تابعنا على لينكد إن

وفقاً لمؤسسة العلوم الوطنية الأميركية (U.S. National Science Foundation)، نصف درجات الدكتوراه الممنوحة في العلوم كانت لنساء، إلا أنّ نسبتهن في أعضاء الهيئات التدريسية على مستوى أستاذ بدوام كامل بالمؤسسات البحثية في الولايات المتحدة هي فقط 21 في المئة. لدى محاولتنا تفسير هذه الاختلافات، حاولنا النظر في نظرية “السقف الزجاجي” والتي تقول أنّ النساء في العادة يصلن إلى مستوى ضمن أعلى السلم الإداري في المؤسسات لا يمكنهن ببساطة تخطيه والتقدم بعده، إلا أنه في الوقت ذاته، غالباً ما تواجه النساء حواجز تمنع وصولهن إلى المستوى الإداري الأعلى في المقام الأول.

ركزت أبحاثنا على تقدم المرأة في مجال علوم الحياة الأكاديمية، وأهمها علم الأحياء والطب. لقد نالت النساء نصف شهادات الدكتوراه الممنوحة في مجالي علم الأحياء والطب، كما هو الحال مع باقي العلوم، لكن بلغت نسبة وجودهنّ كأساتذة بدوام كامل 21 في المئة فقط، وكانت نسبة من يشغلن أقسام إدارية فقط 15 في المئة. يثير هذا النقص في التمثيل في المستويات الإدارية العليا الدهشة، وذلك لاكتشافنا أدلة على أنّ أداء المرأة في المتوسط ​يتفوق على الرجل في المراحل الأولى من الحياة المهنية الأكاديمية لكليهما.

عزا الكثيرون عدم وجود سيدات عالمات إلى زيادة نسبة مغادرة النساء للحقل الأكاديمي مقارنة بالرجل، إلا أنّ هذا الرأي يحجب حقيقة معاناة نساء كثيرات خلال محاولتهن التقدم في السلم الوظيفي لمجال علوم الحياة في بدايات سيرتهن المهنية. على سبيل المثال، تشكل النساء ثلث الأساتذة المساعدين (تعادل مرتبة الإدارة الوسطى في الشركات) في مجال الطب الأكاديمي، لكن بعد الاطلاع على فترة مقدارها 10 أعوام، نجد نسبة وجود المرأة أقل كثيراً في المراتب الإدارية الأعلى. (لا تعني هذه الإحصاءات بالضرورة مغادرة المرأة للمجال الأكاديمي، حيث تبقى مثلاً في المراتب الإدارية الأدنى. يعتبر مجال علوم الحياة الأكاديمية مجالاً صعباً للترقي فيه، حيث من الصعب أن يكون للعلماء سيرة مهنية من دون إزالة العقبات الضرورية، إذ يتوجب عليه أن يصبح زميل، ثم أستاذ بدوام كامل، ثم الحصول على منح لتمويل أبحاثه).

استكشفنا أيضاً سبب عدم تقدم العديد من النساء خلال سيرتهن المبكرة من خلال النظر في الفروق بين الجنسين ضمن المنشورات والتمويل البحثي. نملك حالياً دراستين قيد المراجعة في المجلات العلمية تتعلق بهذا الصدد.

قمنا في دراستنا الأولى، التي جرت بالتعاون مع الدكتورة كارولين ليرشنمويلر من مستشفى ماساتشوستس العام (Massachusetts General Hospital) وكلية الطب بجامعة هارفارد، بدراسة معدل وضع الباحثة اسمها كمؤلف أول أو كمؤلف أخير في المقالات الأكاديمية الصادرة عن مختبرات أميركية (والتي تعتبر مؤشرات الأداء الرئيسة في علوم الحياة). في حال وجود مجموعة مؤلفين لبحث ما، يشير وضع اسم باحث ما في البداية إلى أنه هو من قاد الفريق في أداء البحث وكتابة المخطوطة العلمية، في حين يشير وضعه في النهاية إلى أنه من مرتبة كبار الباحثين الرئيسيين ممن مولوا البحث ووضعوا التصور الخاص بالمشروع.

أحصت الأبحاث السابقة عدداً من المؤلفات المرموقة التي قدمها رجال ونساء، ووجدت تمثيلاً منقوصاً للنساء فيها. إلا أنّ هذا النهج لم يكن علاقة رياضية كافية بين نسبة وضع أسماء النساء في البداية ونسبة مشاركتهن في الأبحاث الطبية في المجمل. لم يفسر أيضاً حقيقة أنّ الرجال هم غالبية العلماء بشكل عام. قد يعطي عدم أخذ ما سبق بعين الاعتبار وعدد النساء والرجال المؤهلين لوضع أسمائهم في البداية صورة مضللة لنجاح المرأة في العلوم.

لمعالجة هذه المسألة، وضعنا احتمالية وضع أسماء النساء في البداية مقابل مشاركتهن عبر حساب النسبة للرجال. يأتي سبب قيامنا بهذا في أنّ عدد النساء اللواتي يقمن بأبحاث في مجال علوم الحياة يقل عن عدد الرجال، وأنّ النساء يميلن إلى نشر أبحاث بشكل أقل كثيراً مقارنة بالرجال. ركز تحليلنا على المنشورات العلمية المسجلة في بوبمد (PubMed) (قاعدة البيانات الأكثر شمولاً من مقالات علوم الحياة) التي تأخذ بالدعم المالي المقدم من المعاهد الوطنية للصحة (للنظر في مواد ذات نوعية مماثلة).

وجدنا أنّ لدى النساء احتمال أعلى بنسبة 10 في المئة إلى 15 في المئة لوضع أسمائهن في البداية مقارنة بالرجال، وذلك بعد الاطلاع على أكثر من 100,000 مقالة منشورة بين عام 1985 وعام 2009. في الواقع، كانت النساء يحصلن على الاسم الأول بين المؤلفين بمعدلات أعلى من الرجال منذ منتصف التسعينيات. غير أنّ النساء ظللن ذوات تمثيل ناقص بدرجة كبيرة في وضع أسمائهن في النهاية خلال نفس الإطار الزمني. لم نر انتقالاً في الأسماء للنساء من وضعهن في بداية البحث إلى نهايته، ما يوحي بوجود تعثر للمرأة في رحلتها إلى مرتبة كبار العلماء.

ويُعد أحد الأسباب المحتملة لهذا الانقطاع، هو أنه بينما كان لنساء العينة لدينا أداء أفضل في الحصول على أسمائهن في البداية خلال الأبحاث الأبسط، كن أقل احتمالية، بنسبة 11 في المئة، للقيام بأبحاث أكبر ونشرها في مجلات ذات تأثير أعلى مثل نشرة العلوم (Science) ونشرة نيو انغلاند الطبية (New England Journal of Medicine). لا يوجد تفسير لسبب هذا الاختلاف، ولكنه يؤثر على المرأة بشكل كبير في حال كان تركيز لجان التوظيف والترقية على أبحاث نُشرت في هذه المجلات فقط.

أجرينا دراسة ثانية تتبعت السيرة المهنية لأكثر من 6,000 عالم من علماء الحياة ممن حصلوا على تمويل من معهد الصحة الوطني (National Institutes of Health)، أكبر ممول لعلوم الحياة. كنا قادرين على استخدام هذه البيانات لتحديد الذين دخلوا وتقدموا في هذه المهنة نظراً لاعتماد العلماء على المنح الحكومية لتمويل عملهم وتقديم الحكومة لتقارير وإحصاءات توضح ما قدمته من منح للجمهور.

شملت عينتنا علماء في بداياتهم المهنية ممن حصلوا على منحة ما بعد الدكتوراه من معهد الصحة الوطني بين عامي 1985 و2009. تابعنا سيرهم المهنية على فترة من الزمن (عبر تحليل أبحاثهم ومنحهم مثلاً) لمعرفة من تمكن من الحصول على منحة (R01)، والتي تمثل الانتقال من عالم إلى محقق كبير رئيسي، وذلك نظراً لأن الحصول على هذه المنحة يعد العامل الممهد للوصول إلى مرتبة عضو كلية في الجامعات التي تضم مراكز الأبحاث. قمنا بتحليل كيف تختلف احتمالات الحصول على منحة (R01) للمرء بحسب الجنس والاختلافات في سجلات النشر.

بشكل عام، وجدنا 1,000 عالم انتقلوا إلى منحة (R01)، لكن حصة النساء منهم كانت أقل بنسبة 20 في المئة، كما تطلبت المرأة التي حصلت على تمويل (R01) عادة وقتاً أكثر للانتقال من مرحلة ما بعد الدكتوراه إلى عالم كبير. (أخذنا في الاعتبار دراسات ما بعد الدكتوراه التي لم تسع للحصول على تمويل (R01)، والتي تتضمن أشخاصاً غادروا المجال الأكاديمي مثلاً).

بالنظر إلى سجلات النشر، وجدنا فجوة بمقدار الثلثين، إذ رأينا نسبة أقل للنساء اللواتي ينشرن أبحاثهن ونسبة أقل للاستشهادات على أبحاثهن. هذه الفجوة ناتجة عن حصول النساء على تقدير أقل لعملهن أغلب الوقت. على سبيل المثال، بينما مضاعفة عدد الاستشهادات على بحث يخفض وقت الانتقال من منحة ما بعد الدكتوراه إلى (R01) بنحو 20 في المئة للرجال، فإنّ ذات العدد في الاستشهادات لكل بحث قلل وقت النساء بنسبة 13 في المئة تقريباً. حتى بعد تجاهل خصائص أخرى، مثل مجلات النشر والتخصصات، بقيت المرأة التي تملك ذات عدد الاستشهادات لرجل تستغرق سنة واحدة أطول منه للحصول على منحة (R01).

تبين نتائجنا من هاتين الدراستين أنّ المرأة تواجه حواجز حقيقية أمام التقدم في علوم الحياة. يدخل النساء والرجال المجال بأرقام مماثلة، إلا أنهنّ أقل احتمالا للانتقال إلى تمويل (R01) المهم والحصول على كتابة أسمائهن في النهاية. يمثل كلا العاملين السابقين مسألة مهمة للوصول إلى مرتبة كبار العلماء.

على الرغم من أنّ معاينتنا (كيف يمكن أن تسهم الاختلافات بالنشر في الفجوة بين الجنسين في المراحل الأولى من الانتقال الوظيفي)، لم نتمكن من تحديد سبب وجودها. يسعى عملنا المستقبلي إلى النظر في كيفية وصول المرأة إلى المشرفين وموارد المؤسسة الأخرى مقارنة بالرجال، نظراً لاحتمالية تأثير ذلك على موضوعاتهم البحثية وقدرتهم على النشر في المجلات المهمة. بطبيعة الحال، تسهم عوامل أخرى في الاختلافات بين الجنسين وفي التطور المهني للعلماء. ولكن لتحقيق التساوي بالتمثيل في مرتبة كبار العلماء، يجب أن تكون المرأة قادرة أولاً على التقدم خلال مراحل حياتها المهنية المبكرة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz