تابعنا على لينكد إن

تدمج شركة آبل بين التقنية والتصميم. أما شركة آي بي إم فتستثمر في أبحاث تسبق عهدها بعشر سنوات. وشركة فيسبوك تتحرّك بسرعة وتحافظ على بنية ثابتة (ولم تعد تعاني من أي خلل الآن).

كل واحدة من هذه الشركات تعدّ رائدة في مجال الابتكار، كلٌّ بطريقته الخاصّة. ولكن الأمر الذي يجعل شركة غوغل (المعروفة رسميًا الآن باسم ألفابيت) مختلفة عن سواها هو أنّها لا تعتمد على إستراتيجية ابتكار واحدة، ولكنها تستخدم مجموعة من الإستراتيجيات لتخلق نظام ابتكارٍ دقيق وفعّال في آن معاً ويبدو أنّه بالفعل يولّد عشرات الابتكارات.

إن غوغل شركة ضخمة بلا شكّ، تبلغ عائداتها 75 مليار دولار أمريكي، ويعمل فيها أكثر من 60 ألف موظّف، ولها نطاق واسع ومذهل من المنتجات، ابتداء من محركات البحث ووصولاً إلى أنظمة تشغيل الأندرويد بالإضافة إلى أعمال في مجالات ناشئة كالسيارات ذاتيّة القيادة. ومن أجل التوصّل إلى فهم أفضل لعمليات الابتكار في غوغل فقد ألقيت نظرة عن كثب على ما تفعله الشركة في مجال “التعلم العميق” وهو شكل معقّد بشكل جنونيّ من الذكاء الاصطناعي يساعد الآلات على لاكتساب المعلومات والتصرف بناء عليها تماماً كما يفعل الإنسان.

الالتزام الصارم بالبحث العلمي

كأي أمر تقوم به غوغل فإنّ مبادرة التعلّم العميق تعود إلى الالتزام الواضح لدى الشركة بممارسات البحث العلمي. فروح الاكتشاف باتت جزءاً أساسياً من روح العمل في الشركة. بدأت شركة غوغل أصلاً من مشروع بحثي قام به سيرغي برين و لاري بيج لوضع تصنيف للشبكة بتمويل من مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية (NSF). ويبدو أنّ هذا الشغف بالبحث العلميّ لم ينقطع وما تزال غوغل تستثمر مليارات الدولارات كل عام في مجال الأبحاث والتطوير.

ولكن هذا لا يكفي للوقوف على حقيقة ما يجري في الشركة. فغوغل تقوم باستمرار بشراء شركات ناشئة صغيرة، كثيرٌ منها تأسس بالاعتماد على أبحاث أكاديمية، كما أنّ الشركة تضخ استثمارات في عشرات الشركات الأخرى وذلك عبر صندوق رأس المال الاستثماري في الشركة. (جدير بالذكر هنا أنّ شركة ديب مايند Deep Mind والتي استحوذت عليها غوغل مؤخراً قد تمكنت من إلحاق الهزيمة بلي سيدول البطل الأسطورة في لعبة Go World).

أما الطريقة الأخرى التي تحدّد بها الشركة الابتكارات العلمية وتصل إليها فتكون عبر الشراكة الفاعلة مع مجتمع البحث العلميّ. فالشركة تموّل 250 مشروع بحث أكاديمي كل عام، وتنشر نتائج هذه الأبحاث في قواعد بيانات عامّة مثل arXiv، بالإضافة إلى موقع نشر الأبحاث الخاص بها. كما تدعو الشركة 30 عالماً متميزاً كل سنة لقضاء الإجازة الأكاديمية في غوغل.

وكثيراً ما يقرّر باحثون متفوقون البقاء في الشركة، حيث توفر غوغل لهم بيئة بحثيّة فريدة ويكون بين أيديهم قواعد بيانات لا مثيل لها، وذلك في أفضل بيئة حاسوبيّة في العالم، وكل ذلك مع فرصة للاستمرار في نشر الأبحاث، وهكذا صارت غوغل بيئة جاذبة لأفضل العلماء والباحثين، ومنهم على سبيل المثال أندور إنغ، وهو باحث مميّز في مجال الذكاء الصناعي، وكان قد حلّ في غوغل أول مرة عام 2010.

الابتكار من الأدنى للأعلى

لدى وصول أندرو إلى غوغل شكل بسرعة فريقاً مع باحثين آخرين هما كريغ كورادو وجيف دين وكانا مهتمين أيضاً بشكل جديد من الذكاء الصناعي يدعى التعلّم العميق. وسرعان ما شرع الباحثون الثلاثة بالعمل سويّة كجزء من 20 بالمئة من وقتهم، وذلك حسب التقليد السائد في الشركة لتشجيع الموظفين للعمل على المشاريع التي تثير اهتمامهم. والحقيقة أنّ بعض أهم منتجات غوغل مثل البريد الإلكتروني (Gmail) وأخبار غوغل، وأداة Adsense قد ابتكرت في مشاريع ضمن فترة العشرين بالمئة هذه، علماً أنّ الذي عملوا على هذه المشاريع قد كانوا يفكرون بأمر آخر. فهم لم يكونوا مهتمين بتطوير منتجات جديدة وإنما كانوا راغبين في توسيع حدود الممكن لديهم.

ولنفهم ما الذي كانوا يسعون إليه يجدر بنا أن نعلم شيئاً عن طريقة عمل الدماغ. حين ترى صديقك عبر مقهى مزدحم بالناس، يبدو لك الأمر كأنّه حدث منفرد، ولكنّه في الواقع ليس كذلك. فالأجزاء المختلفة من الدماغ تعالج جوانب مختلفة من التجربة، كالألوان والأشكال، وتدمج بين ذلك في مفاهيم أكبر، كالوجه البشري وتسريحة الشعر أو أسلوب تصميم مصمّم مشهور.

ويطلق العلماء على هذه الجوانب المختلفة “مستويات التجريد.” في المقابل تعمل أجهزة الحاسوب عادة بطريقة خطيّة، لذا فإنّه من الصعب أن تتعامل مع مستويات متعدّدة من التجريد. ولكنّ فريق الباحثين الثلاثة رأوا إمكانيّة تحسين هذا الجانب في أجهزة الحاسوب، فزادوا هرم مستويات التجريد إلى 20 أو 20 مستوىً، مما يعزز القدرة على التعلّم العميق على مستوى الآلة بشكل أفضل مما كان عليه في السابق.

حاضنة داخلية

كان التطوير يجري منذ فترة طويلة. أخبرني كورادو وقال: “كي تتعلم الشبكة فإنّك تحتاج إلى بيانات، وغوغل تمتلك الكثير الكثير من البيانات. العنصر الآخر هو تقنيات الحوسبة فائقة السرعة، وقد ساعدتنا تقنيات غوغل في الحوسبة المقسّمة في ذلك كثيراً. ولذلك كنا قادرين على إحراز التقدّم بسرعة هائلة في مجال تعلّم الآلات”.
وبعد انقضاء 18 شهراً على البدء في المشروع، انتقل الفريق للعمل على مشروعهم في غوغل إكس، أي قسم الأبحاث الداخلية في الشركة. وقد تمكّن أعضاء الفريق هناك على تكريس وقتهم في العمل على فكرة التعلم العميق، كما كانت لديهم فرصة تعيين خمسة أو ستة خبراء ومهندسين آخرين يحملون شهادات دكتوراه في مجالات الرياضيات وعلوم الأعصاب وعلم الكمبيوتر.

يقول كورادو: “لقد كان الوقت الذي قضيناه في فترة “الخداج” في غوغل إكس مرحلة لا غنى عنها. لقد كان بإمكاننا العمل هناك على تطوير تقنية بعينها دون أن نكون منشغلين بمنتج ما. وبينما كنّا في البداية ثلاثة أشخاص نعمل على المشروع بشكل جزئي فقد صرنا الآن ثمانية أو تسعة نعمل طوال الوقت على فكرة واحدة. هذا هو الحجم المثالي للتحرّك بسرعة كبيرة. لقد كنا في البداية أشبه بشركة ناشئة تتمتّع بمصادر هائلة كالتي لدينا هنا”.
وكانت نتيجة البقاء في هذه البيئة الحاضنة التوصل إلى منتج حقيقي يدعى DistBelief. لقد صار هذا المنتج نظام تعلّم الآلات من الجيل الأول. ولم يمض الكثير من الوقت حتى ضُمّن هذا النظام في العديد من منتجات غوغل، مثل خرائط غوغل وغوغل ترجمة وحتى في يوتيوب (لمساعدة المستخدم في العثور على ما يبحث عنه).

الابتكار كنشاط مركزي

في العام 2012 “تخرّج” فريق العمل من غوغل إكس وهو القسم الذي أعيدت تسميته ليصبح غوغل برين (دماغ غوغل)، والذي نما في حجمه ليضم مئات الباحثين، ومنهم الآن جيوفري هينتون، وهو أحد عمالقة الباحثين في مجال التعلم العميق والذي انضمّ للفريق عام 2013. كما تم تطوير نسخة محدثة من DistBelief تدعى TensorFlow والتي صارت ضمن المصادر الحرّة بموجب ترخيص من فئة أباتشي.

وقد صار فريق غوغل برين اليوم جزءاً أساسياً من نظام بيئة الابتكار التي شكّلته. فالفريق يعمل بشكل فعال مع “العملاء” الداخليين من فرق العمل داخل غوغل وذلك لجعل التعلم العميق أساساً في كل ما تقوم به الشركة. ويمكن لأي فرد داخل غوغل تقريباً أن يستخدم Tensor Flow لجعل منتج ما أكثر ذكاء وفعاليّة.

فقد مكّن هذا البرنامج أداة “غوغل صوت” من البحث بشكل أسرع وأدقّ، حيث قلّل نسبة الخطأ من 23% إلى 8% فقط، وقلل الوقت المستهلك في إتمام عملية البحث إلى ما يقارب ثلث ثانية. كما تم تخفيض نسبة الخطأ في البحث باستخدام الصور إلى الثلثين وبإمكان المستخدمين الآن البحث عن صور غير مصنفة لأي شيء كان، كصور غروب الشمس أو صور أنواع معينة من فصائل الكلاب.

كما ساعد البرامج في إنتاج سمات جديدة، كخاصية “الردّ الذكيّ” (Smart Reply) في خدمة البريد الإلكتروني في غوغل، والتي تقدم للمستخدم مقترحات مخصصة للرد على بعض الرسائل الواردة. كما صارت خدمة الترجمة في غوغل تغطي 100 تستخدم من قبل 99% من سكان المعمورة. وسيتوصل قسم غوغل برين إلى منتجات جديدة أخرى، وقد أثبت فعلاً أثره الضخم في تحسين القدرات الأساسية للشركة.

الحلقة المحكمة من التغذية الراجعة

في معظم المؤسسات يتم التعامل مع الابتكار بوصفه عملية خطيّة من البحث والتطوير والتجريب والتطبيق بحيث تجري كلّ خطوة على حذة. ولكن في غوغل نجد أنّ كل عمليّة ترتبط بحلقة محكمة من التغذية الراجعة، حيث يعمل الباحثون وطاقم العمل على المنتجات معاً في تطوير المنتجات الجديدة وتحديد الجوانب التي يلزم القيام بالمزيد من الأبحاث فيها.

يقول كورادو: “إن الاقتراب من البيانات وتحديد الاحتياجات الحقيقية للمستخدمين يمنحك الفرصة للتوصل إلى المزيد من الابتكارات”. ويقوم كورادو بالعمل بشكل فاعل مع أعضاء فريقه مع فرق عمل المنتجات ومع موظفي غوغل الآخرين الذي يعملون على مشاريع جزئية ضمن آلية العشرين بالمئة من وقت العمل. فهم ليسوا مجموعة من العباقرة المجانين الذين يعملون على تطوير أمور خرافية في مختبراتهم المعتمة بل أفراد متعاونون ينخرطون مع بقية الموظفين في بقية الأقسام.

هكذا يعمل قسم غوغل برين ضمن نظام بيئة الابتكار في غوغل. فبرنامج Tensor Flow يوفر إمكانية الوصول إلى أدوات أساسية لتعلّم الآلة، والتي تفتح أبواباً جديدة أمام مهندسي غوغل والذين يتواصلون بدورهم مع العلماء في غوغل برين ليطوروا منتجات وسمات جديدة. وهذا يخلق مجموعة غنيّة من القضايا والمشكلات ويساعد في كذلك في جذب باحثين مميزين جدد إلى غوغل ليستمروا أيضاً في تطوير تقنيات جديدة مذهلة.

إن الذي يمنح غوغل هذه الخصوصيّة هي تلك الطريقة في دمج مجموعة كاملة من إستراتيجيات الابتكار في عملية واحدة متكاملة. فمدراء المنتجات يركزون على احتياجات العملاء، والباحثون يتناولون ما يتيح لهم العلم تناوله، والمهندسون يعملون على مشاريع جانبية خلال 20 بالمئة من وقت عملهم ليحققوا شغفهم. ويمكن لأي شخص تحقيق التميّز أن يتبع واحداً أو أكثر من هذه الأساليب.

وهذا الأمر يتطلّب أكثر من فلسفة في الإدارة أو خطّ معتمد من العمليات، وإنما يتطلب روحاً حقيقية للاستكشاف تكون جزءاً لا يتجزّأ من تكوين المؤسسة بأكملها.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz