أخبرنا أحد أصدقائنا مؤخراً قصة عن زميل جديد له اسمه كريم. عندما بدأ كريم عمله الجديد، شجّعه مديره على التقدّم بما لديه من أفكار جديدة لتحسين عمل الفريق. ومع مرور الوقت وجد كريم أنّ هناك الكثير من الإجراءات غير الضرورية والتي تخلق تعقيداً في العمل، فقرر رفعها إلى المشرف عليه. ومع أنّ رئيسه أظهر اهتماماً، إلا أنه أخبر كريم أن لا وقت لديه لمراجعة هذه الاقتراحات. لكن صديقنا أعاد طرح أفكاره مرة أُخرى بعد عدة أسابيع، وهذه المرة كان المشرف قاسياً في صراحته معه وهاجم اقتراحاته مشيراً إلى عيوب فادحة فيها تمنعهم من تنفيذها.

بعدها بعدة أسابيع، عَلِم كريم أن بعضاً من اقتراحاته تم تنفيذها، لكن بعد أن اقترحها أحد زملائه.

أثارت قصة كريم فضولنا. ما الذي يحدث هنا؟، معظم قادة الشركات يطالبون موظفيهم بالتحلي بروح المبادرة وأن يبادروا بطرق جديدة تُحسّن عملهم. وبالفعل، تُظهر الدراسات أنّ الشركات التي يتمتع أفرادها بروح المبادرة يكون أداؤها أفضل: إذ تحافظ على ربحيتها في بيئات تتسم بمستوى عال من التغير لأنهم، ولو جزئياً، أكثر قدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. لكن كما هو واضح من قصة كريم، المبادرة سيف ذو حدين. ربما تكون المبادرة في بعض الأحيان مفيدة، وقد تبدو في أحيان أُخرى مزعجة وحتى مكروهة.

ما الذي يحدد الفارق بينهما إذاً؟، كان هذا السؤال الدافع وراء دراسة شارك في كتابتها أحدنا وُنشرت في مجلة الإدارة (Journal of Management). طلبنا من ثلاث مجموعات من العيّنات تتضمن 1,235 موظفاً مع مشرفيهم وزملائهم أن يملؤوا استمارة استبيان، ثم قمنا بالربط بين إجاباتهم وتقييمات أدائهم التي أجراها المشرفون عليهم. وفي الاستبيان، قيّم الموظفون وزملاء العمل والمشرفون مدى انفتاح شركتهم على المبادرات الفردية، كما أكمل المشاركون تقييماً ذاتياً يتناول مستويات المبادرة والمهارة السياسية لديهم.

تبيّن أن اعتبار المبادرة مفيدة أو مزعجة يتوقف على مستويات المهارة السياسية لدى الموظف. فقد وجدنا أنّ الموظفين الذين يتمتعون بقدر أكبر من المهارة السياسية أكثر دقة في استشفافهم لمدى تقدير مؤسستهم للمبادرات، في حين كان الموظفون الأقل مهارة سياسية “عمياناً” تجاه الفرص التي لاحت أمامهم ، مهما أرسلت لهم المؤسسة من إشارات بأنّ المبادرات سيتم مكافأتها. كما كان الموظفون أصحاب المهارة السياسية الأقل، أكثر ميلاً للمبادرة في وقت لم يكن ذلك مرغوباً لدى مؤسستهم.

وجدنا أيضاً أنّ القيام بسلوكيات مبادرة في المؤسسة محاولة تنطوي على مخاطرة. فأنت ستكافأ إن أحسنت تنفيذها، لكنك أيضاً ستعاقب إن لم تسر الأمور كما ينبغي. وهذا ما ميّز الموظفين ذوي المستويات العالية من المهارة السياسية، فقد كانوا قادرين على الترويج لمبادراتهم لدى رؤسائهم وجعلهم يمنحونهم تقييمات أداء أعلى. أما الموظفون ذوو المستويات الأقل من المهارة السياسية فقد حصلوا من مشرفيهم على تقييم أسوأ عندما بدت منهم سلوكيات مبادرة.

وتُعتبر العبرة التي تقدمها دراستنا للمدراء، أنه ليس جيداً الطلب من الموظفين أن يكونوا دائماً مبادرين. حيث لا تفترض أنّ جميع الموظفين يعرفون كيف ومتى يتخذون المبادرات، بعض الناس يحتاجون مزيداً من الدعم لفهم متى يكون مثل هذا السلوك مستحباً ومتى لا يكون كذلك. وفي الواقع، على بعض المدراء الطلب من موظفيهم كبح جماح حماسهم إن كانت بيئة العمل لن تقدّر اقتراحاتهم أو إن كانوا بحاجة لبناء مهارات شخصية معيّنة أولاً.

أما بالنسبة للموظفين، ترى دراستنا أنّ الخروج عن الجماعة عندما لا تتوفر المهارة السياسية الضرورية ليس هو أفضل الخيارات. فقد يفوق الأذى الناتج عن مبادرتهم فائدتها إن لم يتوافر فهم كاف للأوقات التي تُقدّر فيها المبادرات الشخصية.

لكن هذا لا يعني أنّ على الأفراد الذين تنقصهم المهارة السياسية الامتناع عن المبادرة كلياً؟، فالمهارة السياسية أمر من الممكن تعلمه. إذ يمكن للموظفين أن يطلبوا تقييماً أو إرشاداً من زملائهم أو نظرائهم أو المشرفين عليهم. كريم مثلاً، توجه إلى الموظف الذي نجح في تمرير نفس الاقتراحات وحصل منه على بعض النصائح حول متى وكيف يتكلم مع رئيسه.

قال الروائي الإنجليزي الكبير جورج أورويل يوماً “لا وجود لشيء اسمه النأي بالنفس عن السياسة”. الأمر نفسه ينطبق على مكان العمل: حتى عندما يكون لدينا أفضل النوايا ونريد إظهار مبادرات شخصية لقضية نهتم بها فإنّ جهودنا قد ترتد علينا. فالمبادرة تتطلب فهماً للوقت الذي تكون فيه مرغوبة بها. إن لم تكن هذه مهارة لديك، فهي بلا شك مهارة عليك تعلمها.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!