تابعنا على لينكد إن

إنّ السعي لزيادة التنوع في مكان العمل ليس شعاراً فارغاً، بل إنّه قرار صائب في مجال الأعمال. ففي تقرير مؤسسة ماكنزي حول 366 شركة عامة، تبين أنّ تلك الشركات التي تقع في المربع الأول على مستوى التنوع العرقي والإثني في الإدارة كانت تميل إلى تحقيق عائدات مالية أكثر من معدل ما تحققه الشركات الأخرى في مجالها بنسبة 35 في المئة، أمّا الشركات التي كانت في المربع الأول على مستوى التنوع الجندري فقد كانت تحقق عائدات مالية أكبر مما تحققه الشركات الأخرى في مجالها بنسبة 15 في المئة.

وفي تحليل عالمي قامت به شركة كريدي سويس (Credit Suisse) استهدف 2,400 شركة، كانت المؤسسات التي فيها امرأة واحدة على الأقل في مجلس الإدارة تحقق عائدات على الأسهم أعلى من غيرها، كما كان صافي زيادة الدخل فيها أكثر من تلك الشركات التي لم يكن في مجالس إدارتها أي امرأة.

وكشفت العديد من الأبحاث التي أجريت في السنوات الأخيرة فائدة أخرى أقل وضوحاً ترتبط بالتنوع في مكان العمل تتمثل في أنّ فرق العمل التي تمتاز بالتنوع هي أكثر ذكاء. فالعمل مع أشخاص مختلفين عنك يساعد دماغك على تجاوز الطرق القديمة في التفكير وسيحسن من أدائه. ولننظر في الأسباب التي تجعل فريق العمل غير المتجانس أكثر ذكاء.

فريق العمل المتنوع يركّز أكثر على الحقائق

قد يساعد الأشخاص الذين يأتون من خلفيات متنوعة على تغيير سلوك الأغلبية الاجتماعية بشكل يؤدي إلى تفكير جماعي أفضل وأكثر دقة. ففي دراسة نُشرت في مجلة علم نفس الاجتماع والشخصية (Journal of Personality and Social Psychology) وزّع الباحثون 200 شخص على لجان تحكيم صورية كان بعضها يتألف من أشخاص بيض فقط، وأخرى فيها أربعة أشخاص بيض واثنان سود. وعرض مقطع فيديو على هذه اللجان لمحاكمة يكون المتهم فيها أسوداً والضحايا من البيض. وطُلب منهم بعد ذلك إعطاء رأيهم في ما إذا كان المتهم مذنباً حقاً.

واتضح في هذه التجربة أنّ اللجان المتنوعة جمعت قدراً أكبر من الحقائق حول القضية مقارنة بالمجموعات المتجانسة كما أنها وقعت في أخطاء أقل أثناء مناقشة الأدلة المتوفرة لديهم. وفي حال كانت الأخطاء تقع فإنّ فرصة تصحيحها كان أعلى خلال المناقشة. ولعل أحد الأسباب لهذا الاختلاف هو أنّ الأشخاص البيض في المجموعتين المتنوعتين قد تنبهوا إلى الأدلة بشكل أكثر دقة.

وثمة دراسات أخرى مشابهة توصلت إلى نتائج مماثلة. ففي سلسلة من التجارب التي أجريت في تكساس الأميركية وسنغافورة قام الباحثون بوضع أشخاص لهم معرفة بالأمور المالية في دكاكين مختلقة وطُلب منهم أن يسعروا البضائع. وتم توزيع المشاركين في فرق متجانسة أو غير متجانسة إثنياً. وقد وجد الباحثون أنّ الأفراد الذي كانوا في الفرق غير المتجانسة كانوا يضعون السعر الصحيح بنسبة 58 في المئة، بينما من كانوا في المجموعات المتجانسة كانوا أكثر عرضة للوقوع في الأخطاء، وهذا وفق الدراسة التي نشرت في مجلة إجراءات الأكاديمية الوطنية للعلوم (PNAS).

إنّ الفرق التي تتمتع بالتنوع تكون أكثر ميلاً إلى مراجعة الحقائق والتثبت منها للحفاظ على الموضوعية. كما يكون فيها حرص على المزيد من التدقيق بخصوص تصرفات كل عضو في الفرق، وهذا ما يجعل جميع أعضاء الفريق متيقظين ومتنبهين دوماً على مستوى المصادر الإدراكية المشتركة لديهم. فحين تفكك التجانس في مكان العمل، فإنك ستتيح لموظفيك الفرصة ليكونوا أكثر وعياً بما لديهم من تحيزات محتملة والتي تكون على شكل طرق جامدة من التفكير التي تعميهم عن معرفة معلومات أساسية أو تؤدي بهم إلى ارتكاب أخطاء في عمليات اتخاذ القرار.

فريق العمل المتنوع يتعامل مع الحقائق بحذر أكبر

إنّ زيادة التنوع في بيئة العمل يغيّر الطريقة التي يعالج بها فريق العمل المعلومات الضرورية للتوصل إلى قرارات أفضل. ففي دراسة نشرت في مجلة علم نفس الاجتماع والشخصية، قامت كاثرين فيليبس من جامعة نورث وسترن وفريق العمل الذي معها بتقسيم أعضاء نوادي الطلبة ونوادي الطالبات إلى مجموعات تتألف من أربعة أشخاص، وطلب من كل مجموعة قراءة مقابلات أجراها محقق يتعامل مع جريمة قتل. كان في كل مجموعة ثلاثة أشخاص من نفس النادي، بينما كان الرابع، والذي سُمي بالدخيل في تلك الدراسة، إما عضواً مستجداً في النادي أو عضواً في ناد آخر. كان الثلاثة “القدامى” في كل مجموعة يتناقشون حول الشخص الذي يحتمل أن يكون هو الجاني، وبعد مضي خمس دقائق على نقاشهم ينضم إليهم الشخص الرابع “الدخيل” لينقل إليهم رأيه بخصوص المتهم المحتمل.

وقد أظهرت الدراسة أنه وبالرغم من أنّ المجموعات التي فيها “دخيل” قد شعرت بثقة أقل تجاه دقة إجاباتها، إلا أنّهم في الواقع كانوا أكثر دقّة في تحديد المشتبه به مقارنة بالمجموعات التي كان فيها أشخاص ينتمون لنفس الفئة.

ويرى الباحثون أنّ الفرق المتنوعة قد يكون أداؤها أفضل من أداء المجموعات المتجانسة في اتخاذ القرارات، ذلك لأن معالجة المعلومات لدى أعضاء تلك الفرق تكون أكثر دقة. تذكّر أنّ وجهة النظر لشخص دخيل قد تكون مخالفة لما تفكر به بداهة، ولكن لهذا الأمر مكاسب كبيرة لا ينبغي تضييعها.

الفريق المتنوع أكثر قدرة على الابتكار

تعزيز القدرة على التنافس يستلزم من مؤسسات الأعمال أن تعزز قدرتها على الابتكار. ولعل أحد أفضل السبل لزيادة مقدرة المؤسسة على تحقيق التحولات الإيجابية في أسلوبها ومنتجاتها هو إدخال المزيد من التنويع على فريق العمل عن طريق توظيف المزيد من الموظفات وأشخاص من خلفيات ثقافية مختلفة، وذلك وفقاً لما تقترحه بعض الأبحاث. ففي دراسة نشرت في مجلة الابتكار: الإدارة، والسياسة، والممارسة (Innovation: Management, Policy & Practice) قام الباحثون بتحليل مستويات التنوع الجندري في فرق الأبحاث والتطوير في 4,277 شركة في إسبانيا. وقد وجدوا من خلال استخدام نماذج إحصائية أنّ الشركات التي تملك عدداً أكبراً من الموظفات كانت أكثر قدرة على إدخال ابتكارات جذرية جديدة في السوق خلال فترة امتدت لعامين.

وفي دراسة أخرى نشرت في مجلة الجغرافيا الاقتصادية (Economic Geography)، توصل الباحثون إلى أنّ زيادة التنوع الثقافي أمر لا غنى عنه للابتكار، وذلك بعد أن جمعوا بيانات من 7,615 شركة كانت مشاركة في استبيان لندن السنوي للأعمال، وهو استبيان يشارك فيه رؤساء تنفيذيون في المملكة المتحدة فيه عدد من الأسئلة المتعلقة بأداء شركاتهم. وقد أظهرت النتائج أنّ مؤسسات الأعمال التي كان يرأسها فرق إدارة تتمتع بالتنوع الثقافي قد كانت أقدر على تطوير منتجات جديدة مقارنة بتلك التي تكون فيها القيادة متجانسة ثقافياً.

صحيح أنك قد تشعر براحة أكبر عند العمل مع أشخاص يشبهونك أكثر، إلا أنه من الضروري ألا تجعل هذه الراحة تخدعك. إنّ توظيف الأشخاص الذين يختلفون عنك في المظهر والمنطق والتفكير يساعدك على تجنب العثرات المكلفة التي قد تترتب على التماثل الممل الذي لا يحفز على التفكير المبتكر.

يمكن القول باختصار إنّ إثراء فريق عملك بأشخاص من أعراق وجنسيات مختلفة وتوظيف المزيد من الموظفات في مؤسستك هو أمر أساسي لتعزيز القدرات الذهنية المشتركة فيها. كما أنّ خلق بيئة عمل تمتاز بالتنوع سيساعد على السيطرة على التحيّزات التي لدى بعض الموظفين كما سيجعلهم يراجعون افتراضاتهم المسبقة. لا بدّ في الوقت ذاته من الحرص على أن تمتلك الشركة ممارسات لإدماج الموظفين بحيث يشعر كل فرد بأنّ رأيه مسموع فيها. ومن شأن هذا كله أن يجعل طاقم الموظفين لديك أكثر ذكاء كما سيجعل شركتك أكثر نجاحاً على المدى البعيد، بغض النظر عن الأهداف التي تسعى لتحقيقها.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن استراتيجية

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz