في مكتبه الموجود في مبنى منخفض في مصنع السيراميك العملاق الخاص به فى جنوب غربي نيجيريا، أصر صن جيان على أن نشرب الشاي. كان قد عاد لتوه من رحلة إلى الصين، وكان لديه تشكيلة من الشاي عالي الجودة وقد أراد مشاركته مع الزوار، في لفتة تقليدية قديمة من الضيافة الصينية.

ولد صن في مدينة وين جاو (Wenzhou) وهي مدينة متوسطة الحجم فى جنوب شرق الصين. قبل 4000 سنة، تم فيها اختراع الصقيل الأخضر الفاتح الذي يسمى سيلادون لتصبح المدينة منشأ الخزف الصيني. في السبعينيات كانت هنالك أوقات صعبة للصناعة عموما في الصين. يومها ترك صن المدرسة بعد الابتدائية وبدأ بالعمل. وفى عام 1978، وبعد عامين من وفاة ماو تسى تونغ، كانت ونتشو أول مدينة فى الصين تقوم بإنشاء مؤسسات خاصة. مضى صن في طريقه بالعمل في العديد من مصانع تجهيز الجلود ووفر في نهاية المطاف مالاً يكفيه لبدء شركة جلود خاصة به. ولكن بحلول أواخر عام 2000، كانت التكاليف تتزايد بوتيرة مقلقة، وكان صن يعلم أنه يحتاج إلى الخروج من الصين. اقترح عليه صديقه أن يفكر بنيجيريا.

بالفعل، ذهب إليها في زيارة استغرقت خمسة أيام. قال لي: "وجدت كثير الفقراء فور وصولي"، "ولكن بعد ذلك أدركت أن هناك الكثير من الأغنياء أيضاً، وعلى الرغم من أنه من الصعب النجاح في هذه السوق، إلا أنها صعبة على الجميع أيضاً".

عندما عاد إلى الصين، اتصل بصديقه في سلطة الجمارك وسأله عن أثقل وأغلى شحنة منتجات تم تصديرها بكميات كبيرة إلى نيجيريا. فكانت الإجابة، سيراميك.

بعد تلك الزيارة الوحيدة إلى نيجيريا، خصص صن حوالي 40 مليون دولار لبناء مصنع للبلاط والسيراميك في نيجيريا. يعمل المصنع على مدار الساعة وقد وظف لديه ما يقارب 1,100 عامل، ألف منهم من السكان المحليين. وقد كانت الكهرباء غير مستقرة ومكلفة، ولكن العمل كان يجري بشكل جيد. حيث أن نيجيريا، مع افتقارها النسبي للمنافسة والطلب المزدهر، أعطت صن الفرصة لكسب هامش ربح 7%، مقارنة مع الـ 5% التي كان يحصل عليها في الصين. ففي الصناعة، غالباً ما تكون هوامش الربح ضيقة جداً، لذا فإن هذه الـ 2% تعتبر نسبةً كبيرة.

لا تعتبر قصة صن أمراً غير اعتيادي. فوفقاً للبيانات الصادرة عن وزارة التجارة الصينية، فإن الشركات الصينية التي يمتلكها القطاع الخاص تقوم بأكثر من 150 استثماراً سنوياً في قطاع الصناعات التحويلية في أفريقيا، مقارنة باستثمارين فقط عام 2000. وقد يكون الرقم الحقيقي أكبر بضعفين أو ربما ثلاثة أضعاف: فالباحثون الذين يقومون بالعمل الميداني دائماً ما يجدون شركات صينية لا تؤخذ بعين الاعتبار في البيانات الحكومية.

هذه الشركات لديها أثر كبير. ففي نيجيريا، قامت الشركات الصينية بصهر الحديد الصلب لدعم صناعة البناء فى أكبر اقتصاد في إفريقيا.

في مدينة ليسوتو الصغيرة، تنتج الشركات الصينية والتايوانية كميات ضخمة من سراويل اليوغا الخاصة بماركة كول (Kohl)، والجينز الخاصة بماركة (Levi's)، والملابس الرياضية الخاصة بماركة ريبوك، والتي تصدَّر إلى مراكز التسوق في الولايات المتحدة. لقد جعلوا صناعة الملابس أكبر قطاع اقتصادي في البلاد. وفي إثيوبيا، في الوقت الذي قامت شركة (GSK) البريطانية العملاقة بإلغاء خططها لبناء مصنع لإنتاج الأدوية، قامت شركة الأدوية الصينية "هيومان ويل (Humanwell)" بتشييد موقع إنتاجي بقيمة 20 مليون دولار خارج أديس أبابا؛ ووافق مجلس إدارته في نهاية المطاف على استثمار مبلغ قدره 100 مليون دولار في قطاع الأدوية في إثيوبيا. خلال السنوات القليلة الماضية، تحدثت إلى ما يقارب 50 رائد أعمال صناعي في أكثر من ست دول إفريقية. في الصفحات التالية سأشرح كيف تحول استثماراتهم اقتصاد ومجتمع إفريقيا من خلال توفير فرص عمل حقيقية لأول مرة للملايين من الأفارقة، وتعزيز جيل من رجال الأعمال الأفارقة، وإلهام المؤسسات الأفريقية لدعم مجموعات التصنيع الحيوية. طبعاً، رجال الأعمال هؤلاء ليسوا قديسين. فالرشوة، وسوء ظروف العمل، والممارسات البيئية المشكوك فيها منتشرة. بيد أن المصنعين الصينيين يتزايدون بشكل مضطرد في أفريقيا، كما أن التصنيع - خلافاً للمصادر الطبيعية أو الخدمات - يؤدي إلى إمكانية تحول صناعي. فقيام ثورة صناعية في أفريقيا لم تعد فكرة بعيدة المنال.

أكبر تجمع قوة عاملة في العالم


يتم جذب ودفع رواد الأعمال الصينيين في نفس الوقت من وإلى إفريقيا. فمن ناحية دفعهم، أصبحت الصين الرائدة في التصنيع العالمي الآن تحت الضغط التنظيمي. فالجيل الذي تأثر بسياسة الطفل الواحد قلّص حجم العمالة في البلد، مما تسبب في حدوث نقص في مراكز التصنيع الساحلية. وارتفعت تكاليف العمالة ارتفاعا حاداً في السنوات الأخيرة، حيث ارتفعت الأجور في القطاع الصناعي بنسبة 12% سنويا منذ عام 2001، وارتفعت أجور الصناعة التحويلية المعدلة حسب الإنتاجية بمقدار ثلاثة أضعاف تقريباً من عام 2004 إلى عام 2014.

ووفقا لجوستن ييفو لين (Justin Yifu Lin)، كبير الاقتصاديين السابق في البنك الدولي، "إنّ الصين على وشك التخرّج من مرحلة التصنيع ذات المهارات المتدنية ... وهذا سيوفر ما يقارب الـ 100 مليون وظيفة عمل في التصنيع، وهو ما يكفي لمضاعفة وظائف التصنيع أربع مرات في الدول ذات الدخل المنخفض". دعونا نفهم هذا الرقم في سياق أوضح، عندما وصلت العمالة التصنيعية إلى ذروتها في الولايات المتحدة، في عام 1978، كان هناك 20 مليون شخص فقط لديهم وظائف في المصانع الأميركية. أما الآن فخمسة أضعاف هذا العدد من فرص العمل على وشك الهجرة من بلد واحد: وهو الصين.

وفي الوقت نفسه، فإن أفريقيا تمر في المراحل الأولى من النمو السكاني ​​الذي سيصل إلى ملياري نسمة بحلول عام 2050، مما سيخلق أكبر تجمع للعمالة في العالم. (سيكون عدد سكان جنوب شرق آسيا 800 مليون نسمة فقط). ومع ذلك، فإن الدول الأفريقية لديها بعض أعلى معدلات البطالة في العالم. ويبلغ معدل البطالة المعلن رسمياً في نيجيريا 12.1%، لكن الحكومة تعترف بوجود 19.1% إضافية من السكان في سن العمل ضمن "العمالة الناقصة". أما بالنسبة للشباب، فإن الوضع أسوأ بكثير: فبطالة الشباب تبلغ 42.2%. وبالتالي، فإن أفريقيا وجهة طبيعية لوظائف التصنيع الصينية.

ومن وجهة نظر المستثمر، فهناك ميزة وهي أنه على الرغم من أن أفريقيا لا تزال تواجه عدة تحديات، لكن يمكن القول بأنها توفر أوسع مجموعة من خيارات السوق. فنيجيريا تُفاخر بسوق محلية هائلة ذات هوامش ربحية عالية، مع منافسة ضعيفة نسبياً على مختلف أنواع السلع الاستهلاكية. وتتمتع ليسوتو بإعفاء من التعرفة في الأسواق الأمريكية إلى جانب توفير خدمات البنية التحتية والخدمات اللوجستية في جنوب أفريقيا من أجل شحن أخر الموضات للعملاء الأمريكيين. أما إثيوبيا فهي تقدم إعفاءات ضريبية مغرية جنباً إلى جنب مع قوة عاملة رخيصة وقرباً من أسواق الشرق الأوسط الرابحة. وبعبارة أخرى، يمكن أن توفر أفريقيا موقعاً جذاباً إلى حدٍ كبير مهما كان نموذج الأعمال التجارية للشركة المصنعة.

من جهة الطلب فهو أيضاً يتطور بشكل إيجابي. لقد اتخذت الحكومات الوطنية في أفريقيا خطوات حاسمة نحو دمج الأسواق الإقليمية، مما سيخفض التكاليف ويزيد من فرص دخول الوافدين إليها. وفي عام 2015، انضم نصف البلدان في أفريقيا إلى منطقة التجارة الحرة في الثلاثية، والتي ستجمع بين 600 مليون شخص في كتلة تجارية واحدة، وتشكل الاقتصاد رقم 13 الأكبر في العالم. وقد قطعت ست دول في شرق أفريقيا خطوة إضافية، من خلال إنشاء اتحاد واحد من أجل تعزيز التجارة، ومواءمة اللوائح لتيسير ممارسة الأعمال التجارية، وإصدار تأشيرة دخول واحدة لتسهيل حركة الأشخاص عبر حدودها.

دعونا ننظر الآن إلى آثار الاستثمار الخاص الصيني في أفريقيا.

وعود المستقبل (المستقبل الواعد)


من المتداول في الشارع الأفريقي وآراء الصحف الإفريقية، أن الشركات الصينية لا توظف الأفارقة. ولكن كل دراسة حقيقية تبين عكس ذلك تماماً: فالمصانع الصينية في أفريقيا توظف السكان المحليين بأعداد كبيرة. ولا يظهر التحليل التجميعي الأخير للإحصاءات المختلفة التي تم جمعها أي عيّنة تنخفض فيها نسبة العمال المحليين عن 78%، وفي بعض الشركات التي يعمل فيها آلاف الموظفين، فالرقم يتجاوز 99%. وفي نيجيريا، أظهرت أبحاثي الميدانية (على نطاق ضيق) أن 85% من العمال الذين استأجرتهم الشركات الصينية هم من السكان المحليين. وقد أجري مسح على نطاق واسع باللغة الصينية، ووجدت كينيا أن 90% من العاملين في شركات التصنيع والبناء الصينية كانوا من الموظفين المحليين، وعلاوة على ذلك، فإن الشركات المحلية التي تعمل في كينيا زادت مع مرور الوقت عدد الموظفين المحليين.

وقد عاش الموظف أحمد إبراهيم هذا الواقع. كما أظهر لي في جميع أنحاء مصنع الورق المقوى الذي كنت أزوره في نيجيريا، ورأيت أنه يعرف كل شيء عن تصنيع الورق المقوى: التخصيصات من موردين اللب، عملية تفريغ حمولة الشاحنات من المواد الخام، كل صغيرة وكبيرة تتعلق بكل قطعة من الآلات، ووضع أحدث طلبات العملاء، ومهارة إصلاح أخطاء الطباعة. وهو يعرف جميع العمال بالاسم. إن مدير إبراهيم، صاحب المصنع، من الصين، ولكن الواضح أن إبراهيم هو من يدير الأمور.

بدأ إبراهيم من الصفر. بعد ما أنهى دراسته الثانوية، بقي مثل العديد من الرجال النيجيريين الشباب، عاطلاً جزئياً عن العمل يعتاش من خلال العمل في وظائف غريبة. بما أنه نشأ بالقرب من الحدود مع النيجر، فهو يتحدث الفرنسية. وعثر على سيارات شراء متخصصة من تجار السيارات اللبنانية الناطقة بالفرنسية في بنن المجاورة نيابة عن النيجيريين الذين كانوا يحاولون الاستفادة من رسوم استيراد السيارات التي كانت أقل بكثير في بنن Benin. وفي عام 2009 حصل على وظيفة سائق وانغ جونكسيونغ، الذي قدم حديثاً من الصين، وأعرب عن أمله في بدء عمل تجاري في نيجيريا. سرعان ما تحول إبراهيم إلى الساعد الأيمن الذي يلبّي جميع احتياجات صاحب العمل.

وجاءت اللحظة الحاسمة في علاقتهما عندما كان وانغ بحاجة لشراء سيارة لشركته الوليدة وأراد أن يفعل ما يفعله السكان المحليون: متجر في بنين لتجاوز التعرفة العالية. كان على إبراهيم أن يفعل ذلك، لأن وانغ لا يعرف الفرنسية. ولكن هل يمكن أن يتم الوثوق بإبراهيم بإعطائه الكثير من المال؟ الأمر الذي أقلق المديرين الصينيين الذين يعملون عند وانغ. وأخيراً، في قرار خاطف، أمعن وانغ النظر في إبراهيم وسلمه كامل ثمن السيارة الجديدة نقداً. وعندما غادر إبراهيم إلى بنن، هز موظفو وانغ الصينيين رؤوسهم غير مصدقين، ومقتنعين بأنها ستكون آخر مرة يرون فيها إبراهيم والمال.

لكن المفاجأة كانت عندما عاد إبراهيم مع السيارة وباقي النقود. غير أنه كان يعتذر بشدة لأنه استخدم بعض النقود لشراء زوج من "الأحذية الجميلة التي لم يستطع مقاومتها". وأصرّ على أن يتم اقتطاعها من راتبه في الشهر القادم. ومنذ ذلك اليوم، كان إبراهيم اليد اليمنى لوانغ.

وسرعان ما كان يدير العمليات اليومية للمصنع. وفضّله وانغ كثيراً، حيث جاء ذات يوم يحمل بطاقات العمل التي تعرف إبراهيم بأنه "مدير". مما أزعج الموظف الصينيّ الذي يحمل نفس اللقب. ولكن إبراهيم، الراغب في الحفاظ على السلام (ولأنه يعرف بأن لديه السلطة على أي حال)، توقّف عن استخدام البطاقات.

دون شك، غيّر العمل في مصنع صناديق الورق المقوى مسار حياة إبراهيم. ففي قبيلته، يحتاج الرجال إلى قدر معين من المال للزواج؛ وقبل أن يحصل على هذه الوظيفة، لم يكن لدى إبراهيم أي خيار سوى البقاء عازباً. الآن ليس لديه زوجة واحدة فقط، بل زوجتان.



(تعدد الزوجات مقبول في قبيلته)، مما يعزز وضعه بصفته رجل غني. وبصفته مدير مصنع، وقد أحضر شقيقه الأصغر إسماعيل إلى الشركة. وعلّم إسماعيل العمل بسرعة، وأصبح بإمكان إسماعيل الآن تشغيل المصنع عندما يعتني إبراهيم بمسائل أخرى تخصّ وانغ. أثناء مشيي في المحطة مع إبراهيم، تحدث إلى العمال، بلغة نيجيرية شمالية نادراً ما يتحدث بها في جنوب غرب نيجيريا، حيث يقع المصنع. لكن العمال لم يكونوا من المنطقة المحيطة - وقد جلب إبراهيم كل قريته للعمل. سيوفر العمل في المصنع الفرصة لـ 100 مليون شاب ذكي ولكن عاطلين عن العمل وغير متعلمين بالتخلّص من العمل غير الرسمي وغير المستقر، والتقدّم إلى وظائف عالية الإنتاجية ووظائف رسمية متصلة بالاقتصاد العالمي. مع هذا الافتتاح تأتي فرص أكبر.

جيل أفريقيا الجديد


مع اكتساب الأفارقة الخبرة في التصنيع، فإن العديد منهم سيصبحون ملّاك مصانع. ويعزى توطين الملكية هذا جزئياً إلى طبيعة قطاع الصناعات التحويلية الذي يسعى باستمرار إلى تقصير سلاسل الإمداد لخفض التكاليف وزيادة عدم الوضوح. وحيثما تتجمع المصانع، ينمو الموردون المحليون ويتوسعون. كما تلعب السياسات الوطنية دوراً أيضاً: فالعديد من المناقصات الحكومية تفيد المصنعين المحليين أكثر، كما أن التمويل على المستوى الوطني من خلال البنوك الإنمائية متاح فقط للشركات المحلية، مما يشجع الشراكات بين السكان المحليين والصينيين. بالإضافة إلى ذلك، غالباً ما يجتذب المستثمرون الأجانب أصحاب المعرفة المحلية ويسعون إلى شركاء محليين جديرين بالثقة؛ والصينيون ليسوا استثناء.

دعونا نتعرف على زاف جيبريتساديك، من أديس أبابا. بعد تخرجها من مدرسة الصيدلة، في أوائل الثمانينات، عملت صيدلانية في مستشفى حكومي. وفي منتصف الثمانينات، تعرّضت البلاد للجفاف والمجاعة التي جعلت إثيوبيا ذات سمعة بذلك على مستوى العالم. فانضمت جيبريتساديك إلى منظمة الإغاثة ثم انتقلت إلى أبحاث عن مبيدات الحشرات.

وفي عام 1992 قررت إنشاء شركتها الخاصة. وقالت أنها شهدت في عملها وهو باحثة زراعية في اقتصاد زراعي إلى حد كبير الحاجة إلى كل من الأدوية البشرية والحيوانية، ورأت فرصة تجارية في بيعها. وكانت إثيوبيا تصنّع عدداً قليلاً جداً من الأدوية، لذلك قررت استيرادها. فطرقت أبواب السفارات الصينية والفرنسية والسويسرية. كان الصينيون فقط هم من يستجيبون. وبمساعدة مكتب القنصل، تمكنت من التواصل مع العديد من الشركات المصنعة للأدوية الصينية وأصبحت ممثلها الرسمي في السوق الإثيوبية. وفي غضون عامين، كانت تفوز بعقود الإمدادات الطبية الكبيرة من الحكومة الإثيوبية.

وبعد بضع سنوات، جاءت إحدى الشركات الصينية التي مثلتها في إثيوبيا، مع اقتراح مثير للاهتمام: تأسيس شركة مشتركة لتصنيع الكبسولات الهلامية التي تغلف الأدوية.

فوافقت جيبريتساديك على الفكرة. وقامت بتأمين رأس المال - جميع أرباحها بشكل أساسي حتى الآن للحصول على حصة 30% من الشركة. وأصبحت شركتها الأولى والوحيدة المصنّعة للكبسولات الهلامية في كل الصحراء الكبرى جنوب إفريقيا. كما كانت خبرتها في السوق الإثيوبية. وكان فهمها للبيروقراطية الإثيوبية قيمة مضافة لشركائها الصينيين، فنجحت المعادلة: الأول متخصص في مبيعات الأدوية في البلدان النامية، والآخر في تكنولوجيا تصنيع كبسولات الهلام. وقد زادت الشركة إنتاجها اليومي الأوليّ من 2 مليون كبسولة إلى 6 ملايين، مع خطط للتوسع إلى 11 مليون كبسولة. وهي تمثل الغالبية العظمى من صادرات الأدوية في إثيوبيا، وتباع منتجاتها في جميع أنحاء أفريقيا والشرق الأوسط.

اليوم جيبريتساديك هي المالك أو المشارك في ملكية ثلاث شركات توظف نحو 300 شخص. انها ورواد الأعمال الأفارقة الآخرين يفعلون ما فعله نظرائهم في الصين واليابان، والنمور الآسيوية الأربعة: عقد الشراكات مع المستثمرين الأجانب، وأن يصبحوا أصحاب الصناعات التحويلية بأنفسهم. قصة جيبريتساديك تشبه قصة صن وتثبت أن: العمل عند ومع المستثمرين الأجانب في الصين هو الانطلاقة التي جعلت الجيل الحالي من زعماء المصانع الصينيين يدرك أهمية مثل هذا التعاون. عندما تفكر جيبريتساديك بالقرار الذي اتخذته منذ ما يقرب من 20 عاماً لاستثمار كل مدخراتها في مصنع، فهي لا تعبأ بالاعتبارات التجارية. وعلى الرغم من أنها كانت تنتقل من أعمال البيع والتسويق التي تحتاج إلى استثمارات ثابتة قليلة جداً في أعمال صناعية ذات تكاليف ثابتة هائلة، فإن قرارها لم يكن قائماً على الاقتصاد أو خطة الأعمال: "لم أكن متأكدةً من أنني سأنجح مالياً،" قالت. "لكنني عرفت هؤلاء الناس منذ عام 1992. أنا حقاً أثق بهم. إنهم بمثابة أسرتي".

من الأعمال الرابحة إلى المؤسسات الخيّرة


كثيراً ما اتهمت الشركات الصينية في أفريقيا بإضعاف النزاهة المؤسساتية للقارة. وقد عبّرت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون عن لسان حال العديد من النقّاد عندما وصفت الاستثمار الصيني في أفريقيا بأنه "استعمار جديد". ورداً على سؤال حول تأثير الصين المتزايد في أفريقيا خلال مقابلة تلفزيونية في 2011 في زامبيا، أجابت: "عندما يأتي الناس إلى أفريقيا للاستثمار، نريد لهم النجاح لكن أيضاً نريد منهم أن يفعلو الخير. فنحن لا نريد لهم أن يضعفوا الحكم الرشيد في أفريقيا".

وكما لوحظ، فإن سجل الاستثمار الصيني في أفريقيا لا يخلو من العيوب. ولكن العديد من المشاريع الريادية الصينية التي أراقبها تعمل بنشاط على بناء القدرات المؤسساتية الإفريقية. ومن خلال التفاعل مع الحكومات وتكرار الابتكارات المؤسساتية بشكل متواتر، يتخذ هؤلاء المستثمرون نفس النهج الذي استخدموه في الصين لتحويل الاقتصاد الماركسي الذي يخلو من المؤسسات السوقية في ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

بإمكان تشى لين أن يقول لكم الكثير عن كيفية عمل هذا. بدأ مصففاً للشعر في بلدة صغيرة في شمال شرق الصين ثم حاول أن يدير متجراً لبيع الملابس هناك لكنه بالكاد نجح. وقد ترعرع على قصص جده عن أفريقيا، وهو طبيب أرسلته الحكومة الصينية إلى الصومال في وفد مساعداتٍ طبية خيرية في السنوات التي تلت السيطرة الشيوعية الصينية. أراد تشي أن يرى أفريقيا بنفسه، فشق طريقه إلى وظيفة في كينيا مع شركة المعدات الثقيلة الصينية. وهو يعرف الآن شوارع نيروبي مثل أي سائق تاكسي، ويمكنه أن يحيّي الناس بعدة لغات قبلية كينية أكثر من معظم الكينيين.

وبعد أن انتقل تشي إلى كينيا، كانت وظيفته اليومية بيع المخارط وآلات الطحن - وهي معدات كبيرة الحجم تستخدم في تصنيع أجزاء متخصصة للمصانع. لكنه سرعان ما واجه مشكلة: لا أحد في كينيا يعرف كيفية استخدام الآلات الحديثة التي تبيعها شركته. كان التعليم المهني والتقني في البلد متأخراً جيلاً من الزمن على الأقل.

ومحاولةً من شركة تشي إصلاح التعليم الفني فى دولة بأكملها، فقد قامت ببناء شراكة مع وزارة التعليم الكينية ودائرة الشباب الوطني الكينية وهما الإدارتان الحكوميتان اللتان تنفذان معظم برامج التدريب المهني هناك. كما خفضت الشركة سعرها بشكل ملحوظ لتوريد أحدث الآلات إلى مراكز التدريب المهني الكينية. عمل تشي لمدة عامين على إدخال الآلات إلى 10 مراكز تصنيع، والتنقل بين جميع أنحاء البلاد للتحقق من مشاكل الكهرباء والالتقاء مع مدراء المدارس. وكان يعتقد أن الجزء الأصعب قد انتهى عند وضع الآلات العملاقة في مكانها، لكن الآلات ركدت في مكانها، وبالكاد استخدمت.

وفي يوم من الأيام كان تشي يقوم برحلة أخرى لزيارة مدرسة مهنية مع بنارد شيكولي إيسالامبو، مسؤول من وزارة التربية والتعليم، عندها أتت على بال إيسالامبو فكرة. وقال "لقد أعطيتنا معدات ضخمة، لكننا لا نستخدمها". "إذا كان لدينا منافسة لاستخدام هذه المعدات، فسوف تساعدنا على بناء الثقة لدى طلابنا". عندما عادوا إلى نيروبي، قدموا عرضاً، واستخدم تشي علاقاته الشخصية للحصول على الموافقة عليه. وتحولت هذه الفكرة إلى تحدي إفريقيا للتكنولوجيا، الذي أطلق في 2014، والذي يجمع بين الطلاب من جميع أنحاء كينيا للتدريب المكثف والمنافسة في المهارات بالقطع الصناعية. تنفق شركة تشي الآن 500,000 دولار سنوياً على هذا الجهد كونه جزءاً من برنامج المسؤولية المجتمعية للشركات.

ولكن هل حل ذلك المشكلة؟ بالطبع لا. يقول إيسالامبو: "عندما كنا نقوم بإنشاء مركز مراقبة الحركة، ظهر شيء واضح: كان المدربون أسوأ من الطلاب! ولكن ولمرة أخرى قام تشي باستخدام تفاؤله الذي لا يمكن كبته ومهاراته في حل المشاكل. وقد جمع فريقاً صغيراً من العاملين في المنظمات غير الحكومية والاستشاريين لإنشاء مركز لتدريب المعلمين مع شركته والحكومة الكينية. "شاركت في هذا المشروع لفصل صيفي عندما كنت طالب دراسات عليا". وبعد عامين من العمل الدؤوب، تم الإعلان رسمياً عن إنشاء مركز سينوفا إفريقيا لتطوير المهارات الصناعية في تموز 2016.

قصة تشي هي مثال على كيفية عمل الشركات الصينية بصبر على إقامة واقع مؤسساتي جديد في إفريقيا. ربما لأن الشركات الحكومية والمؤسسات الأخرى ما زالت قيد الإنشاء في الصين نفسها، لذا فإن الشركات الصينية لا تعير انتباهاً للمؤسسات غير المكتملة أو النامية. فهم ينتجون وهم يتطورن، ويغيرون شركائهم المحليين ويكيّفون خططهم حسب الظروف المتغيّرة. وهم منفتحون على أفكار نظرائهم الأفارقة. كما إنهم يعملون بلا هوادة وبتفاؤل دائم، وكذلك فهم يسعون دون انتظار الظروف المناسبة، وهم بذلك يغيرون تلك الظروف ذاتها.

هناك مصطلح لهذه العملية: شد الحزام Bootstrapping، الذي وصفه عالم العلوم الاجتماعية في جامعة كولومبيا تشارلز سابل Charles Sabel بأنه وسيلة تسمح للمؤسسات غير الكاملة أن تصل لنتائج جيدة من خلال التعلم المستمر والتكيف مع ظروف السوق. وهذه النظرة الديناميكية والتفاؤلية للمؤسسات تركز على المستقبل أكثر من وضع الشركات الحالي.. كما كتب سابل: "إذا كانت المؤسسات المفضِّلة للنمو بُنيت بالفعل على "شد الحزام" حيث تشير كل خطوة إلى الخطوة التالية، فهذه المؤسسات هي مثل فرق النتيجة عن نقطة البداية للتنمية".

بالطبع، هذه هي قصص النجاح. فهناك العديد من المحاولات الأقل نجاحاً، إن لم تكن محفوفة تماماً بالمخاطر. وكون الشركات الصينية تحبذ العمل مع المؤسسات الأفريقية كما هي، بدلاً من طلب شيء أفضل، قد يساعد هذا على عجز الحكومات المحلية وعدم مسؤوليتها، وتعزيز الوضع الراهن بدلاً من تغييره.

ولكن المؤسسات لا تظهر في العالم كاملة التشكّل؛ فهي يجب أن تتطور في الواقع. لذلك يجب أن تكون الشركات على استعداد للمشاركة معهم ومنحهم فرصة للتحسين.



قام ستيفن كناك Steven Knack، من البنك الدولي، ونيكولاس يوبانك، من كلية إدارة الأعمال في جامعة ستانفورد، بدراسة البديل - أي عندما تتخطى نظم المانحين الغربية المؤسسات المحلية. ووجدوا أن "النظم المحلية ... تضعف عندما يدير المانحون المساعدات من خلال نظمهم الموازية المنفصلة". ومن القضايا الرئيسية قيام أنظمة المانحين الموازية باجتذاب المواهب القيمة: "عندما تتجاوز الجهات المانحة الأنظمة القطرية، فإنهم يصيدون "المسؤولين الحكوميين الأكثر موهبة". من هذا المنظور، التنمية الريادية نحو التحسين هي استراتيجية أفضل بكثير من الإصرار على شيء مثالي من البداية.

معجزة التصنيع


عندما كنا نحتسي الشاي الرائع وبعدما شربنا الفنجان الثامن أو التاسع في مصنع بلاط السيراميك، قال صن في جوّ من الفلسفة: "إن قطار التنمية - وهو المحطة الأولى ومن أي محطة تحتاج للذهاب إليها - نحن الصينيون نعرف بالضبط ما هو المسار". "نيجيريا بحاجة إلى التعلم من الصين!"

صن ليس اقتصادياً، لكنه ضرب دون قصد نظرية في علم التنمية الاقتصادية تدعى نموذج الأوز الطائر. نشأت مع كانام أكاماتسو  Kaname Akamatsu وانتشرت مؤخراً على يد جوستين ييفو لين Justin Yifu Lin، وتفترض أن شركات التصنيع تتصرف مثل الأوز المهاجر، التي تطير من بلد إلى آخر متكيفة مع تغير الكلفة والحاجة. ووفقاً لهذا القياس، تضطر المصانع من البلدان الرائدة وبسبب ضغوطات أسعار العمالة إلى الاستثمار في بلدٍ تابع، أن تساعد على تراكم الملكية ورفع منحنى التكنولوجيا.

وتعمل هذه الحركة على تحويل الجزء الأكبر من النشاط الاقتصادي في البلد النامي من الزراعة المنخفضة الإنتاجية والخدمات غير الرسمية إلى الصناعات التحويلية ذات الإنتاجية العالية. ويصبح البلد التابع في نهاية المطاف بلداً رائداً حيث يفرز الشركات بحثاً عن مواقع إنتاج جديدة. ويقدم نموذجاً مقنعاً لكيفية تطور الاقتصادات الآسيوية في سلسلة من اليابان إلى النمور الآسيوية إلى الصين.

هناك بعدٌ ثانٍ لنموذج الأوز الطائر: فهو يصف ليس فقط حركة الشركات من بلد إلى آخر، ولكن أيضاً عملية رفع مستوى الصناعة من المنتج إلى المنتج داخل كل بلد. أولاً عدد قليل من الشركات تظهر لمحاولة أيديهم في جعل منتج معين. وكلما تعلموا، فإن أرباحهم تجذب الشركات المصنعة الأخرى لنفس المنتج. ومع ازدحام السوق وتزايد المنافسة وانخفاض الأرباح، تبحث الشركات عن منتجات أخرى لتقوم بتصنيعها - ولكن هذه المرة، يجب أن تكون معقدةً أكثر، وبالتالي من الصعب تقليدها. مع تكرار الدورة، الشركات التي بدأت بالتقليد والتعلم تقوم بالاختراع والتعليم لجيل واحد أو اثنين في وقت لاحق. ويظهر تحليلٌ لـ 148 بلدٍ أنه مع ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي، يتوقع توجه المصنعين داخل بلد ما نحو منتجات أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. وفي عقد أو عقدين آخرين، ستصمم المصانع في أفريقيا الحواسيب بدلاً من الخزف والملابس.

وهذا هو السبب في أن الاستثمار في التصنيع هو مفتاح للتنمية في أفريقيا. ويعرف الاقتصاديون أنه على المدى الطويل فإن الطريقة الوحيدة لخلق مستويات معيشة أعلى هي أن تصبح أكثر إنتاجية. وبخلاف الخدمات التي غالباً ما تكون قائمة على أساس محلي ونادراً ما تحقق عوائد على نطاق واسع، فيصبح التصنيع أكثر إنتاجية مع مرور الوقت، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن منتجاتها غالباً ما تضطر إلى التنافس مع الواردات أو تصديرها إلى أسواق تنافسية أخرى. وبالإضافة إلى ذلك، فإن للاستثمار في التصنيع تأثيرات مضاعفة كبيرة: وتبين البحوث أن لكل وظيفة تصنيع تم خلقها، هنالك 1.6 وظيفة خدمية تتبعها. وكما يقول رون بلوم Ron Bloom المستشار الأول للرئيس السابق أوباما في سياسة التصنيع، يقول: "إذا حصلت على مصنع للتجميع الآلي، سيقوم وول مارت بفعل نفس الشيء. أما إذا كان هناك وول مارت، فإن مصنع تجميع السيارات لن يفعل هذا". ومن المؤكد أن التصنيع يطلق العنان لقوى كبيرة من أجل الضرر وكذلك من أجل الخير، وهذا واضحٌ بالفعل في أفريقيا اليوم. وتؤثر الرشاوى على حسن سير الحكومات المحلية؛ وتؤثر الممارسات البيئية السيئة على نوعية الهواء والماء في أفريقيا؛ وإساءة معاملة العمال لا تحدد أجورهم فحسب، بل تحدد فيما إذا كانوا يعيشون أم يموتون أثناء العمل. فالصين نفسها - بفضائح فسادها وتلويثها للبيئة - تقدم أمثلة مشؤومة عن العواقب الاجتماعية والبيئية للتوسع الاقتصادي الجامح.

هناك يقينٌ آخر بأن أفريقيا ستواجه التصنيع بطريقة مختلفة. فبلدانها ومجتمعاتها لا تشبه الصين اقتصادياً أو سياسياً أو اجتماعياً. على الرغم من أن بناء المصانع في أي مكان جديد ينتج مجموعة من النتائج التي يمكن التنبؤ بها - من ارتفاع الدخول إلى فضائح العمل - إلا أن شكلها، وتسلسلها، وطابعها يختلف إلى حدٍ كبير. وفي نيجيريا، يتأثر مسار التصنيع بالتقارير الصادرة عن الصحافة الحرة في ليسوتو عن طريق حركة نقابية قوية في كينيا بسبب الاعتبارات القبلية والعرقية - وهذه كلها غائبة إلى حد كبير في الصين. والواقع أنه في المواجهات بين المستثمرين الصينيين والفاعلين الأفارقة المحليين - سيتم اكتشاف العمال والموردين والموزعين والحكومات وأنواع المنظمات الإعلامية الجديدة والشراكات وهياكل السلطة. قد يكون الموضوع قديماً، ولكن القصة ستكون جديدة.

سيتيح التصنيع لأفريقيا أن تتبع خطى اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والصين: لبناء مصانع تستخدم القوى العاملة المتزايدة فيها وإعادة تشكيل مؤسساتها لتلبية مطالب الرأسمالية الحديثة. والأهم من ذلك، أنها ستوفر فرصة حقيقية لرفع مستويات المعيشة عبر قطاعات واسعة من السكان. وإذا تمكنت أفريقيا من رفع نصف عدد الناس من الفقر مثلما فعلت الصين فى غضون ثلاثة عقود فقط، فإنها ستزيل الفقر المدقع داخل حدودها. وبالنسبة لما يقارب 400 مليون شخص، فإن هذا يعني الفرق بين الجوع والكمال، وبين السعي للعمل وبين الحصول على عملٍ ثابت، وبين طلب أطفالهم القيام بالعمل غير اللائق وبين إرسالهم إلى المدرسة. إن الصينيين الذين يظهرون في إفريقيا اليوم لا يشككون في حدوث هذا الأمر. وكما قال لي أحدهم، وهو يعمل على بناء منطقة اقتصادية خاصة في نيجيريا: "هذا تماماً مثل مسقط رأسي قبل 30 عاماً. إذا كنا نستطيع أن نفعل ذلك، فسيكون بمقدور هذا المكان فعله أيضاً.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!