facebook
twitter
whatsapp
email
linkedin
messenger

كان أول من صاغ مصطلح "اقتصاد العمل الحر"  أو "اقتصاد العمل المستقل" هي المحررة السابقة لمجلة "ذا نيويوركر" (The New Yorker) تينا براون عام 2009. وكانت تعني به السعي المتزايد للعاملين في اقتصاد المعرفة وراء "مجموعة من المشاريع والاستشارات الحرة والوظائف بدوام جزئي في أثناء إجراء المعاملات في السوق الرقمية".

انضم إلى شبكة عالمية من المبتكرين. رشح نفسك الآن إلى جائزة مبتكرون دون 35 من إم آي تي تكنولوجي ريفيو..

وكانت الحكمة المستقاة آنذاك هو أن اقتصاد العمل المستقل سيعيد تعريف ماهية الوظائف الإدارية ويُثير تساؤلات حول وجود الشركات المتخصصة في تقديم الخدمات المهنية؛ ما الذي يدفعك إلى توظيف شركة متخصصة في تحليلات البيانات لمشروع ما في الوقت الذي يمكنك فيه التواصل مع مجموعة من الخبراء المتصلين بمنصة رقمية على نطاق عالمي ويمكنهم العمل معاً لصالحك؟ بدا الأمر وكأن الأمور تسير على هذا النحو فترة من الوقت، فالفريق الذي فاز في تحدي شركة "نتفليكس" الذي تبلغ قيمته مليون دولار في عام 2009 لتطوير أفضل خوارزمية لتقديم التوصيات هو فريق لا ينتمي إلى شركة واحدة أو بلد واحد.

لكن تبين أن براون لم تكن محقة تماماً، فقد شهد العالم نمواً هائلاً في اقتصاد العمل المستقل، ويعزى معظم ذلك النمو إلى الأعمال التي لا تتطلب التمتّع بأي مهارة، مثل قيادة السيارات، وذلك عبر شركات مثل "ليفت" و"أوبر"، وتسليم طلبيات الطعام والطرود، عبر شركات مثل "بوستميتس" (Postmates) و"دورداش" (DoorDash) وأداء مهام بسيطة عبر شركة "تاسك رابيت" (TaskRabbit). إلا أننا لم نشهد بعد بلوغ موظفي المعرفة نهج اقتصاد العمل المستقل الفاعل، بمن فيهم المهندسين والاستشاريين والمسؤولين التنفيذيين.

أين مكمن الخلل؟

يقدّم عمل رونالد كوس الحائز على جائزة نوبل في تكاليف المعاملات تفسيراً منطقياً. فوفقاً لهذه النظرية التي مضى عليها ما يقرب من قرن من الزمان، لن يعود للشركات أي قيمة عند انخفاض التكاليف المتمثّلة في المال أو الوقت على الزبون، سواء كان فرداً أو شركة، في سعيه وراء البحث عن جهات تزوده بخدمات بديلة وتقييم جودتها والتعاقد معها والإشراف على أعمالها وتنسيقها. فمن الواضح أنه إذا كان العمل بسيطاً وقابلاً للتكرار والقياس وموحداً ويمكن التحكم فيه، ستكون تكاليف العمل عليه منخفضة، وهو ما يفسر نجاح منصات اقتصاد العمل المستقل التي تركّز على أعمال مثل النقل التشاركي وتوفير السكن وتسليم الطلبيات على حساب الشركات التي تقدّم هذه الخدمات بالفعل.

لكن تخيّل أنك مواطن أميركي يعيش في سنغافورة وتبحث عن مشورة تتعلق بالضرائب. إذا كنت ترغب في الحصول على هذه المشورة من خلال اقتصاد العمل المستقل، فأمامك خياران: إما أن تجد محاسباً مختصاً في أنظمة الضرائب في كل من سنغافورة والولايات المتحدة، وهي مهمة قد تُمثّل تحدياً هائلاً، أو أن تستخدم محاسبَين مستقلين، أحدهما متخصص في قانون الضرائب في سنغافورة وآخر متخصص في قانون الضرائب الأميركي. وفي حال اخترت الخيار الثاني، يجب عليك التأكد من تضافر عمل المحاسبَين بشكل صحيح، وهي مهمة قد لا تكون سهلة على الإطلاق. وفي كلتا الحالتين، يجب عليك التأكد من تمتّع جميع المحاسبين بالكفاءة التي ادّعوا امتلاكها، وأن تكون مسؤولاً عن كتابة العقد. في المقابل، يمكنك التخلص من التكاليف التي تنطوي على كل تلك المعاملات، بما فيها تكاليف البحث والتنسيق والتعاقد، عند تعاقدك مع شركة "كيه بي إم جي" (KPMG) بدلاً من ذلك – التي تعتبر واحدة من أكبر شركات الخدمات المهنية في العالم، وهو السبب الذي يجعلنا نلجأ إلى التعاقد مع شركات شبيهة بشركة "كيه بي إم جي".

هل يعود سبب وجود هذه التكاليف للخدمات المعقدة وعالية الجودة إلى أن تلك المجالات لم تشهد تطوراً من الناحية التقنية بعد؟ لا نعتقد ذلك، فقد خفضت التقنيات الجديدة من تكاليف المعاملات في جميع المجالات بشكل كبير.  وأسفرت عملية تدفقات المعلومات الناجمة عن ظهور تقنية الجيل الثاني من الويب (الويب 2.0) عن خفض تكلفة العثور على مزود خدمة مستقل بشكل كبير. كما سمحت لنا رقمنة العمل المعرفي بإجراء تقييم أكثر موضوعية، وهو الأمر الذي سهّل علينا الحصول على تعليقات وتقييمات أكثر موثوقية من الزبائن، وأتاح لنا إعداد عقود قائمة على الأداء. إضافة إلى ذلك، تتمتع خوارزميات الذكاء الاصطناعي سريعة التطور بالقدرة على المساعدة في التوفيق بين الطلب والأفراد ذوي المهارات المناسبة بتكلفة معقولة. وتتمتع منتجات مثل "سلاك" (Slack) بالقدرة على خفض تكاليف التنسيق بشكل ملحوظ. ويمكن لتقنيات مثل تقنية البلوك تشين التي تتيح إعداد العقود الذكية أن تقلّل من تكاليف التعاقد بشكل كبير.

وفي ضوء ذلك كله، لا بدّ لنا من التغاضي عن التكنولوجيا والاقتصاد، والنظر بدلاً من ذلك في الدور الذي تؤديه المؤسسات والثقافة في فهم سبب عدم نمو اقتصاد العمل المستقل القائم على المعرفة.

عامل الثقافة

سيتعين على العمال المستقلين في اقتصاد المعرفة العمل مع الشركات التي أبرزت قيمها وأعلنت عن الحوافز التي تقدمها وحددت ممارساتها وتفضيلاتها، وأن يعملوا لصالحها على حد سواء. إلا أنهم لن يتمكنوا من الاندماج بسهولة في تلك المؤسسات ما لم ينضموا إليها بشكل رسمي، إذ غالباً ما يكون عملهم فيها عن بُعد، وقد يعتبرهم الموظفون في المؤسسات أنهم غرباء يمثّلون تهديداً لهم ويعرقلون عملية التعاون الفاعل فيما بينهم ويُسفرون عن نشوب النزاعات في المؤسسة. وفي هذا الصدد، غالباً ما يواجه العمال المستقلون صعوبة في فهم العمليات التنظيمية الأكبر والتعامل مع الموظفين وسياسات العديد من الأشخاص الذين يتعين عليهم العمل معهم وتقبّل تلك العمليات والسياسات. وقد يمثّل تقييم الأداء مشكلة أيضاً، خاصة عندما يجري التعاقد مع عامل مستقل من قبل شركة لأداء عمل لا تزال المقاييس التقليدية لمعظم المؤسسات عاجزة عن فهمه بشكل صحيح.

وعندما نشرع في تدوين تلك المشكلات، نلاحظ انخفاض درجة الغموض التي تكتنف سبب تفضيل الشركات تعيين موظفي المعرفة كموظفين بدوام كامل أو التعامل مع شركات أخرى تمتلك موظفي معرفة بدلاً من التعاقد مع عمال مستقلين بشكل مباشر، على الرغم من قدرة التكنولوجيا على خفض مزيد من التكاليف الواضحة.

وقد يكون ذلك النهج على وشك التغيير في النهاية، ليس بسبب ظهور أي تقنية جديدة، وإنما نتيجة الجائحة العالمية التي أجبرت الاقتصاد العالمي على أن يجثو على قدميه. فالعوامل التنظيمية التي تشكل عوائق تعترض سبيل انتشار العمل المستقل القائم على المعرفة هي نفسها العوامل التي حالت دون عمل الموظفين بدوام كامل عن بُعد في الماضي. وقد ينطوي حل تلك المشكلات ببساطة على إعداد وثائق تعاقدية، سواء كان العامل عن بُعد يعمل بدوام كامل أو كان عاملاً مستقلاً. ومن الواضح أن تجربة العمل في أثناء الجائحة توفر رؤى ثاقبة مفيدة حول كيفية تعهيد العمل المعرفي إلى موظّفين خارجيين بعقود. لكن لا بدّ لنا من تناول هذه الدروس بعناية.

ركّز على مهام محددة بدلاً من نشاط العمل

إن العمل المعرفي ليس موحداً، حتى أن "وحدة" معينة من العمل المعرفي معقدة للغاية بحد ذاتها. على سبيل المثال، تقدّم الجامعات تعليماً للطلاب ليحصلوا على درجات. وبالتالي، قد تمثّل الوحدة الدرجة التي يحصل عليها الطالب، لكن يوجد كثير من المهام المختلفة جداً التي ساهمت في حصول الطالب على تلك الوحدة. علام ينطوي مفهوم "اقتصاد العمل المستقل" في هذا السياق إذاً؟

يمكن للجامعات بالتأكيد التفكير في استخدام عمال مستقلين لمساعدة المقيّمين والأساتذة أو لإعداد محاضرات مسجلة مسبقاً عبر الإنترنت. لكن من غير المرجح أن يجري إسناد غالبية الحصص التي يجب عقدها بشكل مباشر وفي أوقات محددة إلى عمال مستقلين، سواء كانت تتطلّب من الطلاب حضوراً شخصياً أو افتراضياً. ونظراً لأن أي درجة يحصل عليها الطالب تستلزم حضوره الشخصي والافتراضي على حد سواء، سيكون التدريس الجامعي دائماً هجيناً بين أسلوبي التدريس هذين، على الأقل على مستوى الفصل، وربما حتى على مستوى الصف.

والدرس الذي يمكن أن نستخلصه هو أنه يمكننا تقسيم جميع الأعمال القائمة على المعرفة إلى مجموعة من المهام المختلفة. وبالتالي، فإن تحديد مستقبل اقتصاد العمل المستقل بالنسبة لموظفي المعرفة يتطلّب منا تحليل الأمور على مستوى المهمة وليس على مستوى العمل. وقد وجدنا أن مخطط العملية البسيط الموضح أدناه مفيد للغاية في تحديد أنواع المهام المتوافقة مع نموذج اقتصاد العمل المستقل.  وتنطوي تلك العملية على طرح هذه الأسئلة الأساسية الثلاثة حول كل مهمة تتطلب معرفة مكثفة تتعلق بتقديم منتج أو خدمة ما.

1. هل المهمة قابلة للتنظيم؟

ميزنا أولاً بين المهام المنظَمة التي يمكن تحديدها بسهولة وتقييمها بموضوعية، والمهام غير المنظَمة التي لا يمكن تحديدها أو تقييمها. من المؤكد أن المهام القابلة للتنظيم هي مهام يمكن إسنادها إلى العمال المستقلين، وعادة ما يكون من السهل إعادة تصميم العمليات التنظيمية التي تنطوي على مثل هذه الأنواع من المهام. إلا أن إدراج المهام غير القابلة للتنظيم ضمن اقتصاد العمل المستقل هي عملية يكتنفها الغموض، كما أن تحديد المهام التي تندرج ضمن اقتصاد العمل المستقل يتطلّب الإجابة عن السؤال الثاني.

2. هل يوجد فاصل زمني بين عمليّتي خلق القيمة واستهلاك القيمة؟

يجب أن تكون عمليتا خلق القيمة واستهلاك القيمة متزامنتين، كما هو الحال عندما يجري الطبيب فحصاً بدنياً للمريض. فإذا كانت المهمة تنطوي على التعامل المباشر مع الزبائن، فمن من الخطأ إدراجها ضمن اقتصاد العمل المستقل، وذلك لتعذّر إجراء عملية التحقق من الجودة عليها وإعادة تنظيمها. وفي حال كان ذلك الزبون داخلياً، ستبرز طبقة أخرى من التعقيد، ذلك لأن التعامل مع الزبائن الداخليين يتطلب عادة درجة عالية من الإلمام بثقافة المؤسسة.

أما بالنسبة للعديد من المهام الأخرى، قد توجد فجوة بين عملية خلق القيمة واستهلاكها.  على سبيل المثال، قد تجري عملية تدقيق شركة ما (خلق القيمة) ومشاركة نتائج ذلك التدقيق مع مجلس الإدارة (استهلاك القيمة) في أوقات زمنية مختلفة. في الواقع، يُعتبر التأخير بين العمليتين مفيداً، ذلك لأنه يوفر فرصة لإجراء عملية التحقق من الجودة. علاوة على ذلك، قد يفيد وجود مثل ذلك التأخير في أن تتبع الشركة خطة قائمة على تنوع وحدات العمل، وهو ما يقلل من الحاجة إلى التعاون مع الآخرين، ومن الحاجة إلى فهم قوة المؤسسة وسياستها بالنسبة للعامل. وهو ما يعني ضرورة إعادة هيكلة المهمة، وهي عملية لا تنطوي على أي تحديات جدية وتنقلنا إلى السؤال الثالث.

3. هل يمكن أداء المهمة عن بُعد؟

كانت الشركات الأكثر ملاءمة للعمل عن بُعد قبل الجائحة هي شركات البرمجيات مثل "غيت لاب" (GitLab)، التي يعمل لصالحها أكثر من 1,200 موظف عن بُعد. أصدرت شركة "غيت لاب" ما تسميه "بيان العمل عن بعد"، الذي يحدد المجالات التي تختلف فيها ممارسات العمل عن بُعد عن مكان العمل. ووفقاً لهذه الوثيقة، يتمثّل الاختلاف في تفضيل ممارسات العمل عن بُعد "ساعات العمل المرنة مقابل ساعات العمل المحددة"، إضافة إلى "تدوين المعرفة وتوثيقها بدلاً من تقديم تفسيرات لفظية"، و"إجراء التواصل غير المتزامن بدلاً من التواصل المتزامن". لاحظ أن كل تلك الممارسات ستكون صعبة التنفيذ في حال عدم وجود فاصل زمني بين عملية خلق القيمة واستهلاكها.

وبغض النظر عن قطاع البرمجيات، كانت شركات مثل "غيت لاب" نادرة قبل الجائحة، وهو ما يعني أنه يوجد قدر معين من المخاطر على الشركات غير البرمجية عند تبنيها نهجاً مماثلاً لنهج شركة "غيت لاب". لكن جائحة "كوفيد-19" أجبرت الشركات في القطاعات التي تجنّبت العمل عن بُعد في الماضي على إعادة تصميم عملياتها وتعزيز أنظمتها الخاصة بالدعم التكنولوجي، والتي كانت بمثابة عوائق تقليدية حالت دون تطبيق ترتيبات العمل البديلة.  وهو ما أتاح للشركات اختبار مجموعة متنوعة من التجارب الطبيعية التي كانت أكثر صلة باحتياجاتها المحددة بدلاً من الاعتماد على تجارب شركات البرمجيات، وهو ما وفّر بدوره نقطة انطلاق جيدة للشركات التي تفكر في التحوّل إلى نموذج اقتصاد العمل المستقل.

قد تُثبت جائحة "كوفيد-19" أنها نقطة محورية في إدراج العمل المعرفي ضمن اقتصاد العمل المستقل، وقد تنجذب العديد من الشركات إلى فكرة احتمال توفير التكاليف المباشرة وغير المباشرة التي يبدو أن نموذج اقتصاد العمل المستقل يدعمها.  ولكن نظراً لتعقيدات العمل المعرفي، يوجد أيضاً خطر الإفراط في الاستثمار وتبديده.  وقد يكون التصنيف البسيط المستند إلى المهام الذي نقترحه مفيداً للمدراء في اتخاذ خيارات أكثر ذكاء حول ماهية المهام التي يجب إسنادها إلى العمال المستقلين.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!