وقّع الرئيس ترامب البارحة أمراً تنفيذياً من أجل تجميد إرث وسياسات الرئيس أوباما المتعلقة بالمناخ. يدّعي البيت الأبيض أن هذه الإجراءات ستساعد الاقتصاد بشكل عام وعمال مناجم الفحم الحجري على وجه التحديد.

ولكن هذا غير صحيح.

تقبّلت هذه الإدارة كلياً الرواية الخاطئة التي تفيد بأن الاقتصاد والبيئة متعارضان، حيث قال أحد كبار المتحدثين الرسميين: "أعتقد أن الرئيس عبّر بوضوح شديد أنه لن يُطبّق سياسات تغير المناخ التي تُعرّض الاقتصاد الأميركي للخطر. الأمر بسيط جداً".

أجل، الأمر بسيط، إذ ستساهم هذه السياسات البالية في إلحاق الضرر باقتصادنا، وستجعلنا نتخلّف عن الاقتصادات الرئيسة الأخرى، كما أنها ستُعرّض الكوكب للخطر (الكوكب، الذي يدعم الاقتصاد والمجتمع على فكرة، وليس العكس). يبدو أن الرئيس وفريقه متمسّكون بوجهات نظر عفا عليها الزمن والتي تعتبر تغيّر المناخ مضراً من الناحية الاقتصادية، أو أنه يمكننا إيقاف التقدم المحرز في تقنيات الطاقة وأسواقها. هذا مناف للمنطق ,وغير صحيح من حيث الوقائع لعدة أسباب، وفيما يلي أهم ثلاثة من بينها:

أولاً، سيساهم التعامل مع تغير المناخ في إيجاد وظائف أكثر بكثير وتحقيق نمو اقتصادي بدلاً من العودة إلى الوقود الأحفوري. يفوق عدد الأشخاص الذين يعملون في مجال الاقتصاد النظيف عدد أولئك العاملين في مجال الوقود الأحفوري بكثير، إذ يفوق عدد الوظائف في مجال الطاقة المتجددة تلك في مجال الغاز والفحم الحجري بمقدار خمس وظائف إلى وظيفة واحدة في الولايات المتحدة (حيث يوجد 66,000 عامل فقط في مناجم الفحم الحجري). يُقدر تقرير صدر مؤخراً عن الجمعية الوطنية لمناصرة الشركات للطاقة النظيفة حول اقتصاد الطاقة المتطورة (Advanced Energy Economy) قيمةَ السوق العالمية للاقتصاد النظيف – الذي تُحدده بصورة عامة بحيث لا يشمل توليد الطاقة الكهربائية فحسب، بل كفاءة استخدام الطاقة والمياه وأنواع الوقود البديلة ووسائل النقل النظيفة أيضاً – بـ 1.4 مليار دولار أميركي. وتُقَدّر قيمة السوق الأميركية وحدها بـ 200 مليار دولار أميركي، على قدم المساواة مع صناعة الدواء وتُقارب قيمة الإلكترونيات الاستهلاكية.

ثانياً، لن نشهد عودة الفحم الحجري أبداً، إذ ليس لزوال الفحم الحجري حتى فترة قريبة جداً أي صلة بأي شكل من أشكال السياسات. من الأمثلة على ذلك، لم تدخل محطة توليد الطاقة النظيفة التي يسعى ترامب لإلغائها حيز التنفيذ بكل الأحوال. في الواقع، يتلاشى الطلب على الفحم الحجري بسبب اقتصادات رأس المال والعمالة على حد سواء. من ناحية العمالة، أصبح قطاع الفحم الحجري بارعاً في أتمتة الوظائف وإلغائها. أما على صعيد رأس المال، تُدرك شركات الطاقة والمصارف أن الفحم الحجري يُمثّل رهاناً خاسراً. إليكم ما قاله نيكولاس إيكنز، الرئيس التنفيذي لمرافق توليد الطاقة الكهربائية الأميركية (American Electric Power) التي تُقدّر قيمتها بـ 16 مليار دولار أميركي، في ديسمبر/كانون الأول الماضي من عام 2016: "يمضي القطاع قدماً بواسطة الطاقة الأنظف. لن نبني منشآت ضخمة لصناعة الفحم الحجري، ولن نُوقف ما نقوم به بسبب الإدارة الجديدة. يجب أن نتخذ قرارات طويلة الأجل بشأن رؤوس الأموال".

إذاً، يتمثل الحوار الوحيد الذي يجب أن نُجريه حول عمال المناجم حالياً في كيفية مساعدتهم، مع امتناع العالم سريعاً عن استخدام الفحم الحجري. سيكون من الرائع أن يُعطي ساستنا الأولوية لإعادة التدريب على العمل والتعليم والإعانات الصحية والمعاشات التقاعدية وخدمات النقل بدلاً من إعطاء وعود كاذبة بالقضاء على البطالة التي لا يعتقد المدراء العاملون في مجال الفحم الحجري حتى أنها واقعية.

ثالثاً، سيكون تغير المناخ دون رادع مكلفاً للغاية ومدمراً. يجب أن يكون الأمر واضحاً وضوح الشمس، ولكن الاقتصاد غير معرض للخطر نتيجة المغالاة في سنّ الأنظمة المتعلقة بالوقود الأحفوري، بل تنتج المخاطر الشاملة عن تغير المناخ. تشمل تكاليف الأحوال الجوية المتطرفة مثل الفيضانات والجفاف والعواصف الهوجاء الأموال والأرواح على حد سواء، وهناك عدد لا يُحصى من التقارير – من مصادر تتضمن الحكومة الأميركية والجماعات البيئية والبنك الدولي وسيتي بنك (Citi) ووزراء المالية الأميركيين السابقين ومايكل بلومبرغ – التي تحسب المليارات المعرضة للخطر من الأملاك والقيمة الاقتصادية.

ولكن من الواضح أن هذه الإدارة ليست على علم بأي من هذه التقديرات الاقتصادية، الأمر الذي يعد جهلاً مرعباً بحقّ، خاصة في ضوء الأساس المفترض بأكمله لإجراءات السياسات الرئيسة هذه، وإلا فإن هؤلاء الأشخاص الذين يتبوؤون مناصب عليا لا يكترثون فحسب، ما دامت القصة التي يروونها تترك أثراً جيداً وتنجح في استمالة الأصوات.  

لا يمكن للسياسة أن تهزم الاقتصاد

هناك بعض الأخبار الجيدة. لن تتوقف الشركات عن تخفيض إنتاج الكربون، فعلى الرغم من قوة السياسات الحكومية وأهميتها، إلا أنه لا يمكنها أن تهزم الاقتصاد. تتخذ الشركات معظم القرارات على أساس الأماكن التي يحصلون على أفضل العائدات فيها. ليست مرافق توليد الطاقة الكهربائية الأميركية (AEP) الجهة الوحيدة التي تعطي الأولوية للطاقة النظيفة، إذ التزمت مئات كبرى شركات العالم بالتحول إلى استخدام الطاقة المتجددة بنسبة 100% ووضع أهداف للحد من انبعاثات غاز الكربون قائمة على أسس علمية (ما يعني القيام بتخفيضات ضخمة في الانبعاثات على مدى السنوات الـ 30 المقبلة). أصبحت الطاقة النظيفة رخيصة جداً حالياً فحسب، كما أنها تخلق فرصاً هائلة لرواد الأعمال والشركات الكبيرة على حد سواء. في الواقع، ينبغي أن تصبح استراتيجية الطاقة النظيفة الآن إحدى أولويات كبار المدراء التنفيذيين.

بلغت الشركات مرحلة متقدمة جداً لتتراجع، ومضيت أشهراً وأنا أسأل المدراء التنفيذيين للشركات ما إذا كانوا يعتقدون أن جهودهم الرامية لتحقيق الاستدامة عموماً أو أعمالهم في مجال الطاقة على وجه التحديد ستتباطأ، وردوا بالنفي حتى الآن. إننا نشهد قصراً في النظر وضعفاً في الحسم، حيث يستشيط رواد الأعمال غضباً إزاء إمكانية خفض الضرائب وإلغاء الضوابط التنظيمية؛ ومن الأمثلة المحزنة على ذلك اندفاع شركات السيارات لإضعاف معايير كفاءة استخدام الوقود. لكن يجري تحقيق الاستدامة بالفعل، إذ يُعتبر التحول إلى الطاقة النظيفة مفيداً للأعمال نظراً للتحسن الذي شهدته التقنيات النظيفة وتوقعات الزبائن والموظفين المتزايدة.

إلا أنه ثمة أمر آخر سمعته بوضوح وصراحة من الشركات يفيد بأن القادة يريدون التواري عن الأنظار وتفادي الصراعات، وبذلك من المؤسف ألا نشهد اتخاذ العديد من الرؤساء التنفيذيين لموقف عام مناهض لآخر الخطوات السياسية المناهضة لمكافحة تغير المناخ. يبدو أنهم خائفون من التعرض للهجوم علناً من قبل الرئيس ترامب. لذا، على الرغم من استعداد عدد كبير من الشركات لاتخاذ موقف بشأن الهجرة أو القضايا الاجتماعية الأخرى، فقد لزمت الصمت بشأن السياسات المتعلقة بالمناخ.  

أتمنى أن ينتهي هذا الهدوء النسبي قريباً، فهجوم هذه الإدارة على السياسات المؤيدة لحماية المناخ هو هجوم على اقتصادنا وسلامتنا، إذ يساهم في إبطاء التقدم صوب مستقبل أكثر ربحاً ونظافة وصحة، كما أنه أيضاً يُعرّض اقتصادنا للخطر.

يجب ألا يقف قادة الأعمال والمواطنون مكتوفي الأيدي.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

error: المحتوى محمي !!