي عبارة عن النساء اللاتي تقدمن لمناصب قيادية ولكن لم يحصلن عليها. لقد نسبت هذه العينة الفشل في الوصول إلى المنصب القيادي الأعلى إلى افتقاد الخبرة الواسعة وعدم الظهور في عدد كبير من المسارح.

يُعتبر عدم تأمين تسهيلات لمسؤوليات النساء العائلية أحد أسباب عدم ترقيتهن إلى مناصب قيادية. ويفترض زملاؤهن دون معرفة أكيدة أنّ من لديها مسؤوليات عائلية تحتاج إلى تسهيلات معينة مكلفة أو غير متوفرة أساساً، كأن يقولوا: “لن نطلب منها القيام بذلك لأنها تقوم بإرضاع طفلها”. إنّ غياب نقاش يشمل الوسط الفني بأكمله حول التعديلات الفعلية الضرورية يقود إلى ركود وظيفيّ بين أخصائيات موهوبات وطموحات، كما يؤدي إلى انعدام التوازن بين أعداد النساء والرجال في القيادات.

تشير الدراسات إلى أنّ الرجال يُدعون لإدارة العروض في المسارح المحلية أكثر من النساء. وهذه الدعوات تؤدي إلى انتشار كبير لأسماء هؤلاء المدراء، الذي يؤدي بدوره إلى شهرتهم واكتسابهم ثقة الآخرين بقدرتهم على استلام القيادة، بينما تفتقد النساء هذه الدعوات وفرص الظهور والثقة.

تملك الدروس المستقاة من السير المهنية المتعثرة لكثير من أخصائيات المسارح تداعيات تؤثر على الاختصاصيات اللاتي يعملن وفق جداول عمل متقلبة في المجالات الأخرى، سواء المتعاقدات المستقلات أو الاستشاريات، أو الأعداد المتزايدة من الموظفات اللاتي يقع على عاتقهن جلب مكاسب جديدة للشركات. فهنّ يفتقدن للتسهيلات اللازمة للوصول لمن يقمن برعايته سواء كان طفلاً أو مسناً عند حاجته لهن، وذلك ما يمنعهن من الوصول إلى المناصب القيادية. وعلى الرغم من أنّ اقتصاد العمل الذي يستمرّ بالتوسع يبدو واعداً بالنسبة للمرونة التي تحتاجها القائدات الطموحات للاستمرار بسيرهن المهنية مع قيامهن برعاية مؤقتة لعائلاتهن في الوقت ذاته، إلا أنّ بياناتنا تبين أنّ حضور الحفلات في الوسط المسرحي لم يساعد المتعاقدات المستقلات أو الوسيطات في الحصول على العدالة في المناصب القيادية.

وتُبذل جهود للتوعية في هذه الأثناء في المسارح على طرفي المحيط الأطلسي. فمهمة المسارح هي ضم جميع الأصوات وقصص الحياة على المسرح. ونأمل أن تتمكن النتائج الإيجابية في الوسط المسرحي من جذب انتباه الشركات لما وراء الفنون المسرحية.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن قيادة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz