من المحتمل أن تصاب المؤسسة بالتهاب الأذن الوسطى، ويمكن تشخيص هذا المرض ووصف الدواء المناسب له، كما تستطيع المؤسسات اتخاذ مجموعة من الإجراءات الوقائية لتجنب الإصابة به. يهدف هذا المقال إلى إلقاء الضوء على هذا المرض المؤسساتي ومناقشة كيفية التعامل معه.

ينقسم الجهاز السمعي لدى الإنسان إلى ثلاثة أقسام رئيسة هي: الأذن الخارجية والأذن الوسطى والأذن الداخلية. ولكل من تلك الأقسام هيكلية ووظائف خاصة بها، وهي تعمل بشكل متكامل لتمكننا من سماع الأصوات، ولا يمكن لأي من تلك الأجزاء أن يعمل وحده لتأدية وظيفة السمع.

يمكن للأذن الوسطى أن تصاب بالمرض وذلك لأسباب متعددة كالعدوى الفيروسية أو الالتهاب البكتيري وغير ذلك من أسباب، أو بسبب خلل وظيفي في الأذن كما في حالة الالتهاب ذو الانصباب. وتختلف تلك الالتهابات من حيث الشدة والأثر، فيمكن لبعضها أن يسبب خللاً في الوظيفة أو أن يمنع الأذن عن تأدية مهامها، وبالتالي التأثير على وظيفة السمع ككل حتى ولو كانت باقي الأجزاء سليمة.

في المقابل، عادة ما تقسّم المستويات الوظيفية داخل المؤسسات إلى ثلاثة مستويات أيضاً. المستوى الأولى ويشغله الموظفون أصحاب الدرجات الوظيفية الأدنى والمستوى الأوسط ويتضمن ما يسمى بمدراء الصف الثاني، حيث يمكن أن يضم رؤساء أقسام أو مدراء إدارات أو رؤساء فرق عمل أو غير ذلك. ويأتي المستوى الثالث على قمة هرم الوظائف داخل المؤسسة، حيث يضم مدراء الصف الأول من رؤساء تنفيذين ومدراء عموم ومدراء قطاعات أو مناصب مشابهة.

الأصل أن يقوم موظفو الطبقة الوسطى بمهامهم كما يجب ما يساهم في استقرار الأداء المؤسسي أو ما نطلق عليه "الصلابة المؤسسية"، حيث نرى الجسم الإداري صلباً متماسكاً ويتواصل بشكل فعال صعوداً وهبوطاً من خلال طبقاته الثلاث، ولكن الملفت أن القيادات الوسطى يمكن أن تصاب بالمرض الوظيفي أيضاً، وعندها نرى أن جسم الشركة قد تفكك وتقطعت أوصاله ما يؤثر على الأداء بشكل عام من عدة جوانب.

والسؤال هنا، كيف يمكننا أن نستفيد من علاجات الأذن الوسطى في تشخيص وعلاج اعتلال الصف الثاني في المؤسسات؟

الأعراض

  • الشكوى من ألم في الأذن.
  • كذلك نرى أن هذا العرض موجود لدى المؤسسات المصابة، فتزداد شكاوى الموظفين والتي عادة ما تكون مرتبطة بالإجحاف في تلبية متطلباتهم المهنية، ونلمس كثرة التظلمات الوظيفية داخل المؤسسة، وضعف الرضا الوظيفي خصوصاً في المحاور التي تتناول العلاقة مع المدير أو المسؤول المباشر. أُنجزت الكثير من الأبحاث التي تربط العلاقة بين أداء المدراء ورضا الموظفين داخل المؤسسات، حيث وجدت دراسة حديثة أن بعض الأنماط القيادية كالنمط التحويلي تتناسب طرداً مع الرضا الوظيفي بينما أنماط أخرى تتناسب عكساً معها، وتجدر الإشارة هنا إلى أن طبيعة عمل المؤسسة والسوق الذي تنشط فيه تُعتبر عوامل مؤثرة تغيّر من أثر كل من الأنماط القيادية على الرضا الوظيفي.

  • اعتلال في الأذن الوسطى وصعوبة في النوم.
  • ويتجسد ذلك في المؤسسة بضغوط العمل المبالغ فيها على الطبقة الدنيا من الموظفين، ما يجعلهم عرضة للإنهاك ونجدهم لا يفلحون في الموازنة بين متطلبات حياتهم الشخصية والمهنية فترجح الكفة إلى جهة متطلبات العمل في أغلب الأحيان. حذرت الجمعية الأميركية لعلم النفس من أن زيادة ضغوط العمل عن حدها الطبيعي يمكن أن تؤثر على الصحة الجسدية للموظفين، وزيادة أخطار الإصابة ببعض الأمراض كأمراض القلب وأمراض الضغط والسكري، كذلك الإرهاق في العمل يمكن أن يسبب الاكتئاب، والذي يرتبط بدوره بمجموعة متنوعة من الأمراض كالسكتة الدماغية واضطرابات الأكل وغيرها. وتضمّن الإصدار الخاص الأخير من مجلة هارفارد بزنس ريفيو العربية مقالاً جديراً بالقراءة يشرح كيف يمكن أن تكون قائداً أفضل وتتمتع بحياة أغنى من خلال الموازنة بين العمل والذات والبيت والمجتمع.

  • إصابة الأذن الوسطى وخروج إفرازات من الأذن.
  • ويتجسد هذا العرض في المؤسسة بترك الموظفين وظائفهم للعمل لدى جهات أخرى، فتعاني هذه المؤسسة من التسرب الوظيفي ولاسيما الكفاءات. انتهت مؤخراً دراسة ضخمة شملت حوالي ٧٠ ألف موظف وأجريت في الولايات المتحدة الأميركية لبحث أسباب تسرب الموظفين، وخلصت الدراسة إلى ٥٧ سبباً مختلفاً لتسرب الموظفين ومن الأسباب الرئيسة التي تم استخلاصها سوء العلاقة مع المسؤول المباشر، وكذلك عدم الرضا عن أداء فرق العمل والتي عادة ما يكون مدراء الطبقة الوسطى مسؤولين عن تشكليها وإدارتها. وهنا نلفت إلى معاناة المؤسسة المصابة من تسرب آخر يتمثل في كثرة الإشاعات وسرعة انتشار الأخبار الداخلية في الأوساط الخارجية، ما يضر بسمعة المؤسسة ويجعلها عرضة للانتقاد.

  • يعاني بعض مرضى الأذن الوسطى من ضعف في السمع.
  • ومن أعراض ضعف السمع في المؤسسة قصور التواصل بين مدراء الطبقة الوسطى وموظفيهم، ويظهر ذلك في ندرة التكريمات سواء التكريمات الفردية للموظفين المتميزين أو تكريمات فرق العمل وفرق المشاريع، كذلك يمكن أن يتمثل هذا الضعف في ندرة الأفكار والاقتراحات التي يتقدم بها الموظفون وتلك التي يتم تطبيقها، وينتج هذا عما يعرف بضعف الاندماج الوظيفي. خلصت دراسة أجريت في جامعة نيفادا الأميركية إلى أن تحسين الاتصال الداخلي في المؤسسة يشجع الموظفين على أن يكونوا أكثر اندماجاً وبالتالي أكثر مشاركة وإيجابية، ويرتبط أيضاً في جعل الموظفين أكثر إنتاجية.

العلاج

يختلف علاج أمراض الأذن الوسطى باختلاف المسببات.

  • إذا كان الالتهاب بسبب فيروس فينصح بالمراقبة والمتابعة حتى يزول الالتهاب.
  • في المؤسسة، قد تكون المشكلة بسبب ظرف عارض ومؤقت ليست بحاجة إلى تدخلات تصحيحية، كما يحدث في بعض المؤسسات عند إجراء تغييرات في الهيكل التنظيمي مثلاً أو إطلاق مشاريع تتطلب تغييرات هيكلية في وحدات العمل، تظهر هنا عوارض التهاب الأذن الوسطى لدى المؤسسة، حيث تضطرب العلاقة بين الرؤساء والمرؤوسين ويصبح التواصل الشفاف أكثر صعوبة وذلك تحت وطأة التغييرات المرتقبة، ولكن بمجرد أن تجنح الأمور إلى الاستقرار، تعود تلك العلاقة إلى سابق عهدها ونرى التحسن واضحاً داخل المؤسسة. يمكن للمدراء أن يختصروا فترة عدم الاستقرار تلك من خلال إدارة التغيير المؤسسي بشكل واع، وتتوفر عدة مواد في هارفارد بزنس ريفيو العربية يمكن الرجوع إليها للاطلاع على مهارات إدارة التغيير وممارساته.

  • إذا كان الالتهاب شديداً وبسبب عدوى بكتيرية يكون العلاج بوصف مضادات حيوية.
  • وفي هذه الحالة المطلوب من إدارة المؤسسة أن تتدخل للتعامل مع الخلل الحاصل، وعادة ما يتم اعتماد أسلوب التوجيه كالتركيز في ورشات العمل والاجتماعات العامة على أهمية التواصل والرغبة في رؤية الموظفين أكثر تعاوناً وانخراطاً في العمل الجماعي. تلجأ بعض المؤسسات لتخصيص رسالة من المدير التنفيذي إلى جميع الموظفين تحثهم فيها على الانفتاح والتعاون والشفافية، والبعض الآخر يخصص مساحة من النشرات الداخلية لهذا الغرض.

  • إذا كان المرض بسبب الحساسية فيمكن للأدوية المضادة للاحتقان أن تساعد في تخفيف الأعراض.
  • على المؤسسة أن تعمل جاهدة في هذه الحالة لتخفيف الاحتقان بين المدراء والموظفين من خلال عدة ممارسات. في مقالة نشرت في موقع جامعة نورث ويسترن تم اقتراح عدة إجراءات لتخفيف الاحتقان الذي يمكن أن يقع بين المدراء والموظفين، منها ضرورة أن يتمتع المدير بالوعي الذاتي وأن يدرك تحيزاته وتصوراته المسبقة أثناء التواصل مع مرؤوسيه، كذلك على المدراء أن يتمتعوا بميزة الاستماع الفعّال عوضاً عن استخدام الوقت الذي يتحدث فيه الموظف لتحضير الإجابات، بالإضافة إلى التعاطف مع الموظفين، الأمر الذي يعتبر حيوياً لنجاح الأداء القيادي، وقد وجدت دراسة أخرى أن 40% فقط من المدراء يقومون بهذا الدور بالشكل المطلوب.

  • إذا كانت الحالة حرجة ولا تستجيب للعلاج قد يضطر الطبيب إلى ثقب طبلة الأذن لإخراج السوائل المتجمعة.
  • وهنا يجب على المؤسسة اتخاذ إجراءات حاسمة للفصل ما بين المدير والموظفين، وقد يتأتى هذا الفصل بعدة وجوه تختلف باختلاف الحالة والمسببات، فيمكن للمؤسسة أن تستخدم إجراءات التنبيه والإنذار والنقل والندب وإنهاء الخدمات في الحالات التي لا تنفع فيها أي من الإجراءات السابقة.

الوقاية

درهم وقاية خير من قنطار علاج، والمؤسسة المرنة هي تلك التي تتخذ إجراءات استباقية. هناك ما يسمى بعوامل الخطر التي يجب التنبه لها لتقليل احتمال الإصابة بالتهاب الأذن الوسطى منها:

  • ضعف الجهاز المناعي:
  • لذلك نلاحظ أن الأطفال أكثر عرضة للإصابة بأمراض الأذن الوسطى، وهنا يجب على المؤسسة تقوية مناعتها لكيلا تصاب بهذا المرض، ويشمل ذلك مناعتها الطبيعية والمكتسبة بالإضافة إلى استخدام اللقاح عندما تدعو الحاجة لذلك. كتبت في هارفارد بيزنس ريفيو العربية مقالاً كاملاً عن كيفية تقوية المناعة المؤسسية يمكن الاطلاع عليه.

  • العوامل الموسمية:
  • يصاب بعض الأشخاص بالتهابات الأذن بنسبة أكبر خلال فصل الربيع في موسم الطلع أو انتشار حبوب اللقاح الموسمية. وهنا يجب التنبه إلى الأوقات التي تكون فيها المؤسسة أكثر حساسية كفترة إعداد الموازنات والمراجعة الاستراتيجية ومراجعة تقارير الأداء والتقييمات السنوية وغيرها. تكون المؤسسة في هذه الفترات أكثر عرضة لحصول خلل في التواصل بين مدراء الطبقة الوسطى وعموم الموظفين.

  • تلوث الهواء:
  • تزيد حالات التهابات الأذن في المستويات العالية من التلوث. وهنا يجب على المؤسسة الحفاظ على بيئة عمل صحية من خلال تمكين الموظفين وإشراكهم في عمليات اتخاذ القرار، بالإضافة إلى تطبيق معايير الحوكمة والشفافية المؤسسية. تساعد بعض الإجراءات المؤسسة على الإبقاء على بيئة عمل صحية مثل تحديد واضح للواجبات والمسؤوليات، وفتح قنوات تواصل مباشر مع القيادة العليا في ظروف محددة.

على قادة المؤسسات الأخذ بأسباب الوقاية لتجنب نشوء فجوة بين مدراء الصف الثاني وبقية الموظفين، وتلافي ما يمكن أن يسببه ذلك من تحديات وتأثيرات سلبية على الأداء والإنتاجية. كما يجب عليهم اليقظة إلى الأعراض التي تصاحب مثل هذه الحالة واتخاذ الإجراءات العلاجية المناسبة بما يتناسب مع حجم المشكلة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!