تابعنا على لينكد إن

تضع على الروزنامة علامة تذكيرية لوقت ممارسة اليوجا، أو تناول الغداء مع صديق، أو الامتناع عن استخدام التكنولوجيا. لكن كم مرة ألغيت هذه الأشياء لتلبي ما يبدو طلب عمل أكثر إلحاحاً؟، أظهرت الأبحاث التي أُجريت مؤخراً في جامعة بوسطن وكلية الأعمال بجامعة هارفارد أنّ بسبب وتيرة العمل المحمومة وحجمه الهائل، أصبحت عملية وضع الحدود والحفاظ عليها أصعب أو أهم من أي وقت مضى.

لذلك تُعتبر الفرصة أمامك وأنت في موضع القيادة لنمذجة السلوك بطريقة هادفة وتسهيل وضع الحدود المناسبة لأعضاء فريقك في المؤسسة. وهذا ضروري حتى لو كان وضع الحدود والحفاظ عليها من الجوانب التي تجاهد نفسك في تطبيقها.

في الحقيقة أستطيع فهم مدى صعوبة الأمر، فعندما كنت أعمل مديرة للاستثمارات ضمن مصرف “غولدمان ساكس” في التسعينيات من القرن الماضي، كنت أقدم عملي على أي شيء. وفي نظر المؤسسة، كنت “الموظف المثالي”، وهي عبارة يستعملها علماء الاجتماع لوصف النموذج الإشكالي للموظف المتفاني في عمله، بلا “التزامات” شخصية. فقد كنت عزباء بلا أطفال، وأتمتع بقدرة تكاد لا تنضب على القيام بكل ما له علاقة بالعمل. غير أنّ الأمر كان ينطبق أيضاً على أقراني، سواء من كان لديه أطفال أو مرتبطاً بشريك حياة، أو من كان يقوم على رعاية أبويه المسنين. كان ذلك العرف المستقر في هذا القطاع.

ولم يتغير الحال إلى أن انتقلت للعمل في باريس عام 1997 كمديرة مالية لشركة “منتجات ديزني الاستهلاكية في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا” (Disney Consumer Product Europe, Middle East and Africa)، حين شاهدت موظفة تضع حدوداً لها غير قابلة للتفاوض.

تلقينا طلباً من المقر الرئيسي لديزني في بوربانك ضمن ولاية كاليفورنيا من أجل القيام بتحليل مالي، فقلت للمراقبة المالية أنّ عليها العمل لوقت متأخر في تلك الليلة.

ردت مباشرة دون تردد: “لا”.

وفي صدمتي من ردها المباغت، لم أتذكر أنني طرحت الأمر في صيغة سؤال، أو كنت أُدرك حتى إذا كان هذا الرد هو أحد الخيارات الممكنة.

كانت العائل الوحيد لطفلها، وكان عليها الذهاب لأخذه من الرعاية النهارية. كما أنها فرنسية، وكل ما فعلته عند الرد عليّ أن هزت كتفيها بشعور بدا لي خالياً من أي إحساس بالصراع الداخلي الذي يشعر به زملاؤنا الأميركيون لو كانوا في نفس الموقف.

إلى جانب ذلك، أتذكر شعوري الممتزج بالاحترام البالغ والغيرة في آن واحد، لمقدرة زميلتي على وضع حد لنفسها. لقد أمدتني بالبيانات التي أحتاجها لإتمام المهمة، ولم ينهار الكون عندما غادرت في الساعة السادسة مساء.

بعد عشرين عاماً من العمل كمدربة تنفيذية، يمكنني اعتبار استدامة العلاقة بين العمل والحياة من بين المشكلات البارزة التي يعاني منها عملائي، وذلك في ظل مواجهتهم لمطالب العمل المتزايدة بلا توقف ومع التقدم السريع في التكنولوجيا. قالت لي عميلة من سان فرانسيسكو، تعمل في شركة تكنولوجيا سريعة النمو، أنها تنهض من النوم للعمل في الساعة الرابعة كل صباح. وينتابها القلق الشديد من أن تكون أغفلت رسالة إلكترونية في منتصف الليل. سألتني: “هل هذا طبيعي؟”، أجبتها أنّ مهما كان العرف المتَّبع لثقافة الشركة التي تعملين بها (أو لشركات عديدة أخرى) فهذا غير مقبول بوجه عام، ويجب ألا يُقبل.

جاءت دراسة كلاسيكية أجرتها جامعة ستانفورد عام 1998 بتنبؤات دقيقة تُشير إلى أنّه بحلول عام 2020 سيؤدي التقدم في التكنولوجيا إلى استبعاد الوظائف الدنيا والمتوسطة، وسيؤدي إلى زيادة هائلة في أعباء العمل الملقاة على عاتق عدد أكبر من المدراء الأقدم، ما يلزمهم بالعمل على مدار اليوم.

وتكشف دراسة استقصائية أجرتها شركتا كرونوس (Kronos) وفيوتشور ووركبليس (Future Workplace) أنّ إعادة هيكلة العمل أدت إلى زيادة هائلة في حالات الإرهاق الوظيفي، فما يقرب من نصف رؤساء الموارد البشرية، أو 46% ممن شاركوا في الدراسة، ذكروا أنّ الإرهاق الوظيفي تسبب في دوران العمالة ضمن شركاتهم كل سنة بنسبة تراوحت ما بين 20 إلى 50%.

ما يدعو إلى السخرية هو أنّ رؤساء الموارد البشرية أيضاً يعانون من زيادة أعباء العمل، لعلاج الدائرة المفرغة لمشكلة ارتفاع مستويات الإرهاق الوظيفي، وعزوف الموظفين عن المشاركة في العمل، وانخفاض معدلات الاحتفاظ بهم. فقد ذكر 87% من رؤساء الموارد البشرية أنّ رفع معدل الاحتفاظ بالموظفين أمر حيوي، أو بالأحرى يتصدر قائمة الأولويات للسنوات الخمس القادمة، غير أنّ 20% منهم قالوا إنّ أمامهم أولويات تنافسية عديدة، ما يفوق استطاعتهم لحل المشكلة في 2017.

وفيما يلي ست استراتيجيات لمساعدتك، أنت وأعضاء فريقك، على تحقيق استدامة أفضل للعلاقة بين العمل والحياة، وذلك بوضع الحدود والحفاظ عليها.

التواصل مع الفريق حول نجاح المؤسسة، والسباق على تحقيقه من خلال المثابرة مع النفس الطويل، لا الركض السريع والنفس القصير.

على الرغم من استمرار المشاكل التي تحتوي مخاطر عالية والتي تتطلب رداً سريعاً، مثل الفوز على المنافسين بطرح منتج جديد في السوق، لابد الاعتراف أنّ القدرة على التحمل هي الهدف، وأنّ السرعة ليست أفضل وسيلة للنجاح بعيد المدى، أو ليست المعيار القياسي الوحيد.  ويمكن أن تتكلم عن هذا الأمر مع فريقك، وتكون نموذجاً يحتذون به، وأن تُنشئ المبادئ التنظيمية لتشغيل العمل وفقاً لهذا النهج، فمن الضروري أن يصدق القول العمل. وفي كتاب بعنوان “أعلى مستويات الأداء: انهض بأدائك، وتجنب الإرهاق الوظيفي، واحرص على النمو بفضل العلم الجديد للنجاح” (Peak Performance: Elevate Your Game, Avoid Burnout and Thrive with the New Science of Success)، أجرى المؤلفان براد ستالبرغ وستيف ماغنس دراسة على أفضل الرياضيين المحترفين، حيث بيّنت الدراسة أنّ أوقات الراحة هي التي أتاحت لهم “التحكم التام في طاقتهم” عندما كانوا بحاجة لذلك، وهو ما جعل أداءهم في أفضل مستوياته حينما كان ذلك أهم شيء. وأظهرت دراسة أُخرى أجرتها كل من جامعة يورك وجامعة فلوريدا أنّ ما يزيد على 40% من أفكارنا الإبداعية تتولد عندما نأخذ أوقاتاً للراحة، أو نسمح لأنفسنا بالسياحة الذهنية. لذلك اطلب من أعضاء فريقك أن يرتاحوا عندما يحتاجون إلى الراحة، وذكّرهم أنهم لن يقدموا أفضل ما بوسعهم إذا لم يأخذوا الوقت للتحلل من الضغوط.

تعيين ما يكفي من الموظفين، وتخصيص أوقات للراحة بالتناوب فيما بينهم.

فالناس معرضون للمرض، أو بحاجة لرعاية أفراد الأسرة، أو أخذ العطلات. على سبيل المثال، ربما تتعثر ترتيبات رعاية الطفل، أو تواجه مسائل شخصية ملحة يجب أن تعالجها. وإذا شعر فريقك بالعجز الشديد نتيجة غياب شخص واحد، فإنّ لديك مشكلة عمالة. إذ يجب ألا يشعر أحد أنّ الاستغناء عنه أمر غير ممكن على الإطلاق، سواء كان هذا الشخص أنت أو أي عضو من أعضاء فريقك. ففي كتاب “النوم مع محمولك الذكي” (Sleeping with Your Smartphone) من تأليف ليزلي بيرلو وهي أستاذة في كلية الأعمال بجامعة هارفارد، تذكر كيف نجحت تجربة قامت بها مع فريق من مجموعة بوسطن الاستشارية (Boston Consulting Group)، ثم طُبّقت التجربة فيما بعد على نطاق واسع مع 900 فريق عمل ضمن 30 بلداً. وتعاونت الفرق على وضع هدف مشترك كي يحصل كل شخص على وقت للراحة، وذلك بأن يغطي أعضاء الفريق عمل الشخص الذي اختير لقضاء الوقت مع أسرته، أو الذهاب إلى السينما، أو ما إلى ذلك. وعندما تتاح الفرصة لفريقك لاستقطاع وقت من أجل الراحة دون الشعور بأنّ العمل سينهار، ذلك سيعزز الثقة والتعاون والكفاية بين أعضاء الفريق، إضافة إلى ذلك، يمكن أن يؤدي إلى شعور أعلى بالرضا عن العمل، وانطباع أفضل لدى العملاء بالقيمة المضافة التي يحصلون عليها، ومن المرجح أيضاً أن يتحسن شعور أعضاء الفريق بأنفسهم وعملهم.

تذكرة الآخرين أننا جميعاً بشر ومحدودون بطاقاتنا الجسمانية.

أبرزت دراسة لماكينزي عام 2016 أنّ الإفراط في العمل يتسبب في الحرمان من النوم، والذي لا يقتصر ضرره على صحتنا فقط، بل على وظائف الدماغ التنفيذية لما له من أثر سلبي عليها مثل، حل المشكلات، والتفكير الرشيد، والتنظيم. وهذا يؤثر بدوره على الأداء في العمل، والصحة التنظيمية، والأداء المالي. وكما أوضحت عدة دراسات، فإنّ الأشخاص الذين يعملون ساعات عمل أطول، من المرجح أن يفرطوا في تناول المُسكرات أكثر من غيرهم، وأن يعانوا من مشاكل صحية جسمانية أُخرى، في حين، يحقق تخصيص الوقت لممارسة الرياضة المنتظمة فوائد صحية عقلية من شأنها تحسين الأداء في العمل. لذا فإنّ تشجيع فريقك على تخصيص ساعات منتظمة ومعقولة سيعزز اتّباعهم لأسلوب حياة صحي، وهذا بدوره سيدعم عمل الفريق دعماً أفضل.

إعادة توزيع العمل بشكل أكثر مساواة.

خلص بحث أجراه عام 2015 فريق من جامعات ديوك، وجورجيا، وكولورادو، إلى أنّ المدراء يستخفّون بقيمة الوقت اللازم لتنفيذ مهمة ما، ويسندون مهاماً إضافية لمن يرونهم أكثر كفاءة وتحملاً للمسؤولية. ومن هنا يبدو أنّ المكافأة الوحيدة للقيام بعمل جيد هي إضافة مزيد من العمل. فقد ذكر الأشخاص الذين يتميزون بأدائهم العالي في العمل شعورهم بأنهم يتحملون “أعباء ثقيلة” وأنهم غير سعداء بسبب اعتماد الآخرين عليهم اعتماداً زائداً عن الحد. لذلك، تؤدي إعادة توزيع العمل على الآخرين في الفريق إلى الوقاية من الإرهاق الوظيفي والحد من دوران العمالة، كما توفر فرصاً يحتاجها الآخرون أشد الاحتياج للتعلم.

وضع حدودك الخاصة والحفاظ عليها.

امنح نفسك الفرصة لتكون نموذجاً للسلوك الصحي. وهذا سيُحدث فرقاً، لأن وضع حدودك المعقولة والحفاظ عليها سيعطي الآخرين الضوء الأخضر لعمل الشيء نفسه. إذ قالت لي قائدة ممن عملت معهم أنها كانت في أفضل حالاتها عندما كانت تفكر خارج المكتب. فقد تقضي صباح أيام الاثنين في التفكير ضمن البيت أو المقهى، وبريدها الإلكتروني مغلق. وكان الآخرون ينظرون إليها كمثال يحتذون به. وعندما ذكرت لفريقها هذا الخيار وما يتسم به من مرونة، كان بمثابة الإذن الضمني كي يفعلوا ما يحتاجونه لتحقيق أفضل مستويات الأداء في عملهم.

الإفصاح عن محدودية معتقداتك وافتراضاتك. 

عندما يتعلق الأمر بوضع الحدود والحفاظ عليها، تقوم بذلك ربما نتيجة لمعتقداتك وافتراضاتك الشخصية. كانت هدى، التي تعمل في شركة عالمية للخدمات المهنية، لديها رغبة ملحة في أن تصوغ حياة ناجحة لها خارج نطاق العمل. وبعد أن حللت حقيقة ما يمنعها من ذلك، أدركت أنّ العقبة كانت في اعتقادها بأنها لو لم تبذل هذا الجهد المكثف لما حققت النجاح. وتشاورت مع مهنيين آخرين ممن تراهم ناجحين حول رأيهم في قدرتهم على وضع الحدود والحفاظ عليها، وعلى الحياة خارج العمل. فأدركت أنّ سلوكهم في وضع الحدود منحهم بالفعل الطاقة للنجاح، على عكس ما تصورته أنه عقبة. وساعدها ذلك في إدراك مواطن الخلل باعتقاداتها وافتراضاتها الأساسية. وعليه، أعادت ضبط الميزان لتخصص وقتاً أقصر للعمل وأطول لحياتها الشخصية.

في بعض الأوقات، من الطبيعي أن تسقط الحدود، أو نضع استثناء لتحقيق فعالية أعلى. لذلك كلما تطلب الأمر، تشاور مع أعضاء فريقك على الحدود. واعلم أنّ هذه الحدود سوف تحقق نتائج أفضل على المستوى الأعم، لك ولفريقك.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2017.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz