أحبُّ المفهوم القائل بأن قرارات الشراء التي يتخذها المستهلكون ترتبط بشكلٍ وثيقٍ بالعادات وبميلهم للتسهيل على أنفسهم، وليس نتيجةً للولاء للعلامة التجارية - حيث يجلب ذلك الكثير من المعرفة المطلوبة بشدةٍ من العلوم السلوكية إلى دراسة قرارات المستهلكين. يقول كلٌ من لافلي ومارتن بأن ذلك له تبعاتٌ كبيرةٌ على كيفية تطوير المنتجات وإدارة العلامات التجارية. وإنني أتفق كليةً أيضاً مع الكاتبين في مسألة سيطرة العقل الباطن للمستهلكين على عملية اتخاذ القرار لديهم - وأعتقد أن بمقدور أي شركةٍ أن تنتفع من الأمر من خلال جعل عمليات الاختيار المتكررة التي يقوم المستهلكون بها أكثر راحةً وسهولةً. وهذا هو السبب وراء تمتُّع نموذج الاشتراك بكل تلك الشعبية في العديد من الصناعات - حيث إنه يقضي على الحاجة لدى المستهلكين لأن يقرروا عن وعيٍ فيما يتعلق بعمليات الشراء المتكررة، كما يوفر للمنتجين العائد المتكرر بدون مجهودٍ.

تتمتع نظرية الميزة التراكمية بقدرٍ كبيرٍ من المنطق فيما يسميه مارتن ريفز وزملاؤه في مجموعة بوسطن للاستشارات بالوضع الاستراتيجي التقليدي - وهو الوضع الذي تكون فيه حدود النشاط محددةً بشكلٍ واضحٍ، وتتسم فيه المنافسة بالاستقرار، كما أنه لا تتعرض فيه بيئة النشاط لزعزعاتٍ كبيرة، علاوةً على القدرة على الحفاظ على وضعٍ تنافسي قوي بمجرد الوصول إليه. وكما أظهرتْ مجموعة بوسطن للاستشارات، فإن منتجات شركة مارس للحلوى تتمتع بدورة حياةٍ طويلةٍ للغاية: مثل منتجَي سنيكرز وإم آند إمز (بدأ إنتاجهما خلال عامي 1930 و1941 على التوالي) والتي تعدُّ من بين أكثر الحلوى مبيعاً على مستوى العالم في الوقت الحالي. ولدى شركة بروكتر آند جامبل سجل إنجازاتٍ مماثلٌ مع منتج تايد، وشركة يونيليفر مع منتج دوف، والأمر كذلك بالنسبة لشركة بيبسيكو مع منتجها عصير برتقال تروبيكانا.

لكن هناك عدد متزايد من الشركات لا تنطبق عليها هذه الشروط. فحدود النشاط الذي تعمل به غير محددةٍ بصورةٍ واضحةٍ - وفى واقع الأمر، تتسم تلك الحدود بعدم وضوحٍ تامٍّ. وعليك فقط أن تسأل أي شخصٍ يعمل في مجال البيع بالتجزئة أو الترفيه أو الاتصالات. ذلك أن الأنشطة التي يعملون بها غير مستقرةٍ - حيث يمكن زعزعة الشركات نتيجة دخول شركاتٍ جديدةٍ في القطاع، كما أوضح كلايتون كريستينسن، وكذلك من خلال استخدام المنافسين لنموذج عملٍ مختلفٍ أو تحولهم من نشاطٍ شبيهٍ إلى النشاط نفسه. ومن الممكن أن تتهاوى القوةُ التنافسيةُ التي تمتلكها منذ فترةٍ طويلةٍ ما بين عشية وضحاها تقريباً، نتيجة قيام شخصٍ ما بصنع نسخةٍ رقميةٍ من نشاطك المادي (كما حصل مع دائرة المعارف البريطانية) أو بتحويل منتجك إلى خدمةٍ (مثل زيبكار Zipcar وإير بي أن بي وأوبر). لم يكن بالضرورة لدى شركتي جوجل وآبل نيةٌ زعزعة آلات التصوير وأجهزة تحديد المواقع الجغرافية المستقلة، وإعلانات التليفزيون أو حتى قناة حالة الطقس، وبالرغم من ذلك فقد قامتا بذلك فعلاً. (طالِع العمود الفرعي "الطبيعة المتغيرة للميزة التنافسية: تظل نافعة حتى تزول").

نقاط تحوّل استراتيجية


ظللت أدعو لفترةٍ بحاجتنا لأسلوبٍ جديدٍ في التفكير فيما يتعلق بالاستراتيجية الخاصة بالأنشطة التي أخذَت فيها موانع دخول كياناتٍ جديدةٍ في التآكل، أو التي تُضعف فيها التقنيات الجديدة القيودَ على دخول تلك الكيانات. تصف عبارة آندي جروف "نقطة التحول" هذا الموقف بشكلٍ جيدٍ، حيث يقول بأن نقطة التحول الاستراتيجي هي "تلك اللحظة من عمر النشاط التي توشك فيها مقوماته على التغير". من الصعب على الأدوات التقليدية للإستراتيجية تقييم نقاط التحول، وذلك لأنها عادةً لا تبدو للوهلة الأولي ذات أهميةٍ. ولقد تمكن الأخوان رايت من الطيران في عام 1903، غير أن أحداً لم يأخذ الأمر على محمل الجد حتى عام 1908. وحتى مع إطلاق أول رحلة طيرانٍ تجاريةٍ في عام 1914، لم يدرك سوى القليلون فقط أن الطائرات سوف تهوي بصناعات مثل السكك الحديدية والبواخر وتسليم الطرود.

يمكن لعادات المستهلك أن تساعد بقوةٍ على استدامة الميزة التنافسية، كما أوضح لافلي ومارتن ذلك بصورةٍ صحيحةٍ للغاية. لكن العادة يمكن أن تتغير، مثلها في ذلك مثل جميع عناصر النشاط. وعندما تسمح التقنيات الجديدة بخلق نماذج عملٍ جديدةٍ، فإن العادات يمكن أن تتغير بسرعةٍ كبيرةٍ.

لننظر إلى القوى الكبيرة التي ظهرت بين عامي 2004 و2007 نتيجة تطوير أربعة أنشطةٍ منفصلةٍ لكنها مترابطة في الوقت ذاته. ففي عام 2004 تم تأسيس شركة فيسبوك. وفي عام 2005 تم تأسيس شركة يوتيوب. وفى عام 2006 تم إطلاق خدمات أمازون للتخزين السحابي أيه دبليو إس AWS. وفى عام 2007 تم على نطاقٍ تجاري إصدار كلٍ من هاتف آيفون من قبل شركة آبل، ونظام التشغيل أندرويد من قبل شركة جوجل. وكما يوضح محلل التقنية بين طومسون، فإن أيه دبليو إس جعلت من إنشاء شركةٍ على الإنترنت أمراً سهلاً وزهيد التكلفة، أما يوتيوب فجعلت من تحميل مقاطع الفيديو أمراً سهلاً وزهيد التكلفة أيضاً، في حين وفّرت فيسبوك قناةً جاهزةً لمشاركة تلك المقاطع المصورة. وأُضيف إلى ذلك أن الشعبية الواسعة للهواتف النقالة أتاحت كل ما سبق للأفراد العاديين. والآن أصبح بمقدور أي مجموعة من الناس، ممن يمتلكون فكرةً ما وقدرةً على الاستعانة بمهارات البرمجة، أن يتحدّوا كياناتٍ عالميةً عملاقةً، وذلك فقط في غضون أيام أو أسابيع وليس في غضون أشهرٍ أو أعوامٍ – دون أن يمتلكوا أي أصولٍ تقريباً.

جيليت في مواجهة دولار شيف


وهذا هو ما حدث بالضبط عند إطلاق DollarShaveClub.com في عام 2012. حيث قدّمت العلامة التجارية وعداً واضحاً: شفرات حلاقةٍ رائعةٌ وبسيطة مقابل اشتراكٍ منخفضٍ، ويتم تسليم الشفرات إلى منزلك بصورةٍ تلقائيةٍ. وبذلك فإنك لم توفر المال وحسب، بل لن تذهب كذلك إلى المتجر أو تخاطر بنفاذ الشفرات. كان الأمر ذا جاذبيةٍ إضافيةٍ، وذلك لأنه قد تم بالفعل زعزعة سلوك الشراء تبعاً للعادة: فالشفرات أصبحت باهظة الثمن ويسهل سرقتها، ومن ثم أصبح من الشائع حفظها في أماكن مقفلةٍ داخل المتاجر. وفي الوقت الحالي، وعلى الرغم من أن دولار شيف كلوب تستحوذ فقط على 8% من السوق الأميركي الخاص بماكينات الحلاقة اليدوية، والبالغة قيمته 3 مليارات دولار، فإن الرقم الأهم هو الذي يتعلق "بنصيبها من سوق تبديل الشفرات". حيث وصل هذا الرقم حسب بعض المصادر إلى 15% من إجمالي الشفرات التي يتم بيعها.

في عام 2010 كانت جيليت قد استحوذت على 70% من سوق الحلاقة العالمي، مع وجود أعدادٍ هائلةٍ من المستهلكين ممن قاموا عن قناعةٍ باستبدال منتجاتهم القديمة بأجيالٍ أحدث من المنتجات التي تم إصدارها بأسعارٍ أعلى. قامت بروكتر آند جامبل بالاستحواذ على علامة جيليت التجارية في عام 2005 مقابل مبلغٍ قدر بـ 57 مليار دولارٍ. لقد كانت جيليت شركةً تقليديةً ذات جودةٍ عاليةٍ وتستحوذ على نسبةٍ مرتفعةٍ من السوق، ولا يمكننا بالنظر إلى سجل الشركتين سوى أن نعتقد أن كلاً من جيليت وبروكتر آند جامبل كانتا بارعتين للغاية في حمل المستهلكين على الشراء تبعاً للعادة. ومن الواضح أن الشركتين تمتعتا بميزةٍ تراكميةٍ قويةٍ. لكن ذلك لم يكن كافياً؛ فقد وصل النشاط إلى نقطة تحولٍ.

في شهر يوليو 2016، وافقت يونيليفر على شراء دولار شيف كلوب مقابل مليار دولارٍ نقداً. وشعر رواد الأعمال المؤسسون لدولار شيف كلوب بالسعادة، وكذلك شعر مستثمروهم. ومن الواضح أن مستهلكيهم كانوا هم أيضاً سعداء. ولكن ماذا عن منافسيهم الموجودين بالفعل في السوق؟ ليسوا سعداء على الإطلاق. فطبقاً لصحيفة وول ستريت جورنال، انخفض نصيب بروكتر آند جامبل من مبيعات ماكينات وشفرات الحلاقة للرجال إلى 59% في 2015. وكان من بين الطرق التي عالجت بها الوضع إطلاق نادي حلاقة جيليت. فبعد أن رأت بروكتر آند جامبل آثار نموذج الاشتراك التي يمكن أن يدمر عادات الشراء، تقوم الشركة في الوقت الحالي بتوفير الاشتراك والشحن لمنتجاتٍ أخرى - بما في ذلك تايد بودس الباهظ الثمن.

منذ عشرين عاماً لم يكن من الممكن أن نتخيل وصول رسالةٍ تسويقيةٍ إلى عشرين مليون شخصٍ في غضون أسابيع دون إنفاق مقدار هائل من المائل على الإعلانات التليفزيونية وغيرها من الإعلانات. لكن دولار شيف كلوب حققت ذلك باستخدام مقطع فيديو مسلٍّ للتعريف بالشركة والترويج لها على قنوات التواصل الاجتماعي، وكذلك من خلال مجموعةٍ من سفراء العلامة التجارية ممن قاموا بالترويج لمنتجاتها مجاناً.

الاستفادة من المألوف حتى عند إعادة الابتكار    


تتمثل الحكمة المأخوذة من تلك القصة في إمكانية أن تُأخذ الشركة على حين غرة حتى ولو كانت بحجم شركة بروكتر آند جامبل. يقودني ذلك إلى سؤالٍ محيرٍ، كيف يمكن للمدراء الموازنة بين القوة الجبارة للميزة التراكمية والعادة، والتي غالباً ما ترتبط بالعلامة التجارية، وبين الحاجة لتجديد منهجهم؟

أحد الأساليب العملية هو الاستفادة من المهارات أو القدرات الجوهرية للمؤسسة، ولكن في شكلٍ جديدٍ. تمثل شركة تارجت (Target) حالةً توضيحيةً لذلك. فقد كانت الشركة تعمل في البداية في مجال سلاسل المحلات التجارية التقليدية المعروفة باسم دايتونز (Dayton's)، والتي صارت تعرف بعد ذلك بدايتون هدسون، ثم في النهاية بمارشال فيلدز (Marshall Field’s). في عام 1960 رأت قيادة الشركة فرصةً في الوصول إلى شريحةٍ متناميةٍ من السوق، والتي لا يتم تلبية احتياجاتها ضمن الشكل الحالي للسوق. كانت تلك الشريحة تتألف من المستهلكين الذين يهمهم السعر ولكنهم في الوقت نفسه يقدِّرون التصميم الجيد وتجربة التسوق المرضية بدرجةٍ مقبولةٍ. ومن أجل حماية العلامة التجارية لسلسلة المتاجر الأكثر شيوعاً آنذاك، تم استحداث علامةٍ تجاريةٍ منفصلةٍ للمشروع الجديد ألا وهي تارجت (الهدف). وقد أرادت الشركة أن يرمز شعارها المميز على شكل نقطة الهدف لمفهوم إصابة هدف الملائمة والسعر وتجربة المستهلك.

وبحلول منتصف السبعينيات، تخطت مبيعات تارجت سلاسل المتاجر الأساسية في الشركة. وفى عام 2000، قامت دايتون هدسون بتغيير اسمها ليصبح "تارجت"، وذلك كي تعكس واقع نشاطها الأساسي. وفي عام 2004 قامت الشركة ببيع علامتها التجارية الخاصة بسلاسل المتاجر، وبذلك استكملت تحولاً استثنائياً في عالم البيع بالتجزئة.

ثمة تحولٌ آخر مذهلٌ استغل المهارات الأساسية للشركة الأم، وهو التحول الحثيث إلى العالم الرقمي من قبل صحيفة شيبستد (Schibsted) النرويجية. فعلى عكس العديد من الصحف، رأت شيبستد في انتشار الإعلانات المبوبة الرقمية فرصةً وليس تهديداً بالنسبة لنشاطها. فمنذ بداية التسعينيات، حاول مدراؤها بصورةٍ قويةٍ إقناع المعلنين بنشر إعلاناتهم في إصداراتهم الإلكترونية. وتحولَ هذا الأمر إلى حملة ممنهجة بالنسبة للصحيفة، وهو الأمر الذي شاهده سفير مونك بنفسه عندما كان نائب الرئيس التنفيذي للاستراتيجية ورئيس التحرير للقسم الدولي، وقد وصف ذلك قائلاً "خُلقت الإنترنت من أجل الإعلانات المبوبة، وخُلقت الإعلانات المبوبة من أجل الإنترنت". وبعد أن ظلت شيبستد لفترةٍ طويلةٍ شركةً إعلاميةً تقليديةً، تمكنت من الاستفادة من العلاقات القوية مع المعلنين، وذلك من خلال استخدام نموذجٍ يسمح بتطبيق اقتصاديات السعة في الأنشطة الصحفية والاتصالات في كافة علاماتها التجارية والإعلامية. وقد عزز ذلك التزامٌ كبيرٌ بتطبيق القدرات التقنية في قلب النشاط الإعلامي نفسه، وبذلك انتهى الصراع ما بين العمليات الصحفية التقليدية وبين منطق التحول إلى العالم الرقمي.

الموازنة بين الاستقرار والدينامية


في عام 2012 كتبتُ مقالاً في هارفارد بزنس ريفيو بعنوان "كيف يحقق فائقو النمو النجاح". تَوصَّل هذا التحليل، الذي قام بدراسة بياناتٍ عن صافي الدخل عن السنوات العشر من عام 2000 إلى عام 2009، إلى أن عشرةً فقط من بين الشركات البالغ عددها 2,347 شركةً، التي يتم التداول على أسهمها من قبل الجمهور، والتي يزيد رأس مالها عن مليار دولارٍ، قد نجحت في زيادة صافي دخلها بنسبةٍ تقدر بـ 5% أو أكثر في جميع السنوات العشر تلك. وعلى الرغم من القدرة على قياس الأداء بطرقٍ شتى، فإن الطريقة السابقة تبدو لي كطريقةٍ تقوم باختبار فكرة الميزة المستدامة بشكلٍ ثابتٍ. تُعدُّ النتيجة الأولى التي نخرج بها بديهيةً: من الصعب تحقيق نموٍ مستدامٍ وثابتٍ في الأرباح، وبخاصةٍ في فترةٍ تتضمن الركود الكبير لأزمة 2008. وبالرغم من ذلك، فإن النتيجة الثانية تتمثل في قدرة بعض الشركات على تحقيق ذلك لفتراتٍ طويلةٍ نسبياً. ولقد توصلتُ إلى أن تلك الشركات قامت بموازنة عناصر الاستقرار (الثقافة والعلاقات والقيادة، وحتى الإستراتيجية) مع عناصر الدينامية (التعبئة السريعة للموارد وتجارب السوق وتنقل الأفراد).

تحدثت مؤخراً مع مالكوم فرانك، وهو مديرٌ تنفيذي في شركة كوجنيزنت (Cognizant)، التي تظهر في قائمتي الأصلية وفي قائمةٍ أخرى قمت بتحديثها في نهاية عام 2015 (والتي استخدمت فيها معايير معدّلة: أيُّ شركةٍ تتخطى الهدف في أي سنةٍ من السنوات العشرة الماضية يتم ضمها إلى القائمة، وبلغ إجمالي عدد الشركات بها 5,300 شركةٍ). أخبرني فرانك بأن مؤسسته تؤمن بشدةٍ بفكرة عدم استدامة الميزة التنافسية في كثيرٍ من الأحيان. حيث يقول "يتحول الحدّ الأعلى بالنسبة لنا في السنوات الخمس الماضية إلى الحد الأدنى في السنوات الخمس القادمة". كما تتمتع كوجنيزنت كذلك بالانضباط فيما يتعلق بالنمو البطيء في الوقت الحالي أو العمليات التي يكون أداؤها دون المستوى المطلوب. لكن الشركة تتمتع باستقرارٍ يدعو للإعجاب. تولى فرانسيسكو دي سوزا منصب الرئيس التنفيذي للشركة في عام 2007، وقد كان آخر من انضم لمجموعة القيادة بها، وذلك في عام 2005. تعكس ثقافة كوجنيزنت كذلك ما يسميه قادتها "مجموعةً محددةً من القيم الثقافية"، وهو ما يظهر جلياً في مراسلاتهم المكتوبة وبياناتهم الرسمية واستراتيجيتهم المتبعة في السوق.

ولكن دعونا نعود إلى المعلومة المهمة حقاً، والتي تقوم عليها حجة لافلي ومارتن: لا يدرك أغلبنا في معظم الأحيان الحوافز الحقيقية وراء الاختيارات التي نقوم بها. وكلما زاد فهم واضعي الاستراتيجية والمسوقين لتلك الدوافع، زاد احتمال نجاحهم في بناء سلوكٍ يقوم على العادة بين المستهلكين - ويعادل ذلك في الأهمية زيادةَ احتمال قدرتهم على إدراك الكيفية التي يمكن من خلالها أن تتغير تلك العادات. وهنا يمكن أن يكون لنظرية كلايتون كريستينسن بعنوان "المهام التي ينبغي القيام بها" فائدتها. فقد قال مقولةً شهيرةً مفادها أننا عندما نشتري المنتجات، فإننا نوظفها لتقوم بمهمةٍ بالنيابة عنا. وتتسم "المهام" التي تقوم عليها أغلب الوظائف باستقرارها الشديد. ولنأخذ الاتصالات على سبيل المثال: فمن إشارات الدخان إلى توصيل البريد بالأحصنة، مروراً بالتلغراف والهاتف، ووصولاً إلى تقنية الاتصالات في وقتنا الراهن، لم تتغير مهمتنا الأساسية المتمثلة في إرسال الرسائل إلى أناسٍ آخرين. لكن الطريقة التي يتم من خلالها إنجاز ذلك قد اختلفت بصورةٍ جذريةٍ. ولو أن الشركات العاملة في نشاطٍ ما واصلت تركيزها على الوظيفة ذاتها - وليس على تفاصيل القيام بذلك في أي وقت محدد من الزمن - لربما تمكنت من ابتكار طريقةٍ أفضل للقيام بها قبل المنافسين.

تلك نقطةٌ عادةً ما يغفل عنها قادة الشركات. إن من السهل بالنسبة للمستهلكين أن "يوظفوا" حلاًّ آخر يؤدي مهمةً ما بصورةٍ أفضل - تماماً كما يقوم عددٌ كبيرٌ منهم بذلك في الوقت الحالي من خلال شراء ماكينات الحلاقة عن طريق الاشتراك.
ريتا غانثر ماكجراث: هي أستاذة الإدارة في كلية كولومبيا لإدارة الأعمال. وهي خبيرة دولية معروفة في مجال الاستراتيجية والابتكار والنمو، مع التركيز على ريادة الأعمال في الشركات.

الطبيعة المتغيرة للميزة التنافسية:


نافعة حتى تزول


إن أي نظريةٍ تحاول توضيح العلاقة بين السبب والنتيجة تعمل في ظل مجموعةٍ من القيود. وقد تعمل نظريةٌ ما بصورةٍ جيدةٍ في ظل مجموعةٍ معينةٍ من القيود، في حين أنها قد تفشل تماماً في ظل مجموعةٍ أخرى منها.

ولقد شهدنا عبر السنين تحولاتٍ منتظمةً في كيفية خلق الشركات لوضعٍ استراتيجي قيمٍ، تعززه في الغالب القيود التي تفرضها النظم التي تعمل بداخلها. ففي بداية القرن العشرين، على سبيل المثال، كانت السيادة للشركات التي تتمكن من تحقيق اقتصاديات النطاق والسعة من خلال الإنتاج الشامل، ولقد ظلت على هذا الحال خلال الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. وبالفعل، فإن قائمة مجلة فورتشن 500 لعام 1970 تظهر سيطرة الشركات الصناعية الأميركية الضخمة، أمثالَ جنرال موتورز وجنرال إلكتريك وإكسون موبيل ويونيون كاربايد.

ومع بزوع عهد تقنية الاتصالات والحاسوب، بدأت الميزة الاستراتيجية في التحول نحو الشركات التي تستفيد من تقنية المعلومات في توفير الخدمات إضافةً إلى البضائع، وكذلك نحو نماذج العمل التي تقدِّر قيمة استخدام المعلومات علاوةً على وظائف وخواص المنتج. وعلى الرغم من احتفاظ عمالقة الصناعة بمكانتهم لوقتٍ طويلٍ، فإن شركاتٍ مثلَ وولمارت و"إيه آي جي" وإنرون وسيتي جروب، انضمت إليهم في قائمة فورتشن لعام 1995.

وفي وقتنا الحالي، تغيرت ديناميات الميزة التنافسية مرةً أخرى. حيث أصبحت الشركات تحقق الميزة التنافسية من خلال الوصول إلى الأصول وليس من خلال امتلاكها. وعلاوةً على ذلك، فقد ظهرت مجموعةٌ جديدةٌ تماماً من شركات "المنصات"، مثل جوجل وآبل وفيسبوك، كما أن حجم قاعدة المستهلكين لديها تخلق دورة تعزيزٍ فعالةً. يُقصد بتلك الديناميات، والتي غالباً ما يطلق عليها تأثيرات الشبكة، أنه كلما زاد عدد المستهلكين لدى شركةٍ ما، زادت أهميتها بالنسبة لكل مستهلكٍ جديدٍ ينضم إليها. وفى مثل تلك الحالة، فإن التحرك سريعاً يمكن أن ينتج عنه ميزةٌ هائلةٌ.

والخلاصة هي أن لكل نظريةٍ قيوداً. وإن محاولة تطبيقها خارج تلك الحدود قد تؤدي إلى كارثةٍ.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!