facebook
twitter
whatsapp
email
linkedin
messenger

يشهد الاقتصاد العالمي ظاهرة تتمثّل في أنّ الشركات الكبرى تصبح أكبر، فهي أكثر إنتاجية، وأكثر ربحية، وأكثر إبداعاً، كما تدفع رواتب أفضل. والأشخاص المحظوظون بما يكفي للعمل في هذه الشركات يؤدون عملاً جيداً نسبياً، وأولئك الذي يعملون في شركات منافسة لا يفعلون ذلك.

احصلوا اليوم على آخر الإصدارات المطبوعة (الإصدار المزدوج 26-27) والاشتراك السنوي المميز الذي يتضمن إصداراتنا المطبوعة.

لاحظ صناع السياسات ذلك، وباتت سياسة مكافحة الاحتكار والمنافسة تلقى اهتماماً متجدداً، مثل جلسات الاستماع الأخيرة حول الموضوع من قبل "لجنة التجارة الفيدرالية" الأميركية. كما أنّ العناوين الرئيسة في صحف مثل "ذا نيشن" (The Nation) و"ذا أتلانتيك" (The Atlantic) و"بلومبيرج" تحذر من مشكلة "الاحتكار" التي تواجهها أميركا، مع دعوات إلى تفتيت شركات كبرى مثل جوجل أو أمازون أو فيسبوك. وكتب ديريك تومسون في "ذا أتلانتيك": "تخيّل يوماً في حياة مواطنة أميركية عادية؛ ما هي المدة التي تستغرقها للتفاعل مع سوق ليست محتكرة تقريباً؟".

تستحق مكافحة الاحتكار الاهتمام الذي تحظى به، كما أنّ منصات التكنولوجيا تثير أسئلة مهمة. ولكن صعود الشركات الكبرى – وما ينجم عنه من تركّز للقطاعات والأرباح والأجور – يتخطى شركات التكنولوجيا ويفوق بكثير سياسة مكافحة الاحتكار.

تشير الأبحاث في الواقع إلى أنّ الشركات الكبرى تهيمن على السوق بواسطة استخدام البرمجيات. ففي عام 2011، أعلن المستثمر في رأس المال المغامر (أو ما يسمى برأس المال الجريء)، مارك أندرسن، أنّ "البرمجيات تجتاح العالم"، ويبدو أنّ ما فتح شهيّتها كان الشركات الأصغر.

ما الذي يؤدي إلى تركّز القطاعات؟

نمت معظم القطاعات في الولايات المتحدة على نحو أكثر تركّزاً في السنوات العشرين الماضية، ما يدلّ على أنّ الشركات الأكبر في القطاع تستحوذ على حصة أكبر من السوق تفوق ما كانت عليه في السابق. ولكن لماذا؟

يربط بحث أجراه جيمس (وهو أحد كاتبي هذه المقالة) هذا التوجّه بالبرمجيات. فحتى خارج قطاع التكنولوجيا، يرتبط توظيف المزيد من مطوري البرامج بزيادة أكبر في تركّز القطاع فيما يبدو أنّه علاقة سببية. وعلى نحو مماثل، وجد باحثون في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أنّ هوامش الأرباح – وهي مقياس لأرباح الشركات وقوة السوق – قد ازدادت أكثر في القطاعات ذات الكثافة الرقمية. كما توصّل بحث أكاديمي إلى أنّ ازدياد تركّز القطاع يرتبط بكثافة براءات الاختراع في قطاع معين، ما يشير إلى أنّ "القطاعات التي أصبحت أكثر تركّزاً هي تلك التي تتمتّع بتقدّم تكنولوجي أسرع". على سبيل المثال، نمت الإنتاجية بشكل كبير في قطاع البيع بالتجزئة منذ عام 1990؛ ونمت المبيعات المعدلة بحسب نسبة التضخم لكلّ موظف بنسبة 50% تقريباً. ويخلص تحليل اقتصادي آخر إلى أنّ معظم هذا النمو في الإنتاجية سجّله عدد قليل من الشركات مثل وول مارت التي استخدمت تكنولوجيا المعلومات لتصبح أكثر إنتاجية. وزيادة الإنتاجية تعني انخفاضاً في الأسعار ونمواً أسرع، ما يؤدي إلى زيادة الهيمنة على القطاع. واستطاعت شركة وول مارت" زيادة حصتها في سوق بيع السلع بالتجزئة من 3% في عام 1982 إلى أكثر من 50% اليوم.

يدلّ كل هذا على أنّ التكنولوجيا، والبرمجيات على وجه التحديد، هي ما يقف وراء الهيمنة المتزايدة للشركات الكبيرة.

تكنولوجيا المعلومات مهمة

في عام 2003، كتب محرر هارفارد بزنس ريفيو في ذلك الحين، نيكولاس كار، مقالاً (وكتاباً في وقت لاحق) بعنوان "تكنولوجيا المعلومات غير مهمة" (IT Doesn’t Matter). خالف كار الفرضية الشائعة القائلة بأنّه "كلما ازدادت قدرة تكنولوجيا المعلومات وانتشارها في كل مكان، ازدادت قيمتها الاستراتيجية وانتشرت كذلك"، ورأى أنّ هذا الرأي كان خاطئاً، فقال:

"ما يجعل الموارد استراتيجية بالفعل –  أي ما يمنحها القدرة على أن تكون الأساس لميزة تنافسية مستدامة – ليس الانتشار في كل مكان، بل الندرة. أنت تتميّز على المنافسين من خلال امتلاكك لشيء لا يمكن أن يكون لديهم، أو فعل شيء لا يمكنهم أن يفعلوه. في الوقت الحالي، أصبحت الوظائف الأساسية لتكنولوجيا المعلومات – تخزين البيانات ومعالجة البيانات ونقل البيانات – متاحة للجميع وبأسعار معقولة، وبدأت قوتها ووجودها بتحويلها من موارد استراتيجية محتملة إلى عوامل إنتاج سلعية. لقد أصبحت الوظائف الأساسية لتكنولوجيا المعلومات بمثابة تكاليف على ممارسة الأعمال يجب أن يدفعها الجميع ولكنّها لا تمكّن أحداً من التميّز".

لقد فصل كار بين التقنيات المملوكة للشركات وتقنيات "البنى التحتية". خلقت الأولى ميزة تنافسية، ولكن الثانية كانت أكثر قيمة عند مشاركتها على نطاق واسع، وأصبحت فيما بعد منتشرة في كل مكان ولم تكن امتيازاً فريداً من نوعه لأي شركة. تنبّأ كار أيضاً أن تخلق تكنولوجيا المعلومات مؤقتاً مزايا مملوكة للشركات، مشيراً إلى وول مارت كمثال. فشركة وول مارت هي أكبر صاحب عمل وأكبر شركة في الولايات المتحدة من حيث الإيرادات، وقد حققت هذا الأمر عن طريق اتباع نموذج تشغيلي أصبح ممكناً بفضل برمجيات لوجستية مملوكة للشركة. ولكن كار رأى في كتاباته في عام 2003 أنّ "فرص الحصول على المزايا القائمة على تكنولوجيا المعلومات تتضاءل بالفعل"، وأنّ "أفضل الممارسات أصبحت الآن تُدرَج بسرعة في صميم البرمجيات أو يجري تكرارها".

لم يجر الأمر على هذا النحو، فعلى الرغم من أنّ المنافسين حاولوا بناء برمجيات لوجستية مشابهة خاصة بهم، البائعين حاولوا تحويلها إلى سلع، إلا أنّ الفطنة التي تتمتع بها برمجية وول مارت ما زالت جزءاً من ميزتها التنافسية – والتي أصبحت الآن تغذيها البيانات. وفي الوقت الذي تواجه فيه وول مارت تحديات جديدة تتعلق بالمنافسة على الإنترنت، حافظت الشركة على مزاياها اللوجستية أمام الكثير من المنافسين مثل شركة سيرز (Sears).

الشركات الناشئة للبرمجيات الكاملة

هذا النموذج الذي تقترن فيه البرمجيات المملوكة للشركة بنقاط القوة الأخرى لتشكيل ميزة تنافسية أصبح أكثر شيوعاً. قبل سنوات، أطلق جيمس (وهو أحد كاتبي هذه المقالة) شركة كانت تبيع برمجيات للنشر، وكان نموذج عملها يقوم على كتابة البرمجية ومن ثم بيع التراخيص للناشرين. لا يزال هذا النموذج موجوداً، بما في ذلك النشر عبر الإنترنت، حيث تقوم شركات مثل أوتوماتيك (Automattic)، وهي صاحبة نظام إدارة المحتوى المفتوح المصدر "وورد برس" (WordPress)، ببيع خدمات الاستضافة وخدمات أخرى ذات صلة للناشرين. لقد أفسحت التراخيص الممنوحة لمرة واحدة الطريق أمام الاشتراكات الشهرية في البرمجيات كخدمة، ولكن هذا النموذج لا يزال يتناسب مع أطروحة كار الأساسية: شركات برمجيات تصنع تكنولوجيا تدفع مقابلها شركات أخرى، ولكنها نادراً ما تستمدّ منها ميزة فريدة.

ليس هذا ما تفعله شركة فوكس ميديا (Vox Media) التي تُعتبر شركة  نشر رقمية معروفة بنظام إدارة المحتوى الخاص بها. تقوم فوكس بترخيص برمجيتها لبعض الشركات الأخرى (معظمها من غير المنافسين، حتى الآن) على الرغم من أنّها شركة نشر بحدّ ذاتها. ويقوم نموذج عملها الأساسي على إنشاء المحتوى وبيع الإعلانات، كما يجمع بين برمجيات النشر المملوكة والسياسة التحريرية الجيدة من أجل خلق ميزة تنافسية.

يطلق مستثمر رأس المال المغامر، كريس ديكسون، على هذا المفهوم تسمية "الشركات الناشئة للبرمجيات الكاملة" (full-stack startup). ويقول إنّ "المفهوم القديم الذي اتبعته الشركات الناشئة كان يقوم على بيع تراخيص تكنولوجيتها الجديدة للشركات القائمة، ولكنّ مفهوم ’البرمجيات الكاملة‘ يقوم على بناء منتج كامل ومتكامل أو خدمة كاملة ومتكاملة من شأنها أن تتخطى الشركات القائمة والمنافسين الآخرين"؛ ويمكن اعتبار شركة فوكس كمثال على نموذج البرمجيات الكاملة.

هذا التحول من نموذج بيع البرمجيات إلى نموذج البرمجيات الكاملة يَظهر جلياً في الإحصاءات الحكومية. فمنذ عام 1998، انخفضت نسبة إنفاق الشركات على البرمجيات الجاهزة (نموذج البائع)، وأصبح أكثر من 70% من ميزانيات الشركات للبرمجيات يُخصّص لعمليات الترميز المطورة داخلياً أو بموجب عقود مخصصة. المبلغ الذي تنفقه الشركات على البرمجيات المملوكة هو مبلغ ضخم ناهز 250 مليار دولار في عام 2016، وهو يساوي تقريباً المبلغ الذي استثمرته الشركات في صافي رأس المال المادي المخصص للإهلاك.

كيف تستفيد الشركات الكبرى؟

من الواضح أنّ البرمجيات المملوكة توفّر مزايا لبعض الشركات، ونموذج البرمجيات الكاملة يسيطر على نموذج بيع البرمجيات، والنتيجة سيطرة الشركات الكبيرة على الحصة السوقية. لشرح ذلك، نحتاج إلى تفسير سبب تفوّق بعض الشركات في تطوير البرمجيات على غيرها ولماذا يبدو أنّ ابتكاراتها لا تصل إلى منافسيها الأصغر على النحو الذي ظنّ كار أنّه حتمي.

تُعدّ وفورات الحجم بالتأكيد جزءاً من الحل، فبناء البرمجيات مكلف ولكن توزيعها رخيص نسبياً، كما أنّ الشركات الأكبر قادرة على تحمل التكاليف الأولية. ولكن لا يمكن أن تكون "وفورات الحجم من جهة العرض" الحل الوحيد، وإلّا سيهيمن على السوق البائعون الذين يستطيعون تحقيق وفورات حجم كبيرة عن طريق البيع لغالبية اللاعبين في السوق. ومن الأسباب الأخرى المحتملة، تأثيرات الشبكة أو "وفورات الحجم من جهة الطلب"، غير أنّ الحقيقة التي تُبيّن أنّ العلاقة بين البرمجيات وتركُّز القطاعات منتشرة خارج قطاع التكنولوجيا – حيث يقلّ احتمال استفادة الشركات من ملايين المستخدمين – تدلّ على أنّ تأثيرات الشبكة ليست إلا جزءاً من القصة فقط.

يبدو إذاً أنّ تفسير ارتفاع تركّز القطاع يعتمد في جزء منه على حقيقة أنّ البرمجيات أكثر قيمة بالنسبة للشركات بالتوازي مع القدرات الأخرى المرتبطة بالقطاع، وغالباً ما يُشار إليها على أنّها "أصول غير ملموسة"، مع أنّها تستحق أن تكون محدّدة أكثر.

تشير بعض الأبحاث إلى أنّ فوائد تكنولوجيا المعلومات تعتمد جزئياً على الإدارة. فالشركات المدارة بشكل جيد تحقّق المزيد جرّاء استثماراتها في تكنولوجيا المعلومات، أضف إلى ذلك أنّ الشركات الكبرى تميل إلى أن تكون مدارة على نحو أفضل. ثمة أصول "غير ملموسة" أخرى تميّز الشركات الرائدة وهي أصول يمكن أن يكون تكرارها صعباً أو مكلفاً. وفي هذا الصدد، يقول أحد كبار المدراء التنفيذيين والذي سبق له العمل في عدة شركات رائدة للبرمجيات المخصصة للشركات، في حديث مع والتر (أحد كاتبي هذه المقالة)، إنّ قدرة الشركة على الاستفادة أكثر من مطور البرمجيات تعتمد على النجاح في إعداد "البرمجية المخصصة لإنشاء برمجية أخرى" – الأدوات وسير العم، والإعدادات الافتراضية التي تسمح للمبرمج الاندماج في نظام إنتاج الشركة من دون الحاجة إلى تعلّم ما لا نهاية له من المهارات الجديدة.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ براءات الاختراع وحقوق النشر تصعّب نشر الابتكارات في مجال البرمجيات لتصل إلى شركات أخرى، مثل اتفاقيات الامتناع عن المنافسة التي تمنع الموظفين من تبديل وظائفهم بسهولة. ولكن من أكبر العوائق أمام انتشار هذه البرمجيات – والذي يُعتبر أيضاً من أكبر مصادر الميزة التنافسية للشركات التي تتفوق في مجال البرمجيات – يعود إلى كيفية تنظيم الشركات.

الابتكار المعماري

في عام 1990 ، نشرت ريبيكا هندرسون التي تعمل الآن كأستاذة في كلية هارفارد للأعمال ورقة بحثية تقدّم أساساً نظرياً لنجاح الشركات الناشئة للبرمجيات الكاملة. في ذلك الوقت، كان الكثير من المفكرين يختلفون حول مسألة لماذا كانت الشركات الكبيرة والناجحة والغنية تطيحها التكنولوجيات الجديدة في بعض الأحيان. ليس بالضرورة أن تكون الشركات القائمة سيئة في استخدام التقنيات الجديدة، حسبما تقول هندرسون استناداً إلى دراستها حول الطباعة الضوئية. في الواقع، كانت الشركات القائمة جيدة في استخدام التكنولوجيات الجديدة لتحسين العناصر الفردية لمنتجاتها. ولكن عندما غيّرت إحدى التكنولوجيات الجديدة البنية الأساسية لهذا المنتج – بطريقة يتناسب فيها كلّ شيء معاً – كانت الشركات القائمة تعاني من الصعوبات.

تمثّلت وجهة نظرها في أنّ طريقة الشركة لإنجاز الأمور غالباً ما تكون مرتبطة بشكل وثيق مع بنية المنتجات أو الخدمات التي تخلقها. وعندما تتغير البنية، تصبح كل المعرفة التي تم تضمينها في المؤسسة أقل فائدة، وتتحول طريقة الشركة في إنجاز الأمور من طريقة مفيدة إلى طريقة سيئة.

على سبيل المثال، تعتمد الميزة التنافسية لشركة وول مارت على وجود تنظيم ونموذج عمل يستفيدان من براعة الشركة في الأمور اللوجستية من خلال التأكيد على "الأسعار اليومية المنخفضة" والتشكيلة الكبيرة والاستجابة السريعة للتغيير في الأذواق. وعلى الرغم من أنّ منافسيها الكبار مثل سيرز أنفقوا الكثير على تكنولوجيا المعلومات، إلّا أنّهم لم يستطيعوا المنافسة بفعالية من دون إجراء تغييرات معمارية أساسية. لو كان كلّ ما فعلته وول مارت يقوم على استخدام تكنولوجيا المعلومات في أحد عناصر نظام البيع بالتجزئة – مثل رقمنة الكتالوجات أو نشرها عبر الإنترنت – لكانت شركة سيرز في وضع تنافسي أفضل. ولكنّ وول مارت لم تغيّر فقط كيفية عمل سلاسل التوريد، والقرارات المتّخذة بشأن المنتجات، والتسعير، بل غيّرت أيضاً كيفية ارتباطها ببعضها البعض. ويمكن القول إنّ طريقة سيرز الحالية لإنجاز الأمور كانت بمثابة أمر سيئ على نحو مفاجئ.

هذه الابتكارات المعمارية يمكن أن توجد فرصاً للشركات الناشئة كما يرى ديكسون، مستثمر رأس المال المغامر. يشرح ديكسون أنّه "قبل انطلاق [أوبر وليفت] حاول الكثير من الشركات الناشئة بناء برمجيات من شأنها أن تجعل قطاع سيارات الأجرة والليموزين أكثر كفاءة". ووفقاً لنظرية هندرسون، لو كانت شركة أوبر قد أنشأت برمجية لإيفاد سيارات الأجرة وحسب، لكانت الشركات القائمة في وضع جيد يسمح لها باعتماد هذه البرمجية، ولكان ممكناً تغيير أحد "عناصر" الخدمة بواسطة التكنولوجيا (وهي هنا إيفاد السيارات) ولكن ليس بنية الخدمة بأكملها. ولكن الشركات الناشئة في مجال تشارُك رحلات السيارات مثل أوبر وليفت لم تجعل سيارات الأجرة أكثر كفاءة فحسب، بل غيّرت الطريقة التي تتناسب فيها أجزاء النظام المختلفة مع بعضها البعض جذرياً.

الابتكار المعماري لا يؤدي بالضرورة إلى قيام شركات ناشئة تحلّ محلّ الشركات القائمة، كما يمكنه أيضاً تحديد من يسود بين الشركات الأكبر حجماً والأقدم. في تشرين الثاني/نوفمبر 2007، وضعت مجلة فوربس صورة الرئيس التنفيذي لشركة نوكيا على غلافها وسألت: "هل يمكن لأحد اللحاق بملك الهواتف المحمولة؟" (Can Anyone Catch the Cell Phone King)، وذلك بعد أشهر فقط على إطلاق شركة آبل لهاتف "آيفون".

لماذا استطاعت شركة آبل التي لم تكن تمتلك خبرة سابقة في الهواتف أن تتجاوز ملك الهواتف المحمولة؟ طرح الأستاذ في "كلية هارفارد  للأعمال"، كريم لاخاني، هذا السؤال على مجموعة من المشاركين في أحد المؤتمرات. استمع والتر (وهو أحد كاتبي هذه المقالة) إلى ما سرده خبراء التكنولوجيا من الجمهور حول الطرق التي تفوّق فيها آيفون: شاشة تعمل باللمس ومتجر تطبيقات ومتصفح ويب… إلخ. وبعد ذلك قدّم لاخاني التواريخ التي قدّمت فيها نوكيا هذه الميزات: متجر تطبيقات في عام 2001، وشاشة تعمل باللمس في عام 2002، ومتصفح ويب في عام 2006

لماذا إذاً تربّعت شركة آبل على عرش الهواتف؟ أجاب لاخاني بأنّ شركة آبل كان لديها الهندسة المعمارية المناسبة لحمل الهواتف إلى عصر الإنترنت. لقد امتلكت كلّ من آبل ونوكيا الكثير من الأصول غير الملموسة اللازمة للتفوّق في مجال الهواتف الذكية، مثل مطوري البرمجيات ومهندسي الأجهزة والمصممين. ولكنّ بنية شركة آبل وثقافتها كانت تقوم بالفعل على منظومة تجمع الأجهزة والبرمجيات وساهمت فيها أطراف ثالثة. كانت آبل تمتلك مسبقاً خبرة في بناء الأجهزة وأنظمة التشغيل وحزمة أدوات تطوير البرمجيات (SDK) جراء أعمالها في مجال الكمبيوتر الشخصي، كما أنشأت منصة برمجية لتقديم محتوى للأجهزة المحمولة على شكل ما يُعرف بـ آي تيونز (iTunes). في البداية، قاوم ستيف جوبز فكرة السماح للمطورين ببناء تطبيقات لأجهزة "آيفون"، ولكنّ متجر التطبيقات أصبح في نهاية الأمر الميزة الرئيسية لهاتف "آيفون"، وتمكّنت شركة آبل من إدارة متجر التطبيقات بفضل "المعمارية" الموجودة لديها.

على غرر أيّ نظرية أخرى، لا يمكن للابتكار المعماري أن يفسّر كل شيء. فإذا كانت الخبرة في بناء أنظمة التشغيل وحزمة أدوات تطوير البرمجيات أساسية، لماذا لم تخترع شركة مايكروسوفت هذا الهاتف الذكي الناجح؟ لقد كانت براعة شركة آبل في تصميم المنتجات مهمة أيضاً، ومع ذلك فإنّ الابتكار المعماري يساعد في تفسير لماذا يصعب تكرار بعض القدرات.

نشر منافع البرمجيات

التحدي الذي يواجه صناع السياسات الذين يشعرون بالقلق إزاء تركّز القطاعات وهوامش الأرباح وقوة الشركات العملاقة، يكمن في نشر منافع الاقتصاد الرقمي – للبرمجيات – على نطاق أوسع. قد تكون مكافحة الاحتكار مساعدة في الحالات القصوى، مثل كبح منصات التكنولوجيا وكبح قدرتها على شراء المنافسين. ولكن ينبغي على صناع السياسات أن يفكروا أيضاً في طرق تساعد على نشر البرمجيات والقدرات البرمجية في جميع أنحاء الاقتصاد. تؤدي وفورات الحجم إلى حد ما إلى زيادة متوسط ​​حجم الشركات وهذا أمر جيد، ولكنّ حظر الامتناع عن المنافسة سيساعد الموظفين في نشر معرفتهم عن طريق التنقل بين الوظائف. ومن العوامل المساعدة أيضاً، إصلاح مجال براءات الاختراع التي لا تكون ضرورية دائماً لحماية الابتكارات في مجال البرمجيات، والتي يُساء استخدامها من قبل متصيدي براءات الاختراع على حساب الجميع تقريباً. بالإضافة إلى ذلك، يمكن لأيّ شيء تستطيع الحكومات فعله لتشجيع استخدام البرمجيات مفتوحة المصدر أن يكون مساعداً أيضاً. على سبيل المثال، تفرض الحكومة الفرنسية على الهيئات الإدارية العامة استعراض البدائل المفتوحة المصدر عند تنقيح أو بناء تكنولوجيا معلومات جديدة، كما تفرض استخدام الوفورات المحققة لتمويل تطوير المصادر المفتوحة.

يُعتبر تشجيع الشركات الناشئة وسيلة واعدة أخرى على اعتبار أنّ هذه الشركات قادرة على تنظيم نفسها حول القدرات البرمجية لمنافسة الشركات القائمة. القيام بذلك عن طريق السياسة العامة ليس سهلاً دائماً، ولكنّ التمويل الحكومي يمكن أن يساعد عندما يُنفذ بشكل جيد، كما يمكن لصنّاع السياسات على مستوى الدولة ومستوى المدينة أن يشجعوا قيام مجمعات تكنولوجية. سوف تتوافق هذه السياسات مع مراجعة عمليات الاندماج الهجومية لضمان عدم ابتلاع الشركات القائمة للشركات الناشئة الواعدة.

الإفادة أكثر وضوحاً بالنسبة للشركات، فحتى إذا لم تكن تعمل في قطاع البرمجيات ستكون أمامك فرصة ليستند نجاحك إلى قدرتك على استخدام البرمجيات وأيضاً على إنشائها. لا شكّ أنّ استخدام نموذج البائع منطقي من الناحية المالية، ولكن يجدر بك أن تضع في عين الاعتبار ما الذي يجعل شركتك فريدة من نوعها، وكيف يمكن للبرمجيات تعزيز هذه الميزة. قد يكون الاستثمار في الحلول المملوكة التي تكمل نقاط قوتك فكرة جيدة، خصوصاً إذا كان لديك شركة كبيرة أو متوسطة أو شركة ناشئة في طور النمو.

سحابة في الأفق

هناك بعض الأخبار الجيدة: تشير بعض الأبحاث إلى أنّ الحوسبة السحابية تساعد الشركات الأصغر والأحدث على المنافسة، إضافة إلى أنّ بعض الشركات تفكّك قدراتها المتقدمة. على سبيل المثال، تقدم أمازون الآن خدمات استيفاء وتوصيل كاملة، بما في ذلك توفير خدمات تسليم المنتجات خلال يومين للبائعين، كباراً وصغاراً، من على منصّتها. قد يكون كار محقاً من حيث المبدأ، ولكنّ التوقيت كان خاطئاً، غير أنّنا لا نراهن على ذلك. بعض جوانب البرمجيات ستصبح متاحة ومنتشرة أكثر، بما في ذلك ربما بعض المجالات التي تستمد الشركات منها الآن ميزتها تنافسية. في المقابل، ستنشأ فرص أخرى أمام الشركات من أجل استخدام البرمجيات لصالحها،  ويبرز منها تحديداً: حتى عندما تكون برمجية تعلم الآلة متاحة بالمجان، فإنّ مجموعات البيانات التي تجعلها ذات قيمة غالباً ما تبقى ملكية خاصة، مثلها مثل النماذج التي تنشئها الشركات بناء على مجموعات البيانات هذه. قد تكون السياسة قادرة على المساعدة في تحديد مستوى اللعبة، ولكن الشركات التي لا تستثمر في البرمجيات والقدرات المتعلقة بالبيانات تخاطر بأن تبقى متأخرة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!