بينما يتجه العالم نحو مرحلة يتزايد فيها الارتباط بالإنترنت، بداية من تزايد شيوع أجهزة الهواتف الذكية حول العالم وصولاً إلى التواصل بين الآلات وإنترنت الأشياء، حيث يبدو من الواضح أننا على أبواب ثورة صناعية وشيكة محورها الأساسي هو السرعة الفائقة.

تسعى الحكومات حول العالم إلى الاستفادة من هذه الثورة الصناعية الرابعة، إلا أنه يمكن القول أنّ هذه الظاهرة هي سيف ذو حدين، وذلك، لأنها تقدم مجموعة فريدة من الفرص والتحديات في آن معاً. فهذه الثورة ستوفر ابتكارات تقنية ستزيد من كفاءة الأعمال وترسخ لاقتصاد أكثر ذكاء وقائم على المعرفة. لكنها في المقابل ستخلق تحديات جديدة تتعلق بالأمن وخصوصية المواطنين وزيادة الفوارق الاجتماعية في حال أخفقت الحكومات بإدارة هذه التطورات وضبطها. ويظهر أنّ المواطنين يتخلون عن الخدمات العامة في ظل تواصل اعتمادهم على التقنيات الرقمية في حياتهم اليومية. وهذا التحول التدريجي من استخدام النقد إلى الاعتماد على تقنيات البلوك تشين في الخدمات المالية، أو من قنوات التواصل الصارمة إلى التطبيقات ذات المنصات المتعددة والرسائل الفورية عبر البرمجيات المجانية ضمن قطاع الاتصالات هي عينة من الأمثلة العديدة التي تسلط الضوء على طبيعة التحدي الذي تفرضه الثورة الصناعية الرابعة على الحكومات، لاسيما في الأسواق الناشئة، حيث تكون الزعزعة على أشدها وتحدث على نحو غير تدريجي إلى حد كبير. يمكننا النظر مثلاً إلى الدول التي لم يكن فيها خطوط هواتف أرضية أصلاً، وانتقلت فوراً إلى الهواتف المحمولة كمثال على النمو الفائق والزعزعة السريعة للأعمال. لذلك، من الضروري أن تسارع الحكومات لأخذ زمام المبادرة، ليس في تبني التقنيات الجديدة وحسب، بل وفي الاستفادة منها لتجديد الخدمات العامة وجعلها أكثر استدامة.

وهنالك دولة محددة ضمن الأسواق الناشئة امتلكت الرؤية اللازمة لتدرك في وقت مبكر أهمية التحضر للثورة الصناعية الرابعة، وهذه الدولة هي الإمارات العربية المتحدة. فقد وضعت الإمارات لنفسها هدفاً لتكون الرائد العالمي في الاستفادة من الثورة الصناعية الرابعة، حتى أنها تعاونت مع منتدى الاقتصاد العالمي من أجل إنشاء أول وحدة دائمة للسياسات من أجل دراسة وتطبيق الإجراءات المتعلقة بالتحولات على مؤسسات الأعمال والمجتمع المرتبطة بالتقدمات التقنية. بالإضافة إلى ذلك، وسعياً لبلورة التزامها على نحو فعلي، أعلنت حكومة الإمارات العربية المتحدة عن خطة عمل تتألف من 6 محاور للاستفادة من التوصيات التي يقدمها 35 مجلساً من المجالس العالمية لاستشراف المستقبل. ومع ذلك، ومع كل هذه الجهود التي تستحق الإشادة، فإنّ دولة الإمارات العربية المتحدة ما تزال بعيدة جداً عن الوصول إلى مرحلة الريادة على صعيد الثورة الصناعية الرابعة. ويُعد مؤشر التنافسية العالمي وتقرير تقنية المعلومات العالمي الصادران عن منتدى الاقتصاد العالمي من بين أهم المؤشرات المعتمدة لقياس مدى جاهزية الدول للثورة الصناعية الرابعة. لقد قيم مؤشر التنافسية العالمي للعام 2016-2017 اقتصادات 138 بلداً، وأوضح العديد حول ما يحرك الإنتاجية والازدهار فيها. وما تزال دولة الإمارات العربية المتحدة رائدة على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتتمتع بعدد من المزايا التنافسية في قطاع البنية التحتية، بالإضافة إلى بعض المنتجات وأسواق العمل. إلى جانب ذلك، ذكر تقرير تقنية المعلومات الصادر عن منتدى الاقتصاد العالمي أنّ الإمارات العربية المتحدة نجحت في إحراز بعض الخطوات المتواضعة هذا العام على مستوى تبني التكنولوجيا وتطوير بيئة الأعمال على الرغم من تراجع الاستقرار على مستوى الاقتصاد الكلي نظراً لتراجع أسعار النفط. وفي ذات السياق، يُعتبر  تحقيق التقدم، عبر قيام الدولة بتنويع اقتصادها وتعزيز الابتكار، (حيث تحتل الإمارات حالياً المرتبة 25 عالمياً من حيث الابتكار) أمراً بالغ الأهمية. وهنالك فرصة كبيرة للاستفادة بشكل أفضل من التقنيات الرقمية التي تُعد من أدوات التمكين المهمة للابتكار في مجال الأعمال. وحلت الإمارات العربية المتحدة في المرتبة 26 في تقرير تقنية المعلومات العالمي على مستوى جاهزية الشبكات. ويحدد هذا التقرير الجوانب الأساسية المتعلقة بمحركات وآثار الثورة الصناعية الرابعة ويضع المفاهيم والمقاييس ذات الصلة بالتعاون مع الخبراء وصناع السياسات ومؤسسات الأعمال.

تلعب حكومة الإمارات العربية المتحدة دوراً ريادياً نحو تحقيق المزيد من الترابط الرقمي (وهي الثانية عالمياً على مستوى الاستخدام الحكومي)، إذ توفر رؤية ثابتة فيما يخص القطاع وتحقيق النجاح في الترويج له (وهي الأولى عالمياً في كلا المؤشرين). كما شهد الاستخدام الفردي تحسناً كبيراً (المرتبة 19، حيث صعدت مرتبة)، لاسيما فيما يتعلق باشتراكات شبكة إنترنت الهاتف المحمول وشبكات الإنترنت الخاصة بالمنازل، على الرغم من أنّ بعض الخدمات في قطاع تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات لم تحقق حتى الآن انتشاراً واسعاً. كما أنّ تبني مؤسسات الأعمال لتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات والاستفادة من ذلك اقتصادياً يشهد تحسناً مطرداً في السنوات الأخيرة، إلا أنه ما تزال هنالك فجوة نسبياً مقارنة بالاقتصادات الأكثر تطوراً في هذا المجال. إضافة إلى ذلك، فإنّ النشاط على صعيد براءات الاختراع، سواء العامة أو المتعلقة بتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، ما يزال منخفضاً. ويسلط كلا التقريرين الضوء على الحاجة الماسة في الإمارات العربية المتحدة لتعزيز الجاهزية التقنية وتطور بيئة الأعمال. ولم يكن مستغرباً حين وجد منتدى الاقتصاد العالمي ارتباطاً بين إجمالي الناتج المحلي للفرد وهذين الجانبين بالتحديد مع مرور الوقت. كما أنّ الابتكار وتطور بيئة الأعمال باتا يرتبطان بشكل أوثق مع مستويات الدخل عموماً في الاقتصادات الناشئة والاقتصادات المصدّرة للسلع بشكل خاص، مقارنة بما كان عليه الأمر في السابق. ويظهر الشكل التالي كيف أصبح إجمالي الناتج المحلي للفرد لهاتين المجموعتين، منذ العام 2010، مرتبطاً بمحاور الجاهزية التقنية وتطور بيئة الأعمال والابتكار في مؤشر التنافسية العالمي، أكثر من ارتباطه بمحاور البنية التحتية والصحة والتعليم الأساسي والجوانب المتعلقة بالسوق (كفاءة أسواق السلع، وتطور الأسواق المالية، وكفاءة أسواق العمل).

وبما أنّ الإمارات العربية المتحدة اقتصاد ناشئ ومصدر للسلع فإنّ نتائج هذا التقرير الذي بين أيدينا بالغة الأهمية بالنسبة لها. وهنالك في واقع الأمر نتيجتان رئيسيتان يجدر على الدولة أن تأخذهما بعين الاعتبار وهي تمضي قدماً في البرنامج الخاص بالثورة الصناعية الرابعة. النتيجة الأولى هي أن تحسين العمليات المتبعة في المؤسسات والقدرة على اعتماد التقنيات الجديدة يُعتبر بديل أكثر كفاءة لتحفيز النمو الاقتصادي مقارنة بالاستثمارات التقليدية في رأس المال المادي أو البشري الأساسي، وذلك بالنسبة للاقتصادات الناشئة. والأمر الثاني هو أنّ التقرير يسلط الضوء على فرصة سانحة للدول المصدرة للسلع، مثل الإمارات العربية المتحدة، من أجل الانخراط في أنشطة الابتكار، وذلك لأن تغيّرات الأسعار التي تطرأ في نهاية دورة السلع الأساسية إلى جانب التقدم التكنولوجي السريع سيخلق حافزاً للقيام بذلك.

ومن أجل تجسيد وتطبيق هاتين التوصيتين، مع الأخذ بالاعتبار مبادرات الإمارات العربية المتحدة الجارية من أجل الاستعداد للثورة الصناعية الرابعة، فيتوجب عليها أن تركز على سياسة من 5 محاور للنهوض باستراتيجيتها للاستعداد للثورة الصناعية الرابعة:

استخدام البيانات: يتوجب على الدولة زيادة استفادتها من البيانات لتحقيق أفضل النتائج. ومن أجل القيام بذلك فإنّ على الإمارات أن تخلق أسواقاً مستقرة للبيانات وتضمن نجاح المبادرات التي تعنى بتيسير استخدام البيانات الشخصية. كما سيلزم الدولة أن تقدم توضيحات أفضل للعمليات الخاصة بمنح الرخص والعلامات التجارية في مجال الذكاء الاصطناعي، وذلك في المسائل المتعلقة بالملكية الفكرية، وتوفير التعويض المناسب عند مشاركة التقنية أو البيانات مع طرف خارجي، ووضع برنامج محدّث للاستخدام من أجل التعامل مع جوانب الملكية الفكرية القائمة، مع الاهتمام في الوقت ذاته بتحقيق التوازن بين حماية البيانات واستخدامها، وذلك من أجل تعزيز الابتكار عبر الاستخدام الملائم للبيانات. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ على الدولة السعي لزيادة التعاون مع القطاع الخاص من أجل فهم البيئة التنافسية في السوق الرقمي والتعامل مع المسائل والتحديات الأساسية، والحرص في الوقت ذاته على توضيح الجوانب التي تخرج عن نطاق القوانين الحالية وكيف يمكن للدولة التعامل معها في ظل إدراكها إلى الحاجة لمنهجيات جديدة في نطاق واسع من الأنظمة القائمة.

تسريع الابتكار: إنّ تسريع وصول الابتكارات الملائمة للعملاء مع التركيز على الاستفادة من التقنيات الجديدة وإنشاء نماذج أعمال مزعزعة يُعد خطوة أساسية في طريق الجاهزية للثورة الصناعية الرابعة. وتحتاج الإمارات العربية المتحدة على وجه التحديد، ولاسيما على صعيد التعاون الأكاديمي الصناعي، أن تسعى إلى تحقيق زيادة كبيرة في حجم الاستثمارات ضمن الجامعات ومؤسسات الأبحاث والتطوير في السنوات العشر المقبلة. كما يجب على الدولة أن تهدف إلى إطلاق مبادرات على غرار مبادرة منطقة 2,71 التي تم إطلاقها مؤخراً، وذلك من أجل تحويل المدن إلى بؤر عالمية لرواد الأعمال، مع الحرص في الوقت ذاته على تعزيز التعاون الاستراتيجي بين الشركات الكبرى والشركات الناشئة.

بيئة الأعمال المرنة والفعالة: تحتاج الإمارات العربية المتحدة إلى إرساء النظم والبيئات الضرورية لتلبية الاحتياجات المتنوعة للشركات، وذلك من أجل زيادة القدرة على الدمج السريع والمرن بين أنشطة الأعمال المختلفة. وسيكون على الدولة اعتماد توليفة من المنهجيات المرنة للتعامل مع المستوى المتزايد من التعقيد في الأسواق، والتي تتطلب العمل ضمن دوائر تعلم واختبار أكثر سرعة.

مؤسسات الأعمال الصغيرة والمتوسطة: من الضروري التركيز على التوجه نحو الاستثمار في تقنية المعلومات ضمن الشركات الصغيرة والمتوسطة، بحيث يتم الانتقال من الاستثمار في عمليات التحكم الداخلية إلى أنشطة الأعمال التي تحقق أرباحاً فعلية، مثل تصنيع العمليات والخدمات وأنشطة المبيعات. ويجب على الإمارات العربية المتحدة أن تسعى للتوسع في استخدام الروبوتات لدعم الأتمتة في مجال العمل. ومن أجل الربط بين تطوير نظم المنصة الأساسية مع تطوير نماذج أعمال جديدة، فلا بد من توفير نظم دعم لعمليات توحيد المعايير على المستوى الدولي. وسيكون الهدف من ذلك هو زيادة القيمة المضافة على الخدمات والمنتجات التي تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي.

تطوير بيئة الأعمال: وأخيراً وليس آخراً، تُعد مسألة تطوير بيئة الأعمال عنصراً أساسياً للاقتصاد المعتمد على الابتكار والمرتبط بجودة البنية التحتية للأعمال في الدولة، بالإضافة إلى جودة شبكاتها وعملياتها والاستراتيجيات التي تتبعها الشركات. ولا بد أن يجري تعميم استراتيجية الإمارات العربية المتحدة لاستشراف المستقبل، كما يجب وضع هدف محدد لتحقيقه على المدى المتوسط. ومن الضروري أيضاً وضع خارطة طريق تشتمل على كافة العناصر المطلوبة لتحقيق هذا الهدف (تحديث القوانين، تطوير مؤسسات الأعمال، تطوير الأعمال في القطاع الخاص، والقوانين والأنظمة الذاتية)، بحيث يتبع ذلك تطوير آلية تتيح لتعديل خارطة الطريق وفقاً لتغيّر الظروف مع الحرص على القيام بإجراءات تعنى بالمدى القصير.

بينما تستعد الدول في المرحلة الحالية لاستقبال الثورة الصناعية الرابعة فإنّ على القادة إيلاء قدر كبير من الاهتمام بمسألة التنافسية والاستدامة. وأرست الإمارات العربية المتحدة القيم والرؤى المطلوبة لتحقيق الجاهزية التامة للثورة الصناعية الرابعة، وكل ما تحتاج إليه الآن هو تطبيق التوصيات التي أشرنا إليها من أجل الاستمرار في تعزيز الابتكار وتطوير الجوانب المختلفة في بيئة الأعمال.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!