يتنامى الطلب على العمل وإنجاب الأطفال في آن معاً. وفي حين تتراجع ساعات العمل عالمياً (لأسباب من بينها شيخوخة السكان)، يعمل الموظفون بدوام كامل لوقت أطول. وفي الولايات المتحدة على سبيل المثال، يعمل الموظفون 47 ساعة في الأسبوع وأربعة من أصل 10 يعملون أكثر من 50 ساعة. ويزداد عدد العاملين لفترات طويلة بشكل ملحوظ لا سيما في المهن التي تتطلّب مهارات عالية. بالإضافة إلى ذلك، وبحسب البنك الدولي، تشكّل النساء اليوم 40 إلى 50% من اليد العاملة في العديد من الدول، ما يعني أن العمل خارج البيت يؤثر على الرجال والنساء بشكل متساو أكثر فأكثر.

في حين أننا اليوم نقضي وقتاً أطول مع أطفالنا. فقد وجد باحثون في يو سي ايرفين، جامعة كاليفورنيا (UC Irvine) أنّ الآباء في 11 بلداً يمضون مع أطفالهم حوالي ضعف الوقت الذي كان الآباء يقضونه مع أطفالهم قبل 50 عاماً، بينما تقضي الأمهات ساعة أكثر في اليوم مما كانت تفعله في العام 1965، ويقضي الآباء حوالي الساعة مع أطفالهم مقارنة بـ15 دقيقة في العام 1965. ووجد مركز أبحاث بيو أنّ الآباء اليوم يعتبرون تربية الأطفال مركزية لهوياتهم بقدر ما هي مركزية للأمهات (إلاّ أن الأمهات يقضين وقتاً أطول في تربية الأطفال من الآباء)، وأنّ الأسر التي تضم أطفالاً تشكّل اليوم 66% من الأسر المزدوجة الدخل مقارنة بـ49% في العام 1970. وليس من المفاجئ نظراً إلى التزاماتنا هذه الأيام، أن نجد 50 إلى 60% من الآباء يواجهون صعوبة في تحقيق التوازن بين العمل والحياة الشخصية.

وعندما قررنا أن نؤسس عائلة قبل سنوات، كانت حياتنا مختلفة جداً. كنّا ننام أكثر وكان لدينا وقت فراغ أطول. فقد كانت أشغالنا مختلفة وساعات العمل أيضاً. وكان وضعنا المالي أبسط. وقرارنا بأن نصبح آباء كان يستحق كلّ مقايضة نقوم بها، ولكنّ ذلك غيّر كل شيء تقريباً في حياتنا العملية والشخصية. وقد رأينا أزواجاً آخرين يختبرون تغييرات مماثلة، من خلال عملنا جاكي كمستشارة زواج وجون كمدير. وبناء على تجربة شخصية ومهنية، نشجّع الأزواج الحديثين على تربية الأطفال، ونشجع هؤلاء الذين يفكرون في الإنجاب أن يبدأوا المحادثة عبر طرح خمسة أسئلة.

ما الذي يريده كل شخص بشكل فعلي؟

لدى الرجال والنساء اليوم غالباً حرية أكبر في اختيار العمل داخل البيت أو خارجه. وكما أشرنا سابقاً، يعمل عدد متزايد من النساء خارج البيت وبحسب استطلاعات أخيرة، يختار عدد قليل ولكن متزايد من الرجال تربية الأطفال بـ"دوام كامل". ولكن الأعراف الثقافية تواصل وضع ضغوط كبيرة على الثنائي. فحين رزقنا بطفلنا الأول، خططت جاكي أساساً للعودة إلى العمل بعد انتهاء إجازة الأمومة القصيرة، ولكنها قررت أخيراً أن تأخذ عطلة أطول وتقضيها مع الطفل. وكان ذلك خياراً صحيحاً وهو ما أرادته، إلاّ أنها شعرت بضغط هائل للعودة إلى العمل. وعلى العكس، ثمة نساء يرغبن في ممارسة مهنتهنّ ولكنهن يشعرن بضغط للبقاء في المنزل مع الأطفال. وغالباً ما يُفترض أنّ الرجال لا يزالون أكثر ملاءمة للعمل خارج المنزل، بدلاً من البقاء في المنزل للاهتمام بالعائلة.

وحسب الدوائر الاجتماعية، يمكن أن يكون الضغط كبيراً لمنح الأولوية سواء للعمل أو للعائلة، عبر خوض مسيرة مهنية طموحة أو إتاحة المرونة لتمضية المزيد من الوقت مع الأطفال. ولا يوجد إجابة صحيحة عن هذه الأسئلة، ولكن ثمة إجابة صحيحة لك ولعائلتك. وتبدأ الإجابة بالصدق والانفتاح مع نفسك ومع الآخر: ما الذي يريده كل شخص فعلاً؟ اطرحوا السؤال بشكل متكرر لأن الجواب قد يتغيّر مع الوقت.

ما هي حاجاتكم وقيودكم المالية؟

قليلون من هم لا يعانون من القيود المالية. فهذه القيود تشكّل الواقع الذي نعيش فيه. فحين يكون لدى الآباء العاملين أطفال، يكون الحساب الدقيق للوضع المالي (كم نريد من المال، كم نحتاج، وكم نملك) أساس مقارباتنا للقيود التي ترزح تحتها كل عائلة. وبعض الأسر ليس لديها خيار القيام بوظيفتين بسبب حاجات رعاية الطفل أو بسبب مشاكل صحية، في حين يضطر آخرون لاختيار مسار الوظيفتين بسبب الحاجات المالية. ففي الولايات المتحدة، تكلّف تربية كل طفل حوالي 230 ألف دولار أي 12.350 إلى 14 ألف دولار في السنة، وبحسب موقع كير تكلّف الرعاية اليومية أكثر من 10 آلاف دولار في السنة كمعدّل وسطي بينما يكلّف توظيف مربية أطفال أكثر من 28 ألف دولار سنوياً. إذاً، تربية الأطفال مكلفة ولكنّها ذات مغزى. ومع أنّ الوضع المالي لكلّ عائلة مختلف عن الأخرى، ولكن من الأهمية بمكان تقييم الوضع بشكل دقيق كي يتمكّن الآباء العاملون من تقييم خياراتهم بشكل صحيح.

ما هو الدور الذي سيقوم به كل شخص؟

قبل أن ترزقوا بأطفال، من المفيد أن تكونوا واضحين بشأن توزيع المسؤوليات وأن تكونوا مرنين في مسألة مساندة بعضكم البعض عند الضرورة. فتقسيم العمل يمكنه ببساطة أن يجعل القرارات اليومية أقل إجهاداً. من يدفع الفواتير؟ من يخرج القمامة أو ينظف الصحون؟ من المسؤول عن توصيل الأطفال إلى المدرسة أو إعادتهم إلى المنزل؟ من سيبقى في المنزل حين يمرض أحد الأطفال؟ وأظهر البحث أنّ تقسيم العمل داخل الأسرة (لا سيما التقسيم العادل) يمكنه المساعدة في تخفيف ميل "الآباء إلى التعبير عن استيائهم من بعضهم البعض عند انتهائهم من الأعمال المنزلية". وبيّن البحث أنّه في حين يحتاج الأزواج إلى أن يكونوا منفتحين على المرونة وعلى مساعدة بعضهم البعض، إلاّ أنّ وضع مقاربة مفهومة من الطرفين للأدوار المنزلية يمكنه أن يساعد بشكل هائل في تخفيف إمكانية حصول نزاعات.

من يخسر ومتى؟

تتطلب الوظائف منّا أحياناً التنقل. كما أنّ حاجاتنا المالية تتطلب ممارسة أعمال مزعجة. لذلك عليكم أن تكونوا صادقين حيال من هو الخاسر من القرارات التي تتطلب خيارات قاسية واحرصوا ألاّ يكون هو الشخص ذاته كل مرة. فالعلاقات تتطلّب تنازلات. وعند اتخاذ القرارات، يمكن إعطاء الأولوية لشخص على آخر، ولكن لا يمكن للشخص نفسه أن يخسر أو يربح كلّ مرة وذلك من أجل المحافظة على حياة مشتركة سعيدة. على سبيل المثال، شهدنا حصول شخص في علاقة على عرض عمل رائع يتطلّب التنقل وهو أمر قد يكون جيداً، ولكن حين يتكرر الأمر عدة مرات، فإنّ الشريك الذي يفرض عليه أن يتأقلم كل مرة، يمكنه سريعاً أن يشعر بأنّه ضحية الاستغلال. لذلك إذا شعر أحد الشركاء بأنّ عليه دائماً أن يقدم تنازلات فعليه أن يعبّر عن نفسه. فعلى كل شخص في علاقة أن يكون منفتحاً على الإصغاء لمخاوف الآخر.

كيف يمكننا أن نبقى قريبين من بعضنا البعض؟

كما أنه يمكن التوفيق بين العمل والأطفال، يمكن أيضاً إهمال الزوج أو الشريك. وإذا كانت العلاقة تنهار أو تتمزق، يصبح العمل والأطفال أصعب أكثر فأكثر. ومن المهم إذاً، إبقاء علاقتنا والصحة العقلية والجسدية والروحية لكل فرد، أولوية على أي شيء آخر حتى الأطفال والعمل. فكيف يمكن أن نعطي علاقتنا الأولوية عملياً في فوضى العمل والأطفال؟ كم مرة سنخرج سوية بمفردنا؟ هل يمكننا إفراد وقت لمحادثة ذات مغزى كل يوم؟ هذا قد يعني تخصيص مال لجليسة أطفال لليلة أسبوعياً وإمضاء الوقت بعيداً عن العمل لإعادة الروابط مع شريكنا أو العثور على وقت لمشاركة غداء طويل سوياً. ربما يتمثل الحل الأهم معضلة دينامية العمل والعائلة في ذواتنا نحن، فمناقشة قواعد الطريق الذي سنسلكه لتحقيق الاستدامة في علاقتنا يمكنه أن يكون أساسياً في ظل تراكم العمل ومسؤوليات العائلة.  

يمكن لإنجاب الأطفال أن يكون أمراً مجزياً بشكل ملحوظ. ولكن قرار إنجاب الأطفال لا يناسب الجميع. فبالنسبة للأزواج الذين يفكرون في إيجاد توازن بين العمل وإنجاب الأطفال، كما اختبرنا مع الوقت من موقع الاستشارة الزوجية أو من تجربتنا الشخصية، فإنّ النقاش المنفتح لسبل إنجاح الدينامية المعقدة سيقود إلى علاقات وحياة عملية أكثر سعادة وصحة. فإذا كنتم تفكرون في الإنجاب أو تحاولون إرساء التوازن بين العمل والأسرة، نشجعكم على طرح هذه الأسئلة الخمسة على بعضكم البعض قبل أن تنتقلوا إلى الخطوة التالية.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!