الأنا هو عدو القيادة الرشيدة

3 دقائق
القيادة الرشيدة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

في أول يوم عمل له بمنصب رئيس تنفيذي لمجموعة “كارلسبيرغ” (Carlsberg)، الشركة العالمية لتصنيع المشروبات، سُلّم سيز هارت بطاقة إلكترونية من قبل مساعده، تمنع هذه البطاقة وصول بقية الطوابق إلى المصعد بحيث يستطيع الوصول مباشرة إلى مكتبه الجانبي في الطابق الـ 20. أتاح مكتبه ذو الواجهة الزجاجية إطلالة ساحرة على مدينة كوبنهاغن، وكانت هذه بضع مزايا منصبه الجديد التي دلّت على سلطته وأهميته في الشركة.

قضى سيس الشهرين التاليين في التكيف مع مسؤولياته الجديدة، لكنه لاحظ خلال هذين الشهرين أنه يلتقي بعدد قليل جداً من الأشخاص على مدار اليوم، ونتيجة لعدم توقّف المصعد في الطوابق الأخرى وعمل مجموعة منتقاة من الرؤساء التنفيذيين في الطابق الـ 20، فإنه نادراً ما يتفاعل مع الموظفين الآخرين في مجموعة “كارلسبيرغ”. قرّر سيس الانتقال من مكتبه الجانبي في الطابق الـ 20 إلى مكتب فارغ ذي أرضية مكشوفة في أحد الطوابق السفلية. 

عندما سُئل عن هذه التغييرات، فسّرها سيس قائلاً: “إذ لم ألتق بالناس، فكيف سأتمكن من معرفة أفكارهم، وإذا لم أكن على دراية بالتطورات الحاصلة في المؤسسة، فلا يمكنني القيادة بفعالية”.

تشكّل هذه القصة مثالاً جيداً حول تصرّف فاعل اتخذه أحد القادة لتجنب خطر العزلة المصاحبة لشغل مناصب عليا، ويُشكّل هذا الخطر مشكلة حقيقية لكبار القادة. باختصار كلما ترقّى القادة في السلم الوظيفي، زاد خطر تضخم الأنا خاصتهم، وكلما تضخم الأنا خاصتهم، زاد خطر أن ينتهي بهم المطاف في فقاعة معزولة بحيث يبتعدون عن القيادة الرشيدة ويخسرون الصلة مع زملائهم ومع ثقافة المؤسسة وزبائنهم في نهاية المطاف.

دعونا نحلّل هذه الديناميكية خطوة بخطوة، كلما ارتقينا في السلم الوظيفي، حصلنا على سلطة أكبر، وهكذا تزداد رغبة الناس بإسعادنا من خلال الإصغاء بمزيد من الاهتمام وزيادة القبول والضحك على دعاباتنا. يدغدغ كل ما سبق الأنا، وعندما يُدغدَغ الأنا يتضخّم. يدعو كل من ديفيد أوين، وزير الخارجية البريطاني الأسبق وطبيب الأعصاب، وجوناثان ديفدسون، أستاذ الطب النفسي والعلوم السلوكية في جامعة “ديوك” ذلك بـ “متلازمة الغطرسة“، والتي يُعرّفانها على أنها “خلل في امتلاك السلطة، وخصوصاً السلطة التي اقترنت بنجاح هائل صمد لفترة من الزمن”. 

يمكن للأنا الجامح أن يُشوّه آراءنا أو يلوي قيمنا، وعلى حد تعبير جينيفر وو، الرئيسة التنفيذية ورئيسة مجلس الإدارة لمجموعة “لين كروفورد جويس” (Lane Crawford Joyce)، أكبر متاجر التجزئة الفاخرة في آسيا، فإن: “ضبطَ توق الأنا للثروة والشهرة والنفوذ هي المسؤولية الأساسية لأي قائد”، وعندما نعلق في قبضة توق الأنا لمزيد من السلطة، فإننا نفقد السيطرة. يجعلنا الأنا فريسة سهلة للتلاعب، ويَحدّ أفقنا، ويُفسد سلوكنا، وغالباً ما يجعلنا نتصرف عكس قيمنا.

يشبه الأنا خاصتنا هدفاً نحمله معنا، ومثل أي هدف، كلما كبر حجمه أصبح أكثر عرضة لإصابته، وبهذه الطريقة يُسهّل الأنا المتضخم على الآخرين استغلالنا، ولأنه يتوق إلى الانتباه الإيجابي، فهو قادر على جعلنا عرضة للتلاعب، كما أنه يجعل تصرفاتنا متوقعة، وعندما يعرف الناس هذا يمكنهم التلاعب بالأنا الخاص بنا، وعندما نكون ضحايا حاجتنا إلى رؤيتنا على أننا عظماء، ينتهي بنا المطاف باقتيادنا إلى اتخاذ قرارات قد تكون مؤذية لنا ولموظفينا ومؤسستنا. 

كما يُفسد الأنا المتضخم سلوكنا، لذلك عندما نعتقد أننا الصنّاع الوحيدون لنجاحنا، نميل إلى أن نصبح أكثر فظاظة وأنانية وأكثر عرضة لمقاطعة الآخرين، وينطبق ذلك خاصة عند مواجهة المعارضات والانتقاد، وبتلك الطريقة يمنعنا الأنا المتضخم من التعلّم من أخطائنا، ويخلق جداراً دفاعياً يتعذّر بوجوده تقدير الدروس القيّمة التي نستخلصها من الفشل. 

أخيراً، يحدّ الأنا المتضخم رؤيتنا. إذ يبحث الأنا دوماً عن معلومات تؤكد ما يريد أن يُصدّقه، وببساطة يجعلنا الأنا الكبير نميل إلى التصديق بشدّة، ونتيجة لهذا، نفقد منظورنا وينتهي بنا الحال معزولين في فقاعة القيادة حيث نرى ونسمع ما نريده فحسب. ونتيجة لذلك، نبتعد عن قواعد الإدارة الرشيدة ونفقد التواصل مع الأشخاص الذين نقودهم والثقافة التي نشكّل جزءاً منها ومع عملائنا وأصحاب المصالح في نهاية المطاف. 

يعدّ التحرر من الأنا فائق الحماية أو المتضخم وتجنّب الانعزال في فقاعة القيادة عمل مهم وصعب، ويتطلّب غيرية وتأملاً وشجاعة. فيما يلي بعض النصائح التي ستساعدك على ذلك:

  • قيّم الفوائد والامتيازات التي تُعرض عليك في منصبك، حيث يتيح لك بعضها أداء عملك بفاعلية، وذلك أمر رائع، لكن بعضها الآخر هو عبارة عن امتيازات لتعزيز منصبك وسلطتك والأنا الخاص بك في نهاية المطاف. فكّر في امتيازاتك التي تستطيع التخلّي عنها. من الممكن أن يكون موقف السيارات المحجوز لك أو كما في حالة سيس هارت تصريح خاص للمصعد.
  • إدعم الأشخاص الذين لن يُغذّوا الأنا خاصتك وطوّرهم وتعاون معهم، ووظّف أشخاصاً أذكياء يتمتعون بالثقة بالنفس ليعبّروا عن رأيهم. 
  • يُمثّل التواضع والامتنان الركائز الأساسية للغيرية. تعوّد على تخصيص الوقت في نهاية كل يوم لتفكّر في جميع الأشخاص الذين أسهموا في نجاحك في ذلك اليوم. سيساعدك هذا على تطوير إحساس طبيعي بالتواضع من خلال رؤية كيف أنك لست السبب الوحيد وراء نجاحك، واختتم تأمّلك بإرسال رسالة شكر بنشاط إلى أولئك الأشخاص.

الأنا المتضخم الذي يترافق مع النجاح – مثل الحصول على راتب أعلى ومكتب أجمل وإعجاب الآخرين – غالباً ما يجعلنا نشعر كما لو أننا اكتشفنا الإجابة الخالدة حول ماهية أن يكون المرء قائداً، ولكن الحقيقة هي أننا لم نكتشفها. تتمحور القيادة الرشيدة حول الناس ويتغيّر الناس يومياً، وإذا كنا نعتقد أننا وجدنا السبيل العالمي إلى قيادة الناس، فقد خسرناه للتوّ، وإذا سمحنا للأنا الخاص بنا أن يُحدّد ما نراه ونسمعه ونعتقده، فسنكون قد سمحنا لنجاحاتنا السابقة بتدمير نجاحنا المستقبلي.

اقرأ أيضاً: 5 مبادئ للقيادة الهادفة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!