يصادف هذا الشهر الذكرى العاشرة لانهيار شركة ليمان براذرز (Lehman Brothers)، هذا الانهيار الذي مهد الطريق لأسوأ أزمة مالية عالمية منذ عام 1929. وبمرور هذا الشهر نقترب أيضاً من الذكرى العشرين لإطلاق العملة الأوروبية الموحدة اليورو. وعندما سيجري تقييم أداء منطقة اليورو على مدار العقدين السابقين، فإن ذلك التقييم لا بد أن يوضع ضمن سياق الكارثة الاقتصادية التي تبعت انهيار ليمان براذرز.

وبالعودة إلى شهر يناير/كانون الثاني من العام 2009، فقد افترض المسؤولون الأوروبيون أن تلك الأزمة هي ظاهرة أميركية محضة ومن غير المتوقع أن تؤثر على الاقتصادات الأوروبية. بيد أن هذا الافتراض كان أبعد ما يكون عن الحقيقة؛ إذ سرعان ما شهدت أوروبا فترة ركود اقتصادي في الربع الأول من العام 2009، بعد بضعة أشهر فقط من تعرض الولايات المتحدة لذلك الركود.  

غير أن الكارثة الحقيقية حصلت لاحقاً: فقد أعقبت فترة الانتعاش الخجول خلال العامين 2010-2011 فترة ركود ثانية ابتداء من الربع الثالث من العام 2011، ولم تبدأ أوروبا بالتعافي منه حتى عام 2015. ومع ذلك فقد تمكنت الولايات المتحدة التي شهدت ولادة الأزمة من تفادي الوقوع في فترة الركود الثانية وتابعت تعافيها. فما الأخطاء التي وقعت؟ وكيف لأزمة بدأت في الولايات المتحدة أن تلحق كل هذا الضرر بأوروبا؟ 

يتكون الجواب عن هذه التساؤلات من ثلاثة أجزاء:

1- خيارات البنك المركزي

لقد اتبع كل من البنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي، سياسات عامة متشابهة في مواجهة الأزمة، تمثلت في خفض معدلات الفائدة وضخ السيولة. لكنهما اختلفا كثيراً من حيث مدى ومواعيد تطبيق تلك السياسات.

فبحلول 16 ديسمبر/كانون الأول 2008 وصلت معدلات الفائدة في الولايات المتحدة إلى ما يقارب 0%. وكان البنك الاحتياطي الفيدرالي قد شرع بتطبيق سياسة التيسير الكمي من خلال الالتزام بشراء أوراق مالية بقيمة حوالي تريليون دولار، ارتفعت لاحقاً من خلال القيام بجولتين إضافيتين من تدابير التيسير الكمي. أما معدلات الفائدة في منطقة اليورو فقد بلغت في نفس ذلك الشهر 2.5% واستغرقت خمسة أشهر إضافية لتنخفض إلى قيمة 1%. ولا شك أن البنك المركزي الأوروبي لم يكن يشعر بالارتياح مع تلك القيمة المنخفضة وغير المسبوقة في تاريخه؛ ولذلك سرعان ما اغتنم أول فرصة سنحت أمامه، في صيف 2011، ليرفع معدلات الفائدة مجدداً إلى 1.5%. وفضلاً عن ذلك لم تكن هنالك حتى ذلك الحين أي مساع لتطبيق تدابير التيسير الكمي في أوروبا. 

وقد تطلب الأمر فترة ركود ثانية وتغييراً في القيادة قبل أن يقدم البنك المركزي الأوروبي على القيام "بكل ما يلزم" لإنقاذ اليورو. وهكذا خفّض ماريو دراغي (الذي خلف كلود تريشيت في موقع رئيس البنك المركزي الأوروبي) معدلات الفائدة إلى الصفر، ووضع بعد مفاوضات سياسية عصيبة خطة للتيسير الكمي موضع التطبيق بحلول العام 2015. وعلى الرغم من موافقة صانعي السياسة الأوروبيين على أن التدابير المتخذة كانت ضرورية لحماية اليورو من الانهيار تحت ضغط الأزمة، إلا أن تلك التدابير جاءت متأخرة كثيراً ولم تستطع إنقاذ منطقة اليورو من الوقوع في فترة الركود الثانية في العام 2012.

2- السياسة المالية

ومع بدء نفاد التدابير والإجراءات من جعبة البنك المركزي الأوروبي، توجهت جميع الأنظار إلى السياسة المالية. فبعد فترة ابتدائية اتخذت فيها حكومات منطقة اليورو تدابير تحفيزية في مجال السياسة المالية، انتقلت بعض تلك الحكومات – وبخاصة في بلدان أوروبا الجنوبية الأكثر معاناة من الأزمة (كإسبانيا واليونان والبرتغال) – بصورة مفاجئة إلى سياسة التقشف في السنوات 2010 إلى 2014. ويتفق اليوم معظم الخبراء على أن هذه السياسات قد سببت الكثير من الضرر والآثار السلبية الدائمة على النمو بحيث أنها أتت بنتائج عكسية. فقد لجأت الحكومات إلى تقليص الإنفاق للسيطرة على مستويات ديونها. بيد أن إجمالي الناتج المحلي قد انخفض إلى حد كبير كانت إحدى تبعاته الفعلية ارتفاع نسبة الدين إلى إجمالي الناتج كحصيلة نهائية. ونتج عن ذلك أن الدين بات أقل استدامة مما كان الأمر قبل تطبيق التدابير التقشفية. 

3- السياسات العامة

لماذا أخطأ قادة منطقة اليورو في فهم سياسات الاقتصاد الكلي إلى هذا الحد؟ لا شك أن بعض القرارات الخطأ التي اتخذت تعكس سوء تقدير وأحكام مغلوطة من جانب صانعي القرار في ذلك الوقت. فقد صوت مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي بالإجماع لصالح زيادة معدلات الفائدة في 7 يوليو/تموز 2011 خشية الوقوع في التضخم، الأمر الذي اتضح فيما بعد بأنه كان خطأً واضحاً.

ولكننا لا يمكننا أن ننسى أن السياسة في منطقة اليورو معقدة وعرضة لتأثير التجاذبات السياسية. فقد جرى تأجيل تدابير التيسير الكمي لكونها من منظور السياسيين تتعارض مع قاعدة "عدم الإنقاذ" المنصوص عليها في معاهدات اليورو. وهكذا نظر السياسيون إلى التقشف بوصفه السياسة الوحيدة الصحيحة الممكنة، وذلك بسبب النظرة الألمانية القائلة أن الأزمة إنما نتجت عن انعدام الالتزام والانضباط من قبل الحكومات الأخرى. وباستخدام تعابير يورغن ستارت، أحد الأعضاء السابقين لمجلس البنك المركزي الأوروبي: "الحقيقة هي أن ألمانيا وبخلاف العديد من دول منطقة اليورو، قد اعتمدت سياسة اقتصادية حكيمة وحصيفة بشكل دقيق وموثوق. وفي حين كانت البلدان الأخرى تعيش وفق نمط حياة يتجاوز إمكاناتهم المادية، كانت ألمانيا تتفادى الإفراط والمبالغة".

وفي حين من الممكن أن تشكل تلك الذهنية نصيحة منطقية للأشخاص الواقعين في الدين، فإنها سياسة خطأ بالنسبة للبلدان وسياسة كارثية إذا ما طُبّقت على بلدان منطقة اليورو دفعة واحدة. فقد وصف جون ماينارد كاينس، عام 1936 في كتابه "النظرية العامة للتوظيف والفوائد والمال" ( The General Theory of Employment, Interest and Money)، ما يمكننا تسميته مفارقة التقتير: "إن أثر حجم استهلاك الفرد على مداخيل الآخرين يجعل من المستحيل أن ينجح جميع الأفراد في الوقت ذاته بتوفير أي مبالغ مالية. ولعل كل مسعى كهذا للتوفير عبر خفض الاستهلاك سيؤثر على المداخيل على نحو يحتّم تحقيق نتائج عكسية". بعبارة أخرى، عندما نحاول جميعاً توفير المال في نفس الوقت، لن ينجح أحد في التوفير، وسوف نغدو جميعاً أكثر فقراً.

ما هو مستقبل اليورو؟

بعد مرور عشر سنوات بعد الأزمة، يسأل مراقبو الاقتصاد الأميركي ما إذا كنا قد تعلمنا ما يكفي من أزمة 2008 حول كيفية إدارة المخاطر في النظام المالي. أما منطقة اليورو فتطرح سؤالاً مختلفاً: ألا وهو ما إذا كنا قد تعلمنا ما يكفي حول السياسات النقدية والمالية لإدارة الأزمة التالية بشكل أفضل. وأخشى أن الجواب هو "لا". 

إن معدلات الفائدة اليوم لا تزال منخفضة (سلبية)، والسياسة النقدية بعيدة كل البعد عن أن تكون عادية، وليس هنالك أي مجال لتخفيض معدلات الفائدة بغية تحفيز الاقتصاد في حال حدوث أزمة مالية. وبمقدور البنك المركزي الأوروبي أن يتخذ المزيد من تدابير التيسير الكمي، ولكن ذلك سيلقى في الغالب معراضة بعض بلدان منطقة اليورو – ولن يكون رئيس البنك المركزي الأوروبي موجوداً، حيث إنه سيستقيل بحلول شهر أكتوبر/تشرين الأول 2019. وليست حال السياسة المالية بأفضل من حال السياسة النقدية، فحكومات منطقة اليورو لا تزال تعاني من مستويات مرتفعة من الدين، ما يترك حيزاً صغيراً لأي تدابير تحفيزية في مجال السياسة المالية، في حال تعرض المنطقة لفترة ركود اقتصادي. 

والأكثر من ذلك أن على حكومات منطقة اليورو أن تنسق سياساتها المالية فيما بينها إذا ما أرادت لتلك السياسات أن يكون لها أي أثر؛ الأمر الذي يتطلب توافقاً سياسياً في جميع بلدان منطقة اليورو. بيد أن تلك البلدان وبنتيجة الأزمة المالية التي عانت منها قبل عشرة أعوام باتت اليوم تواجه تحدياً آخر، إذ إن تداعيات تلك الأزمة لم تقتصر على إضعاف بلدان منطقة اليورو اقتصادياً، بل تركت أيضاً ندوباً سياسية عميقة بين تلك البلدان. وفي الأزمة المقبلة لن يكون من السهل على البنك المركزي الأوروبي وحكومات منطقة اليورو تطبيق الإجراءات الضرورية الكفيلة بتفادي تكرار ما حدث قبل عشر سنوات. 

ومع اقترابنا من الذكرى العشرين لولادة منطقة اليورو في شهر يناير/كانون الثاني، دعونا نحاول التركيز على الإنجازات الإيجابية وإيجاد السبل المناسبة لتقوية الروابط السياسية التي يقوم عليها هذا المشروع. فإذا لم ينجح سياسيونا في تحقيق شعور بالهدف المشترك، سيكون هنالك احتمال ضئيل بأن يحتفل اليورو بذكرى ميلاده الـ 30 في العام 2029.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!