تثير فكرة تعزيز توظيف النساء على قائمة الالتزامات الاجتماعية التي لم تُنجز بعد، الاستغراب أحياناً؛ إذ يبدو وكأن بناء قاعدة مهنية تضمن التنوع بين الجنسين خيار يمليه الواجب الاجتماعي بدلاً من أن يكون من بين المبادئ الضرورية لنجاح شركات الأعمال.

لقد أثار اليوم العالمي للمرأة نقاشات كثيرة حول الحاجة الملحة المتمثلة في مراعاة التوازن بين الجنسين داخل الشركات. ولكن، خلال مناقشاتي مع القادة والمدراء والشركات والمؤسسات، رُدّدت على مسمعي لازمة مشتركة خلال لقاءات تناولت الموضوع: ففي منتصف النهار، وخلال جلسة تبادل أفكار، كنت أسمع المشاركين يقولون بلهجة الدفاع عن النفس: "نحن لا نسعى إلى استبعاد أحد! هذه هي ببساطة قاعدة الموظفين الذين تعاقدنا معهم".

قد يكون ذلك صحيحاً؛ أو شبه مؤكد، ولكن الوجه الأكثر خطورة والمتأتي من فقدان التنوع في بيئة العمل، يتمثل في قدرته على أن يظهر أمامك دون سابق إنذار حين لا تقصد البحث عنه. نحن نميل كبشر للانجذاب إلى من نجد معهم القواسم المشتركة؛ ويبدو لنا سهلاً التواصل مع أولئك الذي يتحدثون ويتصرفون مثلنا وحتى يشبهوننا، فهذه العناصر المألوفة تعطينا شعوراً بالاطمئنان على مستوى اللاوعي لأننا نتفق مع وجهات نظرهم، ونشاركهم التجارب والأفكار، ونجد سهولة في المبادرة إلى التواصل معهم على المستوى الشخصي – لكن القواسم المشتركة تلك نفسها التي تجعلنا نشعر بالارتياح تمنعنا من أن نعي مدى قدرتنا على العطاء في مجال العمل. يشبه مكان العمل غير المتنوع سرباً من الطيور على طريق الهجرة: إنها تطير من دون أن تنحرف عن مسارها إلى وجهتها المحددة سلفاً، فلا يحيد أي فرد في المجموعة عن الطريق أو حتى يفكر في أن يسلك طريقاً آخر. لا بل تتبع كل المجموعة المسار الذي تعرفه ولا تصادفها مفاجآت أو عروض أو فرص للتغيير.

ولكن قطاع الأعمال بعيد كل البعد عن سرب الطيور ذاك، ولا يمكن بالتالي أن يكتفي بتحقيق نتيجة واحدة فقط. وفي عالم الأعمال المتسارع، يهدد الكساد كل من يتخلف عن الابتكار، الذي يتطلب على الدوام أفكاراً جديدة خلاقة. ستحقق شركة غير متنوعة تتبع نموذج عمل يفي بالغرض ورؤية قابلة للترويج إيرادات وأرباحاً؛ ولكنها لن تمتلك القدرة على الابتكار التي تحظى بها بصورة طبيعية قاعدة موظفين أكثر تنوعاً وتوازناً. لقد أفادت دراسة أجراها معهد غالوب قبل فترة قصيرة وتناولت تأثير التنوع الجندري على الأداء في قطاع الضيافة والتجزئة، بأن الشركات التي تحظى بقاعدة موظفين متوازنة بين الجنسين تفوقت في الأداء بصورة ملحوظة على نظيراتها المتجانسة. ففي قطاع الضيافة، وجد الباحثون أنّ "الوحدات المتنوعة والمشاركة بحماس في العمل حققت أرباحاً صافية أعلى بنسبة 58% من الوحدات التي ضمت موظفين من نوع اجتماعي واحد وكان حماسها أدنى للمشاركة في العمل".

فكروا في تلك النسبة للحظة: كان يمكن للشركات التي شملها البحث أن تجني أرباحاً إضافية تعادل نصف إجمالي ربحها بفضل الفرص الضائعة جراء التجانس وقلة الالتزام. مع خلاصات كهذه، لا يعود من الممكن التعامل مع التوازن بين الجنسين بصفته مجرد مسألة اجتماعية وإنما ضرورة من مستلزمات قطاع الأعمال، وخاصة أنّ الكثيرين يعتقدون أنّ التنوع الجندري في المراكز القيادية يحسّن من الفعالية التنظيمية، وذلك بفضل نقاط القوة التكميلية للنساء، وما يملكه التنوع من ديناميكية إيجابية، وتواصل فعال، إضافة إلى التشارك في اتخاذ القرارات، وهو ما يؤكده كل من عاصم صفي الدين وليلى عطوي في مقالهما: "الكوتا" النسائية في مجالس الإدارة...تجارب عالمية ودلالات للدول العربية.

كما يشير المقال نفسه إلى البحث الذي أجرته ميرسر (Mercer) في العام 2015، والذي أظهر أنّ النساء يشكّلن أكثر من نصف خريجي الجامعات حول العالم، و41% من القوى العاملة، إضافة إلى 19% فقط من المدراء التنفيذيين.

أما من وجهة نظر تتعلق بإدارة الموارد البشرية، فيقود المزج بين وجهات نظر ومنهجيات مختلفة إلى بناء فريق أقوى بصورة عامة وإلى زيادة القدرة على حل المشاكل والابتكار والربحية.

لقد عبّر بعض الكتّاب في مجلة غالوب للأعمال عن فكرتي خير تعبير بقولهم إنّ الشركات لا يمكنها أن تتجاهل نصف القوى العاملة في المجتمع وأن تتوقع تحقيق "التنافسية في الاقتصاد العالمي".

ولكن كيف نرعى التوازن بين الجنسين في مكان العمل؟ هل يتعلق الأمر بتوظيف نساء لتحقيق التوازن التام بين الجنسين؟

الأمر ليس تماماً على هذا النحو.

إنّ الحديث عن "التوازن بين الجنسين" يعني إيجاد بيئة يساهم فيها النساء والرجال على قدم المساواة، حيث لا يطغى فيها أحد النوعين الاجتماعيين على الآخر. ولكن هذا النوع من التوازن لا يتم احتسابه بالأرقام؛ فإضافة 5 نساء إلى مكتب يعمل فيه 5 رجال لن يضمن الحصول على فريق منتج. ومثلما ورد في دراسة غالوب التي ذكرتها أعلاه، يتوقف تحقيق الشركات للربحية من خلال التنوع بين الجنسين في الوقت نفسه يتوقف ذلك على التنوع وعلى الالتزام. إنّ وضع حصص أو اللجوء إلى التوظيف لمجرد تضخيم الأعداد من دون التفكير المتأني في الكفاءة، يعني أنّ الشركات تقوم بزرع بذور الاستياء وعدم الالتزام والمشاركة بين الموظفين. يستدعي بناء فرق عمل متنوعة وناجحة اعتماد ممارسات توظيف تتجنب تحديد حصص مطلقة والتركيز على رعاية التنوع وتشجيعه في كل قسم بحد ذاته.

إنّ حسن تطبيق هذه الاستراتيجيات سيؤدي إلى بناء بيئة عمل متوازنة بين الجنسين، حيث يثق الموظفون/الموظفات بقدرات زميلاتهم/زملائهم ويتمكنون من العمل معاً من أجل تقديم خير ما لديهم من إمكانيات ضمن فريق عمل منسجم ومتماسك.

للأسف، تبدو الكتابة عن الأمر والتنظير أسهل من التطبيق في الممارسة العملية. لنأخذ الجهد المبذول من أجل تحقيق التوازن بين الجنسين في الإمارات العربية المتحدة على سبيل المثال. قبل فترة غير بعيدة، أعلنت الإمارات عزمها لأن تصبح واحدة من الدول الخمس والعشرين الأولى في تحقيق المساواة بين الجنسين "والمشاركة التامة والمتساوية للنساء والرجال في المؤسسات بما في ذلك مناصب القيادة وصنع القرار"، بحلول سنة 2025. إنّ الإمارات هي كذلك الأولى بين دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تبنت تشريعاً ينص على أن تعيّن كل شركة في القطاع الخاص وكل مؤسسة حكومية امرأة في مجلس إدارتها. ونتيجة لذلك، خطت مشاركة النساء وتمثيلهن خطوات رائعة إلى الأمام؛ حتى أنّ المنتدى الاقتصاد العالمي صنف في العام 2016 الإمارات في المرتبة الثانية والثلاثين على المستوى العالمي في التحصيل العلمي.

واليوم، تتابع 77% من الإماراتيات تحصيلهن في مؤسسات التعليم العالمي بعد تخرجهن من المدرسة الثانوية، ويشكلّن غالبية خريجي الجامعات في الدولة بنسبة 70%.

ولكن كل هذه الإنجازات الرائعة في مجال التعليم لم يقابلها للأسف تقدم مماثل في قوى العمل.

يشكل التعليم نقطة البداية ولكنه لا يكفي للمضي بنا نحو مجتمع أعمال يحقق التوازن بين الجنسين. وفي حين ستشجع الدرجة الجامعية المرأة على التقدم للعمل في شركة أو مؤسسة، فإنها لن تفتح لها الباب أو تزودها بالأدوات التي تحتاجها لكي تنجح. فإذا كنا عازمين على النجاح، علينا أن نبني ثقافة قائمة على التوازن بين الجنسين توفر الدعم للنساء الموظفات والعاملات. وهذا يعني من وجهة نظر الموارد البشرية أن نتغلب على "الراحة" الخطرة التي يوفرها لنا التجانس وأن نبذل جهداً من أجل صياغة استراتيجية تتعلق بتوظيف الكفاءات النسائية واستبقائها على حد سواء. ومثلما ذكرت آنفاً، لا تحدد الأرقام التوازن بين الجنسين، فالفريق الذي يضم عدداً متنساوياً من الرجال والنساء قد يبقى ذا ثقافة ذكورية طاغية إذا كان إطار عمل المؤسسة أو الشركة يميل إلى مفاضلة أساليب التواصل والعمل النمطية الذكورية. إلى جانب ذلك، يتعين على الشركات أن تضع استراتيجيات تتيح لها التغلب على مثل هذه الأجواء السامة في مكان العمل، وأن توفر للنساء الدعم الذي يحتجنه للنجاح. وفي الوقت نفسه، يتعين على النساء أيضاً أن يشكلن شبكات وأن يدعمن الواحدة الأخرى في أوقات النجاح والشدة في مسارهن المهني. يحضرني هنا مثال شركة لين إن (Lean In)؛ وبصفتي مستشارة لدى دائرة من النساء المهنيات في دبي، وقفت بنفسي على التأثير الإيجابي المتأتي عن التعاضد بين النساء على ثقة المرأة المهنية بنفسها وأدائها المهني.

على امتداد العقود القليلة الماضية، خطت النساء خطوات كبيرة باتجاه تحقيق التوازن بين الجنسين في مكان العمل.

ولكن إذا أردنا أن نرى مثل هذا المبدأ (الذي هو ضرورة) يحقق ثماره، علينا أن نتجاوز التجانس وحالة الغموض في الموارد البشرية، والتلعثم والتردد على مستوى الهيكلية التنظيمية، وتحويل أمانينا إلى حقيقة ملموسة.

نحن بحاجة إلى الدفع أبعد من الجمود المألوف وأن ننشد الابتكار الذي يوفره مستقبل يحقق التوازن بين الجنسين في عالم الأعمال – في ما عدا ذلك، قد نجد أنفسنا عالقين في مسار شبيه بسرب الطيور المهاجرة: نتحرك إلى الأمام لكن دون أن تقودنا خطانا إلى أي وجهة جديدة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

1 تعليق على "لماذا يعتبر التوازن بين الجنسين ضرورة للشركات العربية؟"

التنبيه لـ

تصنيف حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تصويتاً
Tarekhbr
زائر
Tarekhbr
5 شهور 4 أيام منذ

من أجمل وأعمق المقالات التي صادفتها حول التوازن بين الجنسين. وأعجبني جدا تشديد الكاتبة على أن المساواة والتوازن ليست مسألة رقمية كما يحسب كثير من الناس وأن القضية أعمق من ذلك بكثير. تحياتي، طارق

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!