تابعنا على لينكد إن

آني ماكي – هارفارد بزنس ريفيو:

هل يمكن القول بعد اليوم بأن هناك شخصاً ما، وكائناً من كان، هو من يُسهم لوحده حقاً في إنجاز العمل؟ الإجابة من وجهة نظري هي كلا. فكلّ ما نقوم به تقريباً نُنجزه بالتعاون مع أشخاص آخرين في مجموعات، إذ تُوكل إلينا مهام التخطيط وإنجاز المشاريع معاً. ونحن نتفاوض على الأدوار والموارد. ونتحدّث مع بعضنا البعض – أو نرسل الرسائل النصية أو التغريدات أو الرسائل الإلكترونية – وفي بعض الأحيان نصغي أيضاً. كما أننا نعتمد على أشخاص فوقنا وحولنا ودوننا، لتحقيق نجاحنا الجماعي، ونحن مدينون لهم لكونهم جزءاً من نجاحنا هذا. ومع مرور الوقت، تصبح لدينا عادات هي ما يحدّد الطريقة التي نتصرّف بها مع بعضنا البعض. فإذا ما جمعنا كل هذه العناصر معاً نحصل على تعريف للفريق: وهو عبارة عن مجموعة من الناس الذين يتبنّون هدفاً مشتركاً وغرضاً واحداً، والذين يتولّون أدواراً ومسؤوليات مختلفة، والذين يلتزمون بقواعد معيّنة للتعامل فيما بينهم. والفرق نراها منتشرة في جميع أنحاء مكان العمل. لكن المؤسف في الأمر هو أن معظم هذه الفرق لا تتّصف بقدر هائل من الفعالية أو لا يعتبر العمل فيها ممتعاً جداً.

فكيف بوسعنا أن نحسّن هذه الفرق؟ وكيف يمكننا أن نجعل الفريق جزءاً من العمل يُدخِلُ السعادة إلى حياتنا، عوضاً عن أن يُسهم في تحويلها إلى جحيم؟

بادئ ذي بدء، نحتاج إلى بذل المزيد من الاهتمام لنعطي هذه الفرق أهميتها الحقيقية في عالم العمل. ففي معظم المؤسسات، نجد بأن الفرق لا تقدّر حقّ قدرها. فعلى سبيل المثال، صحيح أن العديد من الشركات تبدي إعجابها بالسلوكيات التي تدعم العمل بروح الفريق ضمن أنظمة إدارة الأداء، لكن من الشائع تماماً أن لا نرى أي ربط لهذا الأمر بأنظمة المكافآت والتعويضات. وهذا يعزّز المفهوم القائل بأننا لسنا مضطرين إلى الاهتمام بالفرق أو العمل الجماعي بروحية الفريق (فلماذا نفعل ذلك ونحن لا نحصل على أي مكافأة في المقابل). ولكن ما يحصل في نهاية المطاف، وفي أحسن الأحوال، هو تعرّض الفريق لحالة من التدمير التدريجي نتيجة لغياب الدعم. أمّا في أسوأ الأحوال، فإن الناس – سواء أعضاء الفريق أو قادته – يشعرون بالحرية في ممارسة سلوكيات سيئة تقود إلى حالة من الاختلال الوظيفي، وإلى نتائج تقلّ عن التوقعات بكثير، وإلى حالة من البؤس بين صفوف أعضاء الفريق. ولا يحتاج تدمير هكذا فريق إلى جهد كبير أصلاً، فالعديد منّا قد سبق له أن فعل ذلك أصلاً.

لكنّ المفارقة تكمن في أن مساعدة فرقنا على أن تكون أكثر فعالية تقتضي منّا أن نعرف الأشياء التي “لا يجب” أن نفعلها مع الفريق، قبل الانتقال إلى الأشياء التي “يجب فعلها” معه. وبالتالي، دعونا نراجع بعض الأخطاء الشائعة التي يرتكبها الكثيرون بمن فيهم الأشخاص الطيّبون عندما يعملون مع الآخرين:

1. ينسون ذكاءهم العاطفي ويتركون اللوزة الدماغية تسيطر على حديثهم: يتصرّف هؤلاء الأشخاص بناءً على مشاعرهم واندفاعاتهم، ولا يتوخّون الحذر فيما يرسلونه من إشارات أو ما يقولونه من كلام، أو ما يبدر منهم من أفعال. ولا يسمحون للأشياء المزعجة مثل القيود أو المعايير أو اللياقة الاجتماعية بأن تقف حجر عثرة في طريقهم. يشعرون بغضب سريع ويظلون غاضبين عندما يحصل شخص ما على أشياء أكثر ممّا حصلوا هم عليه. ينظرون إلى الناس المختلفين عنهم بصورة نمطية. يتفوّهون بما يدور في أذهانهم ويعتذرون عن سلوكياتهم من خلال إخبار الناس بأنهم صادقون وشفافون، ورغم أن ذلك قد يكون صحيحاً، لكنهم بذلك أيضاً يكونون لئيمين، وإذا فعلوا ذلك مع مرؤوسيهم فإن ذلك يكون ضرباً من التنمّر. المؤسف في الأمر، هو أنه وفي ضوء التوتّر الذي يتعرّض له الناس في مكان العمل اليوم، فإن الكثير من الناس يتمشّون حولنا وهم خاضعون لتأثيرات اللوزة الدماغية وليس وفقاً لما يمليه عليهم ذكاؤهم العاطفي.

2. يظلّ سلاحهم مُشهراً: هم يطلقون عبارات مريعة، كأن يقول الواحد منهم: “إما أن تنفّذوا ما هو مطلوب كما أراه أنا وإلا فلتغادروا الفريق.” وهناك فكرة أخرى مشابهة. إذا كنتم تريدون أن تدمّروا فريقاً، كونوا صارمين، وذوي نظرة أحادية إلى الأمور، واسعوا إلى تحقيق أهدافكم فقط كما ترونها وبالطريقة التي تريدونها أنتم فقط.

3. يرون الكأس نصف فارغ: إذا أردتم العبث بعقول الناس، وقتل روحية الفريق والعمل الجماعي، ركّزوا على كل الأخطاء التي تحصل. دعوا الناس يعيشون في حالة من الرعب. اظهروا حسّ السخرية لديكم. فالمشاعر معدية: والمشاعر السلبية وحسّ السخرية اللاذعة هي أمور تقضي على الثقة والإبداع والحماسة والسعادة، وهذه أشياء في غاية الأهمية بالنسبة للنجاح الجماعي.

4. لا يهتمّون فعلياً لحال الناس الآخرين: عملت مرّة مع مدير تنفيذي كان من أبرع الناس في تدمير فرقه وعائلته. وقد كان معرّضاً لخطر فقدان أهم جائزة يمكن أن يحصل عليها إنسان في مكان العمل – ألا وهي منصب الرئيس التنفيذي الذي وُعِد به نتيجة للنتائج التي حققها. لكنّ قادة الشركة ولحسن الحظ كانوا قد اكتشفوا أمره، فهو حقق النتائج التي حققها على حساب كلّ شخص وكل فريق عمل معه. وبطبيعة الحال، فإن هذه النتائج لم تكن مستدامة. وعندما سألته لماذا فعل ذلك، قال لي وبكل صراحة: “أنا لا يهمّني أمر هؤلاء الناس.” فقلت له” أحقاً تعني ما تقول؟”. لقد كان لدى هذا الشخص إحساس عميق كامن تحت كل هذا الشعور بعدم التعاطف. ويتلخّص هذا الإحساس بأن أهدافه وأسلوبه في إنجاز هذه الأهداف أكثر أهمية من أي شيء آخر. نعم لقد كان أذكى، وبالتالي لم يكن مهتمّاً بما يريده هؤلاء الأشخاص الآخرون. وظلّ على هذه الحال حتى أدرك يوماً بأنه على وشك تدمير عائلته – فزوجته كانت قاب قوسين أو أدنى من تركه، بينما كان أبناؤه قد توقفوا عن مطالبته بممارسة النشاطات معهم – عندها فقط فهم سبب تدميره لكل مجموعة وبالتالي لكلّ جزء من الشركة كانت يده تمتدّ إليه.

5. لا يفكّرون كثيراً – وخاصّة بدوافعهم ومشاعرهم: يُعتبر غياب الوعي بالذات – سواء كان يتمّ بطريقة واعية أم غير واعية – وإلى حدّ كبير هو السبب الأساسي لكل السلوكيات السيئة التي رأيتها موجودة ضمن الفرق. ولنأخذ على سبيل المثال حالة المدير التنفيذي الذي ذكرته قبل قليل. عندما حاولنا سبر جذور مشكلته في العمق، اكتشفنا بأن السبب الذي دفعه إلى تدمير الجميع هو شعوره بالخوف. لذلك كان يحاول أن يتمكّن من زملائه في مكان العمل قبل أن يتمكّنوا منه. أمّا في المنزل، فقد كان يخاف من الحميمية. نعم، هو كان يحبّ زوجته وأبناءه. لكنه لم يكن مستعدّاً للحميمية الحقيقية، لذلك نأى بنفسه عنهم.

يعمل الكثيرون منّا ضمن مجموعات تعاني من خلل وظيفي – فهي فرق تتسبّب لنا بالألم وتصيبنا بحالة من عدم السعادة الشديدة. والناس غير السعداء يعتبروا موظفين غير منتجين وهذا في الحدّ الأدنى. كما أن الناس غير السعداء في العمل هم أشخاص غير سعداء في المنزل أيضاً، وهذا يجعل عائلتهم غير سعيدة أيضاً، وهكذا دواليك. لكننا كبشر قادرون على أن نتوصّل إلى حلول لهذه الحالة، ويتعيّن علينا إيجاد هذه الحلول.

يحتاج العمل بفعالية ضمن أي فريق إلى بذل الجهد – كما أنّه يتطلّب ذكاءً عاطفياً. فإذا كنت تريد لفريقك أن يكون في حالة صحّية، وأن يعمل بفعالية، يتعيّن عليك أن تتحمّل مسؤولية الطريقة التي تظهر بها أمامهم ومسؤولية الأشياء التي تفعلها.

تُظهرُ الدراسات التي أجراها فانيسا دروسكات وستيفن وولف بأن الذكاء العاطفي أمر أساسي للغاية لفعالية الفريق. كما تُظهرُ أيضاً بأنه عندما يستعمل عدد أكبر من أعضاء الفريق ذكاءهم العاطفي فإن ذلك الفريق سيكون أقدر على تطوير آليات تدعم الثقة، وتعطي هوية واضحة للفريق، وتمنحه إحساساً بالكفاءة الجماعية. وهذه هي المعايير والآليات التي تدعم النجاح الجماعي القابل للديمومة.

كما بحثت دراسات أخرى العلاقة بين الذكاء العاطفي وعملية إدارة النزاع ضمن الفريق، ولم يكن مفاجئاً أن يثبت وجود علاقة بين الاثنين. فعلى سبيل المثال، قام آيوكو وزملاءه باستكشاف العلاقة ما بين الذكاء العاطفي والمناخ العام والنزاع. وقد اكتشفوا بأن هناك قدراً أكبر من النزاع يحيط بالمهام والعلاقات عندما تكون معايير التعاطف، ومهارات إدارة العواطف، وإدارة النزاع أقل تطوّراً بين أعضاء الفريق والقادة، الأمر الذي يترك أثره على المناخ، وبالتالي على النتائج والمحصلات. وقد عرض جوردون وتروث نتائج مشابهة عندما درسا العلاقة بين الذكاء العاطفي وحلّ المشاكل وحلّ النزاعات ضمن الفرق.

يحتاج النجاح في العمل ضمن أي فريق إلى ذكاء عاطفي مرتفع. وإذا كنت تريد أن تطوّر وعيك بذاتك، ناهيك عن الكفاءات الأخرى مثل التعاطف مع الآخرين وإدارة الذات، فإنك بحاجة إلى التعمّق بشكل أكبر. والسبب في ذلك هو أن تحسين ذكائك العاطفي يرتبط بالنمو الشخصي أكثر بكثير من ارتباطه بالتطوّر المهني.

ملاحظة أخيرة: هل تذكرون ذلك المدير التنفيذي الذي عمله معه؟ لقد عمل بشكل جاد على تطوير ذكائه العاطفي، وخاصّة وعيه بذاته، وتعاطفه مع الآخرين، وإدارته لذاته. وقد حصل على الوظيفة. وحاول أن يطبّق ما تعلّمه عن نفسه وتأثير ذلك على الآخرين على عائلته. وبدأ يرى زوجته وأطفاله فعلياً، للمرّة الأولى ربما منذ سنوات. استغرق الأمر بعض الوقت، لكنهم عادوا ليكونوا قريبين من بعضهم مجدداً.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz