تابعنا على لينكد إن

غالباً ما يظن قادة الأعمال أن “الكفاءة” و“الإنتاجية” هما ذات الأمر، وأنهما وجهان لعملة واحدة، ولكن عند التفكير بشكل استراتيجي، سنجد أن هناك فرقاً بين الكفاءة والإنتاجية.

على القادة، إن كانوا راغبين حقاً في لنمو شركاتهم، تبني العقلية الإنتاجية في عملهم وإزالة العقبات التنظيمية التي تمنع إنتاجية موظفيهم. قد نخالف بهذا الرأي الذي ساد طوال العقود الثلاثة الماضية والذي يطلب من الشركات التركيز على الكفاءة، إلا أنه في حال أرادت الشركات فعلاً تحفيز الابتكار وزيادة نمو عوائدها، عليها التركيز أكثر على الإنتاجية لا الكفاءة.

وسنقدم فيما يلي الفرق ما بين الإنتاجية والكفاءة وطرق زيادة الأولى.

لدى تأملنا التعريف السائد للكفاءة، سنجد أنه “عدد ساعات العمل اللازمة لإنجاز مهمة ما مقارنةً مع عدد الساعات القياسي السائد في تلك الصناعة”. بالتالي إن أردنا حساب كفاءة العمل في شركة ما، علينا معرفة عدد ساعات إنتاجها لخدمة أو منتج في مقابل المدة القياسية اللازمة في العادة. بمعنى آخر، تعبّر الكفاءة عن عملية فعل الشيء نفسه إنما في وقت أقل. غالباً ما تعمل الشركات على تحسين كفاءتها عبر إيجاد طرق تُخفّض فيها ساعات العمل المطلوبة لتحقيق نفس الإنتاج وهو ما يُترجم إلى أرباح نظراً لأن الشركة في هذه الحالة تنفق مبالغ أقل على الأجور وباقي التكاليف المتعلقة بالحصيلة الناتجة. بالتالي يمكننا القول هنا إن الكفاءة هي تخفيض عدد ساعات العمل وعدد العمال لإنتاج شيء ما في محاولة لتحسين الربحية.
من ناحية أخرى، ولدى تأمل تعريف الإنتاجية، سنجده أنه للوهلة الأولى يماثل تعريف الكفاءة، إذ تُعرّف الإنتاجية على أنها: “نسبة السلع والخدمات الناتجة إلى ساعات العمل المخصصة لها”. عادةً ما يتم قياس الإنتاجية من خلال مقارنة كمية السلع والخدمات المنتجة بالمدخلات المستخدمة في إنتاجها.

ترتبط الإنتاجية بالحصول على ناتج أكثر بنفس ساعات العمل الحالية، حيث يُقاس النمو هنا بالتغيّر في العمل الناتج مقابل كل ساعة عمل خلال فترة زمن محددة. لدى الحديث عن إنتاجية بلد ما، فإن الإنتاجية هنا تكون مرتبطة بشكل وثيق مع مستويات المعيشة. أما في حالة الشركات، فهي مرتبطة مباشرةً بالأداء. يعني ارتفاع إنتاجية العمل قدرة الشركة على إنتاج المزيد من السلع والخدمات خلال نفس فترة العمل. وعلى النقيض من الكفاءة، تتعلق الإنتاجية بالتوسع فيما هو موجود واستخدام قوى العمل نفسها لتحقيق نمو أعلى وعوائد أكبر.
خلال فترة العقود الثلاثة الماضية، شُجّع كبار المدراء التنفيذيين على اتخاذ عقلية “الكفاءة” لإدارة أعمالهم، إذ ساعدت أمور مثل معايير سيجما الستة وإعادة هندسة العمليات وتحليل المدى والطبقات الإدارية والأدوات الأخرى المدراء التنفيذيين على كشف أماكن الهدر في عملياتهم، وهو ما أدى إلى تحديد ساعات (أو مواد) العمل التي يمكن إزالتها مع إبقاء ذات المستوى من الإنتاج. بالتالي، كانت الأرباح تتولد عبر تخفيض القوى العاملة في الشركة لكن دون حصول نمو حقيقي. وقد عرضت شركات مثل جنرال الكتريك، هانيويل، وإتش بي، وغيرها أمثل حول برامج كفاءة وما آلت إليه لاحقاً.

تتطلب بيئة الأعمال في أيامنا هذه نظرة مختلفة وإلغاء فكرة استخدام الكفاءة لتحسين الشركة. لقد أدى التركيز على الكفاءة في سنوات التسعينيات والألفية إلى نتائج قوية للشركات والتي حققت أرباحاً على مؤشر “ستاندرد أند بور 500” زادت ثلاثة أضعاف معدل التضخم خلال تلك الفترة، لكن مع نمو عوائد ضعيف أيضاً.

لكن مع نهاية الربع الأول من عام 2015، بدأت أرباح الشركات على مؤشر “ستاندرد أو بور 500” بالتلاشي، حيث باتت محاولة انتزاع أرباح باستخدام الكفاءة أمراً يشابه محاولة اعتصار ماء من حجر.

لم تعد الكفاءة سراً فيما يتعلق بتقديمها أداءً متفوقاً، لكن ماذا عن الإنتاجية؟ أنجزت “باين آند كومباني” مؤخراً دراسة شاملة تتعلق بإنتاجية القوى العاملة والأداء تعاونت فيها مع “وحدة إيكونوميست للمعلومات” (Economist Intelligence Unit) وشملت استطلاعاً ضم أكثر من 300 مدير تنفيذي لشركات كبرى حول الإدارة. كما استكملنا نتائج الدراسة هذه مع خلاصة 20 عملية تدقيق مؤسسية لتحديد الخطوات التي يمكن للشركات اتخاذها لإطلاق الطاقة الإنتاجية لفرق عملها وتسريع النمو المُربح. سلط هذا البحث، جنباً إلى جنب مع تجربتنا كمستشارين عملوا مع قادة مميزين خلال العقود الثلاثة الماضية، الضوء على 3 مبادئ الأساسية للعقلية الإنتاجية على القيادة معرفتها:

يرغب معظم الموظفين في أن يكونوا مُنتجين، لكن غالباً ما تقف المنظمة في طريقهم. تشير أبحاثنا إلى أن الشركة تخسر وسطياً 20% من قدرتها الإنتاجية – ما يعادل يوم عمل أسبوعياً – فيما ندعوه “السحب التنظيمي ” والذي هو الهياكل والعمليات المؤسساتية التي تستهلك وقتاً ثميناً وتمنع الموظفين من إنجاز العمل. على المدراء الذي يرغبون بتبني العقلية الإنتاجية العمل على القضاء على السحب التنظيمي هذا بكل شكل ممكن وذلك عبر القيام بخطوات كتبسيط الهيكل التنظيمي والتركيز على المصادر الحقيقية للقيمة في نموذج التشغيل لديهم، فضلاً عن محاولتهم إزالة البيروقراطية وخلق طرق عمل تسمح للموظفين بتركيز وقتهم على تقديم نتائج للعملاء والمساهمين.

تملك الشركة عدداً قليلاً من الأشخاص الموهوبين الذين في إمكانهم التأثير على الأداء، إنما يُوضعون في أماكن بعيدة ولا تعطيهم القدرة على تنفيذ هذا التأثير في الاستراتيجية والأداء. غالباً ما يوضع “صُناّع الفرق” هؤلاء في أدوار تحد من فعاليتهم. تشير أبحاثنا إلى أنه رغم الملايين التي تصرف على الجهود المبذولة “لجلب المواهب”، هناك مبالغ قليلة نسبياً تُصرف على استبقاء المواهب التي جاءت بالفعل. نسبة المواهب الاستثنائية ذات الأداء المرتفع في أي شركة تعادل 15% تقريباً، سواء أكانت الشركة من بين الشركات “الأفضل” أم من بين تلك العادية، ويمكن أن يكون لهم تأثير كبير جداً على تنفيذ الاستراتيجية. يحتاج المدراء الذين يرغبون بتبني العقلية الإنتاجية التأكد من تعيين هؤلاء الموهوبون في أدوار تتناسب مع كفاءاتهم. في مجال تجارة التجزئة مثلاً، والذي فيه الترويج ضرورة كبيرة وميزة تنافسية، على المدراء التأكد من أن أغلب (إن لم يكن كل) الأدوار الترويجية الحاسمة موكلة إلى المواهب، الأمر الذي سيسمح بنتائج أكثر وأفضل، وتنفيذ أفضل (وأسرع) لاستراتيجية الشركة.

يملك الموظفون الكثير من الطاقة المتوفرة التي يمكنهم تكريسها لعملهم، لكن لا يوجد لديهم الإلهام الكافي للقيام بذلك. يمكننا القول إن كل موظف تقريباً قادر على بذل إضافي لعمله، لكن العديد منهم لا يقوم بتقديم الإبداع والابتكار المتوفر لديه بالفعل. يمكن للموظفين الذي يحسون بالإلهام تقديم المزيد من جهودهم في العمل، وهو ما يؤدي إلى أن يكونوا أكثر إنتاجية من الموظف الراضي عن عمله فحسب وبنسبة 125%. بعبارة أخرى، يمكن للموظف الذي يحس بالإلهام إنتاج عمل أكثر بنسبة 2.25 من الموظف الراضي فحسب. يجب على المدراء الذين يرغبون بتبني العقلية الإنتاجية بذل كل ما بوسعهم للاستفادة من الطاقة المتوفر في كل موظف، ويمكنهم القيام بذلك عبر جعل غاية الشركة مطابقة لغاية موظفيها، والاستثمار في تدريب المدراء على تقديم ذاك الإلهام الذي يحفز الموظفين (عبر كل المراتب الإدارية)، وبناء ثقافة الاستقلالية والمحاسبة والتي تزود كل موظف بالفرصة للقيام بأفضل ما يمكنه في عمله. ربما لن تُلهم هذه الخطوات كل الموظفين، لكنها ستزيد من مستوى الإلهام عبر كامل المؤسسة، وبالتالي ستزيد من إنتاجية القوى العاملة.

تملك المبادئ الثلاثة السابقة آثاراً هامة للمدراء الذين يرغبون بالاستفادة القصوى من الوقت والموهبة والطاقة المتوفرة لدى موظفيهم. يمكن أن يكون تبني عقلية إنتاجية أمراً صعباً، لكنه ذي مردود هائل، حيث تشير أبحاثنا إلى أن الشركات الأفضل هي أكثر إنتاجية بنسبة 40% من البقية. لدى ترجمة ذلك إلى أرباح، سنجد أنها قد تحصل على 30 – 50% أرباحاً أكثر مقارنة بأقرانهم في نفس الصناعة، علاوة على نمو أسرع.

سكون مهماً لرجال الأعمال خلال العقد القادم تبني العقلية الإنتاجية، حيث عليهم بدل التركيز على إدارة مرتبطة بعقلية الكفاءة – وفيها يتم خفض عدد الموظفين – عليهم العمل على تعزيز الإنتاج. يمكن للقادة تحسين الإنتاجية بشكل كبير والحصول على عوائد نمو أعلى عبر إزالة العقبات التي تعترض الإنتاجية بشكل منهجي، ونشر المواهب في أماكن استراتيجية، وجعل الموظفين لديهم يشعرون بالإلهام.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2017.

هذه المقالة عن

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz