تابعنا على لينكد إن

أصبحت البيانات الكبيرة مصدراً أساسياً لا جدال فيه لتطوير المؤسسات، سواء من خلال تحسين تجربة المتعاملين، أو تطوير الخدمات، أو رفع الكفاءة المؤسسية. لكن، كيف للإدارات الداخلية المساندة كالموارد البشرية، وتقنية والمعلومات، والمالية أن تتعامل مع البيانات الكبيرة؟، يسعى هذا المقال إلى تقديم إجابة وافية لهذا التساؤل.

تجاوز إجمالي حجم البيانات على كوكب الأرض هذا العام 20 زيتابايت. ولتخيل هذا الحجم المهول، يكفي معرفة أنّ 1 زيتابايت يساوي مليون بيتابايت، أو مليار تيرابايت، أو تريلون غيغابايت. وهذا الرقم مرشح للزيادة بشكل متسارع خلال السنوات القادمة. واستلزم ذلك بدء البحث في كيفية إدارة هذه الأحجام الضخمة من البيانات، ما أظهر مصطلح “البيانات الكبيرة” عام 2000.

تعددت المقاييس المستخدمة لتصنيف البيانات على أنها بيانات كبيرة، وأكثر هذه المقاييس شيوعاً هو ما وضعته مؤسسة “جارتنر العالمية لبحوث واستشارات التكنولوجيا”، حيث عرّفت البيانات الكبيرة بأنها البيانات التي تكون ضمن مجموعات يقاس حجم كل منها عادة بالتيرابايت، وتتدفق هذا البيانات بشكل غير منتظم، وكذلك فإنّ علاقاتها ببعضها البعض تكون متغيرة. بالإضافة لذلك، تأخذ تلك البيانات أشكالاً مختلفة، بعضها يكون عبارة عن أرقام وبعضها الآخر كلمات ونصوص، ويتطلب التعامل مع هذه البيانات طرقاً مبتكرة ومعقدة في التحليل ليتم الاستفادة منها في اتخاذ القرارات.

تتنوع المصادر التي نحصل منها على البيانات الكبيرة، فبعضها خارجي كمواقع الإنترنت بأشكالها المختلفة سواء مواقع حكومية، موسوعات، بورصات، وغيرها. وبعضها داخلي كالأرشيف الإلكتروني للمؤسسات وما يحتويه من وثائق ومستندات، وكذلك برامج وقواعد البيانات المؤسسية كتلك المتعلقة بالموارد البشرية والمالية والمتعلقة بالمتعاملين وغيرها. إلى جانب ذلك، يمكن أن تنشأ البيانات الكبيرة من مصادر مشتركة كالمواد الإعلامية من صور وملفات سمعية وبصرية، أو وسائل التواصل الاجتماعي، أو حتى البيانات من أجهزة تحديد المواقع، والأقمار الصناعية، وشبكات الاتصالات، وأجهزة الاستشعار، وأجهزة الترفيه المنزلية.

لقد أصبحت البيانات الكبيرة في أيامنا هذه حيوية للمشاريع والمؤسسات، ويزداد اهتمام المؤسسات بها بشكل مضطرد، فقد أظهرت نتائج استبيان أُنجز عام 2016 واستهدف أكبر 1,000 شركة في الولايات المتحدة الأميركية، أنّ حوالي 70% من هذه الشركات تعتبر البيانات الكبيرة حيوية ومهمة جداً للنجاح في عملها. كذلك أكثر من نصف المشاركين أفادوا بأنّهم يملكون موظفاً على الأقل يعمل كمدير للبيانات.

على الرغم من هذا الانتشار الواسع لجمع وتحليل البيانات الكبيرة والاستفادة منها، إلا أنّه لابد للمرء من مراعاة بعض الحدود، والنظر إلى مصلحة العمل في المقام الأول، إذ يجب على المدير امتلاك الشجاعة للسير عكس التيار عندما يكون ذلك ضرورياً، حيث أنه في الخدمات المساندة داخل المؤسسات يكون تقييم البيانات الكبيرة أمراً مختلفاً.

ليس على إدارة الموارد البشرية الوقوع في حب البيانات الكبيرة

تُعتبر البيانات الموجودة في إدارة الموارد البشرية ذات حجم صغير على مقياس البيانات الكبيرة، وبالتالي فإنّ الاستثمار في تطبيق برامج وتحليلات البيانات الكبيرة أمر غير عملي ولن يأتي أكله. في حين تُعتبر أبسط البرامج مثل تطبيقات “أوفيس” المكتبية كافية لتوفير صورة واضحة للمؤسسة عن حركة الموارد البشرية فيها. يقول بيتر كابيلي أستاذ علوم الإدارة ومدير مركز الموارد البشرية في كلية وارتون لإدارة الأعمال ضمن مقال نشره مؤخراً في هارفارد بزنس ريفيو، بأنه يجب على إدارة الموارد البشرية التركيز على دقة وجودة البيانات لديها أولاً، وتحليل بيانات الموظفين وتوزيعاتهم وملاحظة التغيّرات الحاصلة فيها. بالإضافة لذلك، عليها أن تعمل جادة إلى الربط بين معايير التوظيف وأداء الموظفين لاحقاً، كما يتوجب عليها الاعتماد على قياس انطباعات الموظفين بوتيرة أعلى وعلى فترات أقصر مقارنة مع الممارسة السنوية السائدة حالياً.

إدارة المالية والنظر إلى الآفاق المستقبلية

معظم المدراء الماليون في يومنا الحالي مقتنعين بأنّ التقارير المالية والتحاليل التي يقومون بها كافية. يتضمن هذا الطرح قدراً كبيراً من المنطق خصوصاً مع انتشار برامج إدارة الموارد المؤسسية (ERP) والتي توفر عدداً من التقارير والتحليلات المالية التي تٌعتبر فعّالة عند ممارسة الأعمال التقليدية كإغلاق الدفاتر المالية، وتحضير الميزانيات، وتوقع الإيرادات، مع وضع بعين الاعتبار حجم البيانات التي يتم التعامل معها وهي صغيرة لا تصل إلى حدود تعريف البيانات الكبيرة. لكن بالنظر إلى المتطلبات المستقبلية والثورة التي تشهدها التعاملات المالية، أصبح على إدارة المالية في المؤسسة التوجه جدياً إلى الاستفادة من المساحات الجديدة التي توفرها أساليب تحاليل البيانات الكبيرة، والتي تساعد في الحصول على فوائد عديدة خصوصاً فيما يتعلق بكشف حالات الاحتيال المالي كالمدفوعات للموردين الوهميين أو التعديلات الكبيرة في القوائم المالية، وكذلك المخاطر المتعلقة بالائتمان.

تقنية المعلومات في سباق مستمر

تواجه إدارة تقنية المعلومات في كثير من المؤسسات تحدياً فيما يخص الاستفادة من الإمكانات التي توفرها البيانات الكبيرة لتطوير أدائها، وهذا يعود بشكل أساسي إلى أنّ التقنيات تتغير بشكل سريع ومستمر، الأمر الذي يجعل الموظفين في سباق للاطلاع واكتساب المهارات المطلوبة من أجل التعامل مع تلك التقنيات الجديدة، وهذا ينطبق على البيانات الكبيرة، حيث لا تتوفر الخبرة الكافية التي تمكّن من التطبيق العملي لهذه البيانات والاستفادة منها لتحسين أداء  الإدارة. وربما أكثر استخدامين لتحليلات البيانات الكبيرة في إدارة تقنية المعلومات يتركزان في إمكانية توقع الهجمات أو الاختراقات التي تصيب الأنظمة الإلكترونية، وبالتالي تعزيز قدرات الأمن السيبراني للمؤسسة، إذ أظهرت إحصائية تم إعداداها من قبل شركة “كلوديرا” (Cloudera) المتخصصة في الحلول التقنية أنّ 84% من إدارات تقنية المعلومات التي تقوم باستخدام البيانات الكبيرة نجحت في الكشف وإحباط هجوم إلكتروني واحد على الأقل. كذلك الأمر عند زيادة عدد الأصول التقنية، لاسيما قواعد البيانات التي أصبحت بأعداد وأحجام ضخمة. وبالتالي، يتطلب إدارتها بكفاءة من قبل إدارة تقنية المعلومات استخدام أدوات التحليل الخاصة بالبيانات الكبيرة.

البيانات الكبيرة لتحليل سلوك الموظفين

كما تُستخدم البيانات الكبيرة لتحسين أداء المؤسسات والإدارات، يمكن أيضاً أن يتم استخدامها لتحليل سلوك الأفراد. فقامت شركة “سوسيوميتريك سوليشنز” (Sociometric Solutions) المتخصصة في مجال الاستشارات بتطوير واستخدام مستشعرات خاصة في بطاقات أسماء الموظفين، ما مكّنها من تحديد الأقسام التي يزورها الموظف، ومَنْ مِن الموظفين يتكلم معهم أكثر من غيره، وحتى نبرة الصوت التي يستخدمها خلال العمل، هذا كله يتم تحليله باستخدام أدوات تحليل البيانات الكبيرة والوصول إلى تشخيص متكامل للموظفين الذين يقدمون أداء متفوقاً، وكذلك الطرق الأفضل لتكوين فرق عمل ناجحة في المشاريع المستقبلية. وقام “البنك الأميركي” (Bank of America) بالاستفادة من البيانات الكبيرة لتحسين أداء الموظفين في مراكز الاتصال، حيث أظهر تحليل البيانات التي قام بجمعها عن سلوكيات الموظفين، أنّ الذين يأخذون أوقات استراحة معاً أثناء أوقات العمل، هم الموظفون الأعلى أداء، فقام البنك بتعديل سياسة استراحات الموظفين وسمح لأعضاء فريق العمل الواحد أخذ فترات استراحة معاً، وكانت النتيجة أنه حقق تحسن في الأداء وصل إلى 23%.

أخيراً، يتوجب على متخذي القرار محاولة التفريق بين مستويات مختلفة للتعامل مع البيانات الكبيرة والاستفادة منها، وأنّ لا يتم تطبيق التوجه الواحد على وحدات عمل المؤسسة دون تفريق. فأدوات التحليل الحاسمة والضرورية لتوقع وتحسين رضا المتعاملين على سبيل المثال، ليست بالضرورة لازمة لتجويد أداء جميع الإدارات المساندة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz