الاستعانة بالجمهور كشركاء في الابتكار

17 دقيقة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

أصبح الجمهور هو الشريك المفضل للإجابة عن الأسئلة الأكثر صعوبة في الابتكار والبحوث، وقد توجهت شركة “آبل” إلى أعداد كبيرة من المستخدمين والمطورين الموزعين في شتى أنحاء العالم لدفع عجلة نموها من خلال الاستعانة بالجمهور كشركاء وإنشاء تطبيقات ومدونات صوتية من شأنها تعزيز منتجاتها. واستخدم علماء الأحياء في “جامعة واشنطن” مجموعات من الجهات المساهمِة الخارجية لرسم تركيبة الفيروس المتسبب بمرض الإيدز الذي حيّر الخبراء الأكاديميين وخبراء المجال لأكثر من 15 عاماً. وعلى الرغم من قائمة قصص النجاح المتزايدة فيما يتعلق بالاستعانة بالجمهور، فإن عدداً قليلاً فحسب من الشركات يستعين بالجمهور بفعالية أو يستعين به كثيراً أصلاً.

ومن المفهوم توخي المدراء الحذر بشأن الاستعانة بالجمهور؛ حيث إن طرح المشكلات على مجموعة واسعة من الدخلاء يبدو أمراً محفوفاً بالمخاطر، بل وغير طبيعي، لا سيما للمؤسسات القائمة على الابتكار الداخلي. إذ كيف يمكن، على سبيل المثال، لشركة حماية ملكيتها الفكرية؟ ألا يمثل دمج الحلول التي يوفرها التعهيد الجماعي في عمليات الشركات كابوساً إدارياً؟ وماذا بشأن التكاليف التي ينطوي عليها ذلك؟ وكيف يمكنك التأكد من حصولك على حل مناسب؟

كيفية الاستعانة بالجمهور كشركاء

في حين أن هذه المخاوف منطقية، إلا أنّ استبعاد التعهيد الجماعي من مجموعة أدوات الابتكار للشركات يعني فقدان فرصة. والسبب الرئيس الكامن وراء مقاومة الشركات الاستعانة بالجمهور هو أن المدراء لا يفهمون بشكل واضح أنواع المشكلات التي بوسع الجمهور التصدي لها بشكل أفضل، وكيفية تولي إدارة هذه العملية. وقد درسنا، خلال العقد الماضي، العشرات من تعاملات الشركة مع الجمهور في مشاريع الابتكار في مجالات متنوعة مثل علم الجينوم والهندسة وبحوث العمليات والتحليلات التنبؤية وتطوير برمجيات المؤسسات وألعاب الفيديو وتطبيقات الهواتف المحمولة والتسويق. وحددنا، استناداً إلى هذا العمل المتمثل في المجموعة الداعمة للنظرية الاقتصادية والاختبارات التجريبية الصارمة، متى يتفوق الجمهور على الابتكار داخل المؤسسة، وبالقدر نفسه من الأهمية، متى لا يتفوق عليه. وفي هذه المقالة، نقدم إرشادات بشأن اختيار أفضل شكل من أشكال التعهيد الجماعي للتعامل مع أي موقف. ونراجع أيضاً كيف تساعد التقنية المدراء على التصدي لهذه المخاوف. فالواقع أن الاستعانة بالجمهور في سبيل أن تغدو هي الاتجاه السائد في الابتكار. وحتى لو لم تغتنم الجمهور، فسيستفيد منه منافسوك بالتأكيد.

تجاوز نطاق “الصنع أو الشراء” من أجل الاستعانة بالجمهور كشركاء

دعونا نبدأ بالإشارة إلى الاختلافات الأساسية بين حل المشكلات بالاستعانة بالجمهور والنماذج المؤسسية التقليدية. فإن الشركات تُعد بيئات حسنة التنسيق نسبياً لتجميع المعرفة المتخصصة وحشدها لمعالجة المشكلات والاستفادة من فرص الابتكار. وفي المقابل، فإن الجمهور الفعال يتسم بطابع حر وغير مركزي. فهو يطرح المشكلة لشتى الأفراد الذين يتمتعون بمهارات وخبرات ووجهات نظر متنوعة. ويمكن أن يعمل الجمهور في نطاق يتجاوز حتى نطاق أكبر الشركات العالمية وأكثرها تعقيداً، مستقطباً عدداً أكبر من الأفراد للتركيز على تحدٍ ما.

ويعني هذا، في بعض الحالات، أنه يمكننا حل المشكلات بشكل أكثر كفاءة. على سبيل المثال، عملنا مع مركز “هارفارد للعلوم السريرية والتحويلية، المعروف باسم “هارفارد كاتاليست” (Harvard Catalyst)، لتصميم مسابقة لحل مشكلة بيولوجية حاسوبية صعبة كانت لها انعكاسات بحثية وتجارية فورية. واستعنّا، لتوفير منصة للمسابقة، بشركة “توب كودر” (TopCoder)، وهي شركة تدير مسابقات في برمجة الكمبيوتر. واجتذبت المسابقة، التي استمرت أسبوعين، حلولاً قابلة للتطبيق من 122 شخصاً قدّم حلاً، وهو رقم مذهل. وقد تفوقتْ غالبية الحلول على جودة الحلول التي طورها علماء الكلية على مدار سنوات، وعلى حلول الخبراء في معاهد الصحة الوطنية.

ويوفر الجمهور، فضلاً عن مزايا النطاق والتنوع، حوافز تجد الشركات صعوبة في مضاهاتها. فتعمل الشركات وفق الحوافز التقليدية، أي الرواتب والعلاوات، ويُكلَّف الموظفون بأدوار مرسومة ومسؤوليات محددة بشكل واضح، وهو الأمر الذي لا يشجعهم على البحث عن تحديات خارج نطاق اختصاصهم. بينما تُظهر الأبحاث أن الجمهور تستحثه الدوافع الداخلية الجوهرية، مثل الرغبة في التعلم، التي من المرجح أن يكون لها دور عندما يقرر الأشخاص بأنفسهم ما هي المشاكل التي يتعين عليهم التصدي لها. (هل يمكنك أن تتخيل أي شركة تدفع مرتباً للموظف الذي يتجول في الأرجاء بحثاً عن مشكلة لحلها؟). ومن العوامل المحفزة الأخرى فرصة تلميع المرء صورته بين مجتمع كبير من أقرانه، (ومن المؤكد أن الحصول على المال يمثل حافزاً أيضاً). كما أن الجمهور غالباً ما يكون أكثر فعالية من ناحية التكلفة لكل ناتج أو لكل عامل مقارنة بالحلول التقليدية التي تقدمها الشركات.

لذا، على الرغم من أن الأساليب الداخلية في الشركات، التي تشبه الجمهور في الإبداع واستحداث الأفكار، مثل “التجمعات” و”أسواق الأفكار” و”المشاريع الريادية الشخصية”، يمكن أن تزيد نطاق الاستكشاف والمرونة داخل الشركات، إلا أنها تختلف نوعياً عن القدرات الكاملة للجمهور الخارجي ولا ترقى إليها. وفي الوقت نفسه، ينبغي القول إن فوائد الجمهور لا تساهم بشيء بمفردها في الحد من مخاوف الإدارة المذكورة آنفاً. وسنشرح الضمانات والآليات الأخرى التي تتصدى لهذه المخاوف.

وقد كان التعهيد الجماعي، بصفته وسيلة للتعامل مع مشكلات الابتكار، موجوداً بشكل أو بآخر منذ عدة قرون. وساعدتْ مجتمعات المبتكرين في إطلاق صناعات بأكملها، بما في ذلك الطيران والحوسبة الشخصية. ويكمن الفرْق اليوم في التقنية؛ فقد تغيرت، خلال العقد الماضي، أدوات التطوير والتصميم والتعاون بشكل جذري، فأصبحت أقوى تأثيراً وأسهل استخداماً طوال الوقت، حتى مع انخفاض أسعارها. ومما لا يقل أهمية عن ذلك أن منصات التعهيد الجماعي عبر الإنترنت أضحت أكثر تطوراً، ما يجعل من السهل أكثر من أي وقت مضى إدارة الموظفين المنتشرين ودعمهم والتوفيق بينهم. ويمكن للشركات إنعاش الجمهور (باستخدام أنظمة الحوافز، على سبيل المثال) وإعادة توزيعه عبر سلسلة مستمرة من المشكلات. وخلاصة القول: أضحى الجمهور مؤسسة ثابتة متوفرة حسب الطلب.

ويجب عليك بعد أن تقرر أنك تواجه تحدياً لا يمكن لشركتك، أو لا ينبغي لها، أن تتصدى له بمفردها، معرفة كيفية العمل مع الجمهور في الواقع. ويمكن أن يبدو مشهد الاحتمالات، من الوهلة الأولى، محيراً. إلا أنّ التعهيد الجماعي، على مستوى عالٍ، يتخذ بشكل عام واحداً من أربعة أشكال مختلفة، وهي: المسابقات والمجتمعات التعاونية والمكمِّلات أو أسواق العمل. وكل شكل منها يناسب نوعاً معيناً من التحديات. دعونا ندرس فيما يلي كل واحد منها.

[su_expand more_text=”المزيد” less_text=”أقل ” height=”290″ link_color=”المزيد” link_align=”right”]

وقت  وكيفية ممارسة التعهيد الجماعي

لتحقيق الاستفادة الكاملة من الابتكار المدعوم من الجمهور، يجب عليك فهم أنواع المشكلات التي يمكنك حلها من خلال عملية الابتكار المفتوح وسبب ذلك. وفيما يلي ملخص للطرق الأربعة الرئيسة التي يمكنك استخدامها.

الهدفالتحدياتالاستخدام الأمثل لها
المسابقاتإيجاد حلول مهمة للمشكلات المعقدة أو الجديدة من خلال إجراء تجارب مستقلة وواسعة النطاق ومتنوعة.يجب تعميم المشكلة وتجريدها من التفاصيل الخاصة بالشركة.المشكلات التقنية والتحليلية والعلمية الصعبة للغاية؛ مشكلات التصميم؛ المشاريع الإبداعية أو الجمالية.
المجتمعات التعاونيةجمع عدد كبير من المساهمات المتنوعة في مكان واحد بهدف خلق قيمة.افتقار الجمهور إلى الثقافة المشتركة وإلى الاتساق الذي تتمتّع به الشركة، وهو ما يجعل التحكم بمساهماتهم أمراً صعباً؛ عدم القدرة على حماية الملكية الفكرية.مجتمعات دعم الزبائن؛ منصات الويكي؛ مشاريع التعاون المفتوح لمنتجات المعلومات والبرمجيات ذات الأصول التكميلية داخل الشركة؛ الأسئلة الشائعة.
المكملونتشجيع الحلول المبتكرة للمشكلات المختلفة التي يواجهها المستخدمون مع المنتج الأساسي.قد يكون من الصعب توفير الوصول إلى الوظائف والمعلومات في المنتج الأساسي من الناحية التكنولوجية وحماية أصولك في الوقت نفسه.مبادرات بيانات التشغيل أو الإنتاج أو التسويق المفتوحة؛ عمليات الدمج بين المحتوى؛ التطبيقات.
أسواق العملمطابقة المواهب مع المهام المنفصلة بكفاءة ومرونة.قد يكون من الصعب تحديد المشكلات التي يجب تفويضها وهوية الشخص الذي سيدير مجموعة العمل في المؤسسة.فئات عمل راسخة يمكن وصفها وتقييمها بوضوح ؛ الحوسبة البشرية؛ المهام المتكررة.
[/su_expand]

إجراء مسابقات للجمهور

الطريقة الأكثر مباشَرة لإشراك الجمهور هي إطلاق مسابقة، فيحدد الراعي (الشركة) مشكلة معينة، ويقدم جائزة نقدية، ويبث دعوة لتقديم الحلول لها. وقد حلّت المسابقات بعضاً من أصعب التحديات العلمية والتقنية في التاريخ، بما في ذلك البحث عن طريقة لتحديد خط الطول في البحر. إذ تأسستْ جائزة خط الطول بموجب قانون صادر عن البرلمان البريطاني في عام 1714 بعد أن حاول مجموعة من العلماء العباقرة، من بينهم جيوفاني دومينيكو كاسيني وكريستيان هيجنز وإدموند هالي وإسحاق نيوتن، التوصل إلى حل للمشكلة وفشلوا في ذلك. وكان الحل الفائز، وهو واحد من أكثر من 100 حل قُدّم، عبارة عن جهاز توقيت دقيق للغاية مكّن من التثليث الدقيق للموقع. وكان صاحب هذا الحل شخص يدعى جون هاريسون، وهو نجار وصانع ساعات من الريف الإنجليزي، وحصل في نهاية المطاف على حوالي 15 ألف جنيه إسترليني.

وتنجح المسابقات عندما تكون مجموعة المهارات أو حتى الطريقة التقنية التي ستُفضي إلى تقديم أفضل حل للمشكلة غير واضحة. ويشبه إجراء مسابقة إجراء سلسلة من التجارب المستقلة التي يمكننا أن نرى في نتائجها، في الحالات المثلى، بعض التباين. لذا، فالمسابقات، من بين أشكال التعهيد الجماعي الأربعة، مفيدة للغاية للمشكلات التي يمكن أن تستفيد من القيام بالتجارب والحلول المتعددة. وتوفر المنصات عبر الإنترنت في الوقت الحاضر، مثل “توب كودر” و”كاغل” (Kaggle) و”إنوسنتف” (InnoCenveti)، خدمات المسابقات الجماهيرية. وهي تستقطب الأعضاء وتحتفظ بهم وتتيح دفع المقابل المالي وتوفر حماية الملكية الفكرية وتسويتها ونقلها في شتى أنحاء العالم.

وعلى الرغم من أن الشركة ربما تستخدم في نهاية المطاف حلاً واحداً فقط من الحلول التي تتلقاها، إلا أن تقييم العديد من الحلول يمكن أن يوفر نظرة ثاقبة على الموضع الذي تكمن فيه “الحدود التقنية”، خصوصاً إذا كانتْ الحلول تتجمع عند حدها الأقصى. (وفي المقابل، يمكن أن يُسفر البحث والتطوير الداخلي عن معلومات أقل كثيراً، وسؤال قائم بشأن ما إذا كان من الممكن إيجاد حل أفضل).

وقد علِمنا أن المسابقات تكون أكثر فاعلية عندما تكون المشكلة معقدة أو جديدة أو لا توجد فيها أساليب قائمة مستندة إلى أفضل الممارسات. ويصدُق هذا بصفة خاصة عندما لا تعرف مقدماً كيف سيبدو الحل الجيد. ففي الخريف الماضي، عملت شركة المستحضرات الصيدلانية “ميرك” (Merck) مع شركة “كاغل”، وهي منصة التعهيد الجماعي للتحليلات التنبؤية، لتبسيط عملياتها لاكتشاف العقاقير. وتنطوي الممارسة المتبعة لتحديد المواد الكيميائية التي يمكن أن تكون فعالة في استهداف أمراض معينة على اختبار مئات الآلاف من المركّبات، ولا توجد طريقة فعالة من حيث التكلفة لاختبار كل من هذه المركّبات ضد جميع آليات المرض المحتملة. لذا أقامت شركة “ميرك” مسابقة لمدة ثمانية أسابيع، بقيمة 40 ألف دولار، وأصدرت بيانات عن المركّبات الكيميائية التي سبق أن اختبرتها وتحدّت المشاركين لتحديد أيّها يُعقد عليه الآمال أكثر للاختبار في المستقبل. واجتذبت المسابقة 238 فريقاً قدّم أكثر من 2,500 مقترح. وكان أصحاب الحل الفائز من علماء الكمبيوتر (وليس من المختصين في العلوم الحياتية)، وذلك باستخدام أساليب التعلم الآلي التي لم تكن شركة ميرك تعلم عنها شيئاً في السابق. وكانت النتائج مذهلة، حتى استحقت أن تكون قصة الصفحة الأولى في صحيفة “نيويورك تايمز”، وتنفذ الشركة حالياً هذه الحلول.

وتعد المسابقات مفيدة أيضاً في حل مشكلات التصميم التي يؤثر الإبداع والاعتبارات الذاتية فيها على تقييم الحلول. إذ تطلب شركة “تونغال” (Tongal)، وهي وكالة إعلانات تستعين بالجمهور، بصورة منتظمة، تقديم اقتراحات للحملات الإعلانية لشركات المنتجات الاستهلاكية. وفي صيف عام 2012، عملت شركة “كولجيت بالموليف” (Colgate-Palmolive) مع مجتمع وكالة الإعلانات “تونغال” في تحدٍ لمدة شهرين بقيمة 17 ألف دولار، لتطوير إعلانات لحملة “تولَّ زمام الأمر” الخاصة بالعلامة التجارية “سبيد ستيك”، واختارتْ الشركة أحد الاقتراحات المقدمة من الجمهور للإعلان الذي بثته خلال المباراة النهائية لدوري كرة القدم الأميركية، بتكلفة بلغت 4 ملايين دولار. واحتل إعلان وكالة “تونغال”، في المراجعة السنوية التاسعة للإعلانات، التي قامت بها كلية “كيلوغ للإدارة”، المرتبة 12 من أصل 36، متفوقاً على إعلانات شركات “كالفن كلاين” (Calvin Klein)، و”فولكس فاغن” (Volkswagen)، و”كوكاكولا” (Coke)، و”تويوتا” (Toyota)، و”بيبسي” (Pepsi).

تُعد شركة “تونغال” واحدة فحسب من عدد من منصات المسابقات المتاحة للشركات التي تواجه تحديات في التصميم. فقد عملت شركة “آتش واي في إي” (HYVE)، على نحو موسع مع شركات متنوعة مثل “إنتل” (Intel)، و”بروكتر آند غامبل” (Procter & Gamble) للاستعانة بالآلاف من الجمهور لاختراع استخدامات للمنتجات والتقنيات الجديدة والحالية على حد سواء. وتشمل الشركات الأخرى في هذا المجال شركة “كويركي” (Quirky) (التي تستعين بالجمهور لتقديم تصورات جديدة بشأن المنتجات والخدمات)، و”كراود سبرنج” (crowdSPRING)، و”ديزاين كراود” (DesignCrowd)، و”99 ديزاينز” (99designs) (التي تستعين بالجمهور في الشعارات وتصميم الرسومات).

وتنطوي إدارة مسابقات التعهيد الجماعي، بالطبع، على تحديات إدارية. ويتمثل التحدي الأول في تحديد مشكلة مهمة بما يكفي لتستوجب القيام بتجارب مخصصة. ويجب من ثم “استخلاص” المشكلة من المؤسسة، بتفسيرها أو تعميمها لتكون مفهومة على الفور لأعداد كبيرة من واضعي الحلول من خارج المؤسسة. ويجب كذلك “إيجازها” لتجنب الكشف عن التفاصيل الخاصة بالشركة. ويمكن أن يتضمن ذلك تقسيمها إلى عدة مشكلات فرعية ومسابقات. ويجب، أخيراً، تنظيم المسابقة لتقديم حلول يمكن للمؤسسة تنفيذها على نحو مُجدٍ.

ويجب تشجيع المسابقة على نحو يجتذب المشاركين البارعين بالقدر الكافي لتحظى بالاهتمام الكافي من الجمهور، عبر منح الجوائز، وأن تُمثل المسابقة فرصة للمرء لتعزيز مكانته بين أقرانه. ويجب على راعي المسابقة إيجاد نظام لتسجيل النقاط والالتزام به منذ البداية. وفضلاً عن ذلك، يجب وضع شروط تعاقدية واضحة ومواصفات تقنية (تتضمن تصميم منهج العمل) لضمان المعالجة السليمة للملكية الفكرية.

المجتمعات التعاونية بين الجمهور

صدمتْ شركة “آي بي إم” (IBM)، في يونيو/حزيران من عام 1998، صناعة البرمجيات في العالم بإعلانها نيتها التخلي عن جهودها الداخلية المتعلقة بتطوير البنية التحتية لخوادم الويب والانضمام إلى مجتمع أباتشي (Apache)، وهو مجتمع ناشئ على الإنترنت يضم مدراء المواقع الشبكية والتقنيين. وكان مجتمع أباتشي يجمع مساهمات متنوعة من عضويته العالمية للإسراع في تقديم منتج كامل المزايا ومجاني يتفوق بكثير على أي عرض تجاري. وبعد ذلك بعامين، أعلنت “آي بي إم” عن مبادرة مدتها 3 سنوات بقيمة مليار دولار لدعم نظام التشغيل مفتوح المصدر لينوكس، وتوظيف أكثر من 700 مهندس للعمل مع المئات من مجتمعات المصادر المفتوحة لإنشاء مجموعة من منتجات البرمجيات بشكل مشترك.

وأدركت “آي بي إم”، من خلال التعاون مع مجتمع تعاوني، ميزة ذات شقّين: الأول هو أن مجتمع أباتشي يتكون من عملاء يعرفون عيوب البرنامج ولديهم المهارات اللازمة لإصلاحها. ويتمثل الشق الثاني في أن لكل فرد بوجود الكثير من المتعاونين في العمل، الحرية في التصدي لمشكلته الخاصة مع البرنامج وعدم القلق بشأن باقي المكونات. وبعد أن حلّ الأفراد مشكلاتهم الخاصة، دُمِجت حلولهم في البرنامج الذي يتطور باستمرار. وقد علّلت شركة “آي بي إم” ذلك بأن الجمهور كان يتفوق عليها في لعبة البرمجيات، لذا سيكون من الأفضل توحيد الجهود وجني ثمار ذلك عبر الأصول المتكاملة مثل المعدات الحاسوبية والخدمات.

تستحث الجمهور الدوافع الداخلية الجوهرية، مثل الرغبة في التعلم وتلميع المرء صورته بين مجموعة أقرانه.

وللمجتمعات التعاونية تاريخ عريق وحافل، شأنها في ذلك شأن المسابقات. فقد كانتْ بالغة الأهمية في تصنيع هنري بيسمير للحديد، وفي تصنيع أفران الصهر، وفي تصنيع محركات الضخ “كورنيش” (Cornish)، وفي إنتاج الحرير بكميات ضخمة. إلا أنّه في حين تفصل المسابقات بين المساهمات وتزيد القيام بالتجارب المتنوعة إلى أقصى حد، تُنظم المجتمعات التعاونية لحشد النواتج الصادرة عن الجهات المساهِمة المتعددة وتجميعها في مجموع متماسك من شأنه خلق القيمة كما هو الحال في الشركات التقليدية. ويجب على المجتمعات، شأن الشركات، أولاً تقييم ما يجب تضمينه في المجموع النهائي ثم تحقيق ذلك من خلال مزيج من التقنية والعمليات.

وتكمن قوة المجتمع التعاوني في تنوعه، إلا أنه يفتقر إلى التماسك. بينما تُحقق الشركات التماسك بالهياكل والأنظمة (مثل الحوافز) التي تتماشى مع القيم. فهي تُعيّن موظفين لملاءمتهم وتضعهم في مكان مشترك ليتسنى لهم التفاعل بشكل مباشر والاختلاط ببعضهم البعض وتشارُك الثقافة. وعلاوة على ذلك، يكتسب الموظفون خبرة ومعارف محددة في المجالات المحدودة التي تركز عليها الشركة. وبالمقابل، يمكن أن يجذب الجمهور مشاركين من شتى أنحاء العالم – من مختلف الشركات والمجالات والصناعات – الذين لديهم اهتماماتهم ودوافعهم الخاصة. وهذا يجعل السيطرة على الجمهور أكثر صعوبة.

ولننظر في حالة موقع “ويكيبيديا”. فخلال أقل من عشر سنوات، زعزعت الموسوعة المستندة إلى الإنترنت عالم المراجع وأظهرت قيمة التعاون الواسع النطاق والمتنوع للغاية ضمن نموذج تنظيمي جديد. إذ يستخدم موقع ويكيبيديا عملية آلية لتنسيق تعديلات الجمهور وتجميعها وتتبع جميع التغييرات التي تطرأ. ويضمن حجم الجمهور المشارك في موقع ويكيبيديا، بوجود عدة أشخاص يفحصون عادة أي مقال من المقالات، مراقبة شاملة لجودة المحتوى.

ويُظهر موقع ويكيبيديا أن المجتمعات التعاونية تكون أكثر فاعلية عندما تتعامل مع المشروعات التي يتسم التنسيق فيها بالبساطة نسبياً. ويعتمد التعاون بين الجمهور على التطبيق المكثف لنظام الوحدات للمهام والأعمال الروتينية الموحدة والتقنية لتسهيل التنسيق. وتنبثق المعايير ومشاركة المعرفة والفِرق والقيادة للتعامل مع ما تتطلب عمليات اتخاذ القرارات والتنسيق البسيطة، إلا أنّ هذه الهياكل أكثر مرونة من الهياكل الموجودة في معظم الشركات.

ويمكن للمؤسسات تجميع مجتمعاتها الخاصة، لكنه قد يكون أمراً شاقاً ويستغرق وقتاً طويلاً، تحديداً عندما يجب تخصيص الموارد للإشراف على هذه المنصات. وتتضمن معظم مبادرات الجمهور في الشركات قدراً ضئيلاً من التنسيق، مثل صفحات الأسئلة الشائعة، على سبيل المثال، التي يمكن للعملاء المساهمة فيها. وتمضي بعض الشركات، لاسيما شركات التقنية والإلكترونيات، إلى ما هو أبعد من ذلك عبر إنشاء أنظمة تتيح للعملاء دعم بعضهم البعض وكذلك طلب إجابات من الشركة نفسها. فتعتمد شركة الاتصالات الأميركية، “فيرزون” (Verizon)، على مجتمع المستخدمين لديها للمساعدة في الإجابة عن الأسئلة الفنية لبعضهم البعض. واعتمد موقع “فيسبوك” على مجتمع المستخدمين الهائل لديه لترجمة موقعه الإلكتروني وخدماته إلى لغات متعددة. وتعمل شركة الألعاب الدنماركية “ليغو” (Lego) الآن مع مجتمع المعجبين بها للتوصل إلى تصميمات ومنتجات جديدة. كما طورت شركة “آيديو” (IDEO)، وهي شركة تعمل في مجال التصميم والابتكار، منصة “أوبن آيديو” (OpenIDEO) لإنشاء مجتمع عالمي من المختصين في التصميم المهتمين بحل المشكلات الاجتماعية الصعبة في مجالات متنوعة مثل حقوق الإنسان والنمو الحضري وصحة الأم والمياه والصرف الصحي.

إلا أنّ المجتمعات التعاونية تعمل على الوجه الأفضل عندما يتمكن المشاركون من تجميع الأفكار ودمجها وتبادل المعلومات بحرية. لذا، فإن حماية الملكية الفكرية أمر شبه مستحيل. وينبغي أن تفصل الشركات بشكل صارم بين الأصول المسجلة الملكية والأصول الخاصة بالمجتمعات التعاونية ومحاولة جني الأرباح من الشركات التكميلية. فتتيح شركة “جوجل” (Google) نظام التشغيل الخاص بها “أندرويد” للهواتف المحمولة، بصورة مجانية ومفتوحة، وتحقق أرباحها من تقدير قيمة نقدية للبحث عبر الهاتف المحمول الذي تُعتبر خوارزمياته مسجلَّة الملكية.

مكملات الجمهور

يتيح النوع الثالث من الابتكار الذي يتم بالاستعانة بالجمهور إمكانية إنشاء سوق للسلع أو الخدمات تتمحور حول المنتج أو التقنية الأساسية، مما يحوِّل هذا المنتج بشكل فعال إلى منصة لاستنباط ابتكارات مكملة. لنأخذ مثالاً بتطبيق “آي تيونز” (iTunes) الذي يتمحور حول منتجات شركة “آبل” الأساسية للهاتف المحمول، وهي: آيبود وآيفون وآيباد. فتنشئ مجموعات كبيرة من المطورين الموزعين جغرافياً، عبر تطبيق “آي تيونز”، طائفة مذهلة من الابتكارات المكملة مثل تطبيقات البرمجيات والمدونات الصوتية التي ينشئها المستخدمون.

وتقدم المكمّلات، على عكس المسابقات أو المجتمعات التعاونية، حلولاً للعديد من المشكلات المختلفة بدلاً من مشكلة واحدة فقط. وتكمن الفرصة في الحجم الهائل للحلول المقدمة. إذ تتيح المنصات مثل “آي تيونز” للمنتجات الأساسية الحصول على إيرادات التراخيص أو المعاملات من المكملات، التي تبيع منتجاتها لعملاء المنتج الأساسي (مثل مالكي هاتف آيفون). وتساهم المجموعة المتنوعة من السلع المكملة بما هو أكثر من تحقيق الإيرادات؛ فمن شأنها زيادة الطلب على المنتج نفسه من خلال جعله أكثر فائدة. ويمكن أن تسفر زيادة الطلب، بدورها، عن زيادة في توفير الابتكارات المكملة، وسرعان ما ستمتلك مجموعة جيدة من الآثار المترتبة على وجود الشبكات.

ومما لا شك فيه أن الجمهور لا يمثل دائماً السبيل الأفضل لإنشاء منتجات مكملة. فهو يُجدي نفعاً فقط عندما يكون العدد الكبير والمجموعة المتنوعة من المكملات ذات أهمية. وفيما عدا ذلك، فإن عدداً قليلاً من الشركاء أو حتى تنظيماً داخلياً سيحقق الهدف بشكل أفضل. إذ من الواضح أننا لا نحتاج إلى آلاف مؤلفة من مطوري كرات التنس.

ومن شأن مكملات الجمهور أن تضيف مزايا تنافسية قوية التأثير، عند الاستعانة بها في الإطار الصحيح؛ فهي تثبت قدرة شركة “آبل” على السيطرة بقوة على كل من سوق الصوتيات، متفوقة على شركات صناعية مرموقة مثل شركة “بانج آند أولفسن” (Bang & Olufsen) وشركة “بوز” (Bose)، وعلى سوق الهواتف الذكية، متفوقة على شركات “بلاك بيري” (المعروفة سابقاً بريسيرش إن موشن) (Research In Motion)، و”نوكيا” (Nokia)، و”سوني” (Sony). وتحذو شركة “فورد موتور كومباني” (Ford Motor Company) حذو شركة “آبل” بتخطيطها لتحويل إلكترونيات المركبات ووسائل الترفيه وأنظمة المعدات الحاسوبية الخاصة بها إلى منصة مفتوحة تمكّن المطورين من خارج الشركة من الابتكار. وتبرر شركة “فورد” هذه الخطوة بأن ابتكارات هؤلاء المطورين ستخلق المزيد من الطلب والقيمة لمنتجاتها، وتتيح لها منافسة شركتي “جوجل” و”فيسبوك”، اللتين تنافسان، بدورهما، في الخدمات المتعلقة بالسيارات مثل إعداد الخرائط والإشعارات المرورية وتحديد المواقع الجغرافية والمعلومات الاجتماعية.

ويتمثل التحدي الأول لاستخدام الجمهور بصفته مكملاً في توفير سبل الوصول إلى الوظائف والمعلومات في المنتج الأساسي. ويتحقق ذلك من خلال الواجهات التقنية أو الواجهات البرمجية التي تُمكّن المطورين الخارجيين من استنباط ابتكارات مكملة بسلاسة. ويمكن أن يكون هذا الأمر سهلاً نسبياً عندما يكون المنتج الأساسي بسيطاً، مثل استخلاص البيانات من موقع إلكتروني. بينما الحالات الأكثر صعوبة هي التي يجب على المكملين فيها الدخول إلى وظائف المنتج الأساسية والاستناد إليها. على سبيل المثال، يجب أن يستخدم المطورون الخارجيون واجهات برمجة التطبيقات للوصول إلى إمكانات الشركة المصنّعة للبرنامج لتطوير تطبيقات مكملة. فقد عملت مجموعة الصفحات الصفراء الكندية، على سبيل المثال، مع منصة “ماشيري” (Mashery)، وهي مقدم خدمات خارجي، لإنشاء واجهة برمجة التطبيقات التي تجعل قوائم الشركات ذات المواقع الجغرافية المحددة والمحتوى المرتبط بها متاحة لمطوري التطبيقات.

وتوجد مزايا أيضاً لتجميع الجمهور المكمل، وهي تختص بمنهج العمل في الشركة. فكّروا في بيئات العمل المتكاملة الهائلة المحيطة بشركات “مايكروسوفت” و”فيسبوك” و”آبل”، التي يعمل كل منها على نموذج يُحفز الاعتماد على جانبَي المكمل والعميل على حد سواء لبدء تفاعلات إيجابية والشروع في النمو. (وتُعد معضلة كيفية استهلال هذا الأمر هي على شاكلة معضلة الدجاجة والبيضة التقليدية، وقد حظيت بالكثير من الاهتمام البحثي في العشرين عاماً الماضية وتتجاوز نطاق هذه المقالة). وتتطلب استراتيجيات هذه الشركات خبرة ودعما كبيرين في الصناعة وتعتمد على التفاصيل الدقيقة للحالة. فهي تتضمن تصميم المنتج الأساسي وتحديد الأسعار لمختلف جوانب منهج العمل ووضع التوقعات وإيجاد مجموعة واسعة من الحوافز، من بين أمور أخرى.

ويجب عليك، إنْ كنتَ تطرح التقنية التي تمتلكها وأصولك على أطراف خارجية، التأكد من حمايتها. ويجب أن توفر المنصات المكملة سبل وصول أكثر مرونة للأطراف الخارجية لتطوير مجموعة واسعة من الحلول، على عكس المسابقات، التي يمكنها التحكم بدقة في طرح الأصول على أطراف خارجية لاستنباط حل واحد محدود. وقد أضحت العقود مع المطورين شكلاً من أشكال الممارسات المقبولة في المجال في الوقت الحالي.

أسواق العمل للجمهور

في حين تُقدم المسابقات مكافآت للجمهور للتوصل إلى حلول لمشاكل محددة، تربط أسواق العمل بين المشترين والبائعين للخدمات وتوظف التعاقد التقليدي للخدمات المقدمة. وهي ليست منصات ترغب الشركة في إنشائها بنفسها، بل هي بالأحرى طرف ثالث يقوم بدور الوساطة، مثل منصات “إيلانس أوديسك”، و”غورو” (Guru)، و”كليك وركر” (Clickworker)، و”شورت تاسك” (ShortTask)، و”سما سورس” (Samasource)، و”فريلانسر” (Freelancer)، و”كلاود كراود” (CloudCrowd). وتعمل هذه المنصات ذات المرونة العالية باعتبارها أسواق عمليات فورية، وتوفر المواءمة بين المهارات والمهام، بدلاً من ربط الموظفين بالوظائف داخل الشركات للعمل طويل الأجل (كما يفعل المزيد من الوسطاء التقليديين في سوق العمل). وغالباً ما تقوم هذه المنصات بالمواءمة حسب الطلب لتقديم دعم فوري على نحو غير مسبوق. على سبيل المثال، تفتخر شركة “أوديسك”، التي يقع مقرها في ولاية كاليفورنيا، بوجود 2.5 مليون موظف عليها وأكثر من 495 ألف عميل مسجل، وهي ترصد أداءها ليس من ناحية عمليات التوظيف التي تتم بل، من ناحية عدد ساعات العمل.

ومن الأهمية بمكان لنجاح أسواق العمليات الفورية المرنة هذه التطور المتزايد لبنيتها التحتية التقنية وتصميم منصاتها، التي تتيح إدارة المعاملات بشكل فعال. إذ توفر المنصات الداعمة تقييمات للسمعة والمهارات، وأنظمة العطاءات وإجراءات التظلم وتقنيات المراقبة وخدمات الضمان التي تحتفظ بالمبالغ المالية في حساب طرف ثالث لتقليل التنازعات بين المشترين والبائعين إلى أدنى حد. وتعني هذه الترتيبات أن عقود العمل يمكن أن تنفذ خارج سياق علاقات العمل طويلة الأجل، ما يقلل بشكل جذري تكاليف بدء التشغيل والمعاملات. ومن هذا المنطلق، فإن هذا النموذج، إلى جانب المجتمعات التعاونية، هو الأقرب إلى التداخل مع التنظيم التقليدي للشركات، إن لم يحل محله بالضرورة.

تعمل أنظمة التعهيد الجماعي المتطورة عبر الإنترنت على جعل عملية إدارة الموظفين الموزعين ودعمهم أسهل من ذي قبل. وأصبح الجمهور، بصفة أساسية، مؤسسة ثابتة متوفرة حسب الطلب.

وتنجح أسواق العمل الفورية عندما تكون على علم بنوع الحل الذي تبحث عنه وصفات واضع الحل المناسب. ونظراً لأن أسواق العمل الفورية يجب أن تحدد الموظفين المؤهلين قبل توظيفهم وأن تجمع بيانات أداء هادفة، فهي تنظم المشاريع والمشاركين في فئات اعتيادية مثل تطوير المواقع الشبكية وتطوير البرمجيات والتصميم والوسائط المتعددة والمبيعات والتسويق وخدمة العملاء. ومن شأن مثل هذا التوحيد القياسي أن يجعل تقييم مهارات الموظفين وإنتاجيتهم أسهل من ذي قبل ويحقق المواءمات السليمة ووضع التوقعات على جميع الأطراف. وتمضي المنصات نفسها إلى أبعد من ذلك للمساعدة في ضمان المواءمات رفيعة المستوى من خلال قياس مهارات الموظفين وقدراتهم واحتياجات أصحاب العمل وجمع بيانات وفيرة بشأن الأداء والتعليقات، ثم السماح باستخدام هذه البيانات في المواءمات المستقبلية. ويمكن ترجمة البيانات إلى دعم تحليلي قائم على الخوارزمية للمواءمة الدقيقة للوظائف المستقبلية، بما يتجاوز خصائص البحث المعتادة لمواقع التوظيف التقليدية مثل موقع “مونستر دوت كوم” (Monster.com). (جرّب القيام بذلك مع الموظفين المخبئين داخل المؤسسات، الذين لا يحظون بالملاحظة أو القياس إلى حد كبير).

وتتيح التكاليف المنخفضة للمعاملات في أسواق العمل التعهيد الخارجي ذي الحجم الصغير للغاية. على سبيل المثال، يمكن أن تكلف الخدمات فعلياً بنسات لكل مهمة، كما هو الحال في سوق التعهيد الجماعي “أمازون ميكانيكل تيرك” (Amazon Mechanical Turk). والمهام التي تتناسب بشكل خاص مع أسواق العمل للجمهور هي المهام المتكررة التي تتطلب ذكاءً بشرياً، إلا أنّ تعيين موظفين بدوام كامل للقيام بها يكون صعباً ومكلفاً، مثل إدخال البيانات البسيط أو شرح الصور الفوتوغرافية أو تنقية مجموعات البيانات. بل إن إجراء “حساب بشري” بأعداد كبيرة الآن موفر للتكاليف، وبصفة أساسية مهام التعهيد الخارجي التي يمكن لشخص القيام بها بشكل أفضل من جهاز الكمبيوتر، مثل تحديد الأشخاص في الصور الفوتوغرافية. إذ يستخدم موقع “تويتر” سوق العمل الفورية على “أمازون ميكانيكل تيرك”، بدلاً من الاعتماد على الخوارزميات المستندة إلى الآلة، للرد على استعلامات البحث التي يقوم بها المستخدمون عن المواضيع الأكثر رواجاً. واستعانت قناة “ناشيونال جيوغرافيك” (National Geographic) مؤخراً بجمهور يتألف من حوالي 28 ألف شخص للتدقيق في صور ملتقطة بالقمر الصناعي لمنغوليا بحثاً عن قبر جنكيز خان.

استعانتْ قناة “ناشيونال جيوغرافيك” مؤخراً بجمهور يتألف من حوالي 28 ألف شخص للتدقيق في صور ملتقطة بالقمر الصناعي لمنغوليا بحثاً عن قبر جنكيز خان.

وينبغي أن تكون أسواق العمل الفورية امتداداً لعمليات التوظيف والتعهيد الخارجي الحالية أكثر من كونها تحولاً جذرياً عنها. فهي تمنح الشركات المرونة وإمكانية الحصول على مجموعة أكبر وأكثر تنوعاً من المهارات، شأنها في ذلك شأن التعهيد الخارجي. كما أنها تُحسّن المواءمة بين المواهب والمهام أكثر من أي وقت مضى.

وتُعد التحديات التي تواجه الإدارة في الاستفادة من أسواق العمل الفورية طفيفة مقارنة بالتحديات التي تنطوي عليها الأشكال الأخرى من التعهيد الجماعي. ويمكن أن يكون الشاغل الأكبر حيالها هو تحديد المهام التي يتعيّن أن توكَل ومَن ينبغي أن يديرها داخل مؤسستك. على سبيل المثال، يمكن أن يتواءم عدد قليل من المساعدين الشخصيين داخل الشركة مع إنتاجية الكثيرين إذا تمتْ دعوتهم لإدارة مجموعة دعم من الجمهور. وفي الحالات المثلى، سوف يُسفر أسلوبنا في التنظيم دائماً عن دوافع قوية ويحقق السلاسة في التنسيق والاستفادة من المعرفة ذات المستوى الرفيع. غير أن أي نهج في التنظيم ينطوي على تحديات. وينطبق ذلك على الشركات والجمهور على حد سواء. إذ إن كلاً منهما لديه نقاط قوة ونقاط ضعف وينطوي على موازنات. وعلى الرغم من ذلك، يوسع الجمهور، في نهاية المطاف، نطاق قدرات الشركات. وينبغي أن يُنظر إليه بصفته وسيلة أخرى لحل المشكلات المؤسسية.

ولا تزال التقنية التي ضاعفتْ فاعلية التعهيد الجماعي وتطبيقه حديثة العهد نسبياً، لذا من السابق لأوانه للغاية فهم عمق ومدى الجمهور في كل مجالات الاقتصاد. بيد أن التجارب الحديثة والبحوث المتزايدة تشير إلى أننا ربما نشهد الآن الملامح العامة فحسب لتوسع حقيقي في القدرات، وهو توسع ينطوي على انعكاسات مهمة لحل المشكلات الأكثر غموضاً، التي يمكن أن تظل بلا حل في حال أبقيت داخل الشركات، ولإيلاء عدد من المهام الأكثر قابلية للتصنيف الاهتمام اللازم. وعلى الرغم من أن التحديات التي تواجه الإدارة حقيقية، إلا أنه لا يمكن القول إنها مكبّلة. غير أنها تتطلب وضع قدْر كبير من الطاقة والذكاء في تصميم أنظمة لتنظيم العمل خارج جدران الشركة مثلما نفعل لتنظيم العمل داخلها.

اقرأ أيضاً:

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!