مع إقدام الكثيرين على الاستقالة، لا تغفل عن أولئك الذين يبقون في عملهم

7 دقائق
استنزاف الكوادر البشرية
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: تشهد سوق المواهب تغيرات جذرية، وبات عليك أن تفكر في موظفيك كعملاء وأن تولي اهتماماً بالغاً باستبقائهم والحفاظ عليهم. هذه هي الخطوة الأولى لإبطاء استنزاف الكوادر البشرية واستعادة منحنى النمو إلى سابق عهده. ولن يحدث هذا إذا شعروا بالتجاهل في ظل الانشغال بتعيين موظفين جدد أو عدم تقدير جهودهم التي يبذلونها لمواصلة تسيير دولاب العمل في الشركة. فهم يحتاجون إلى النظر بعين الاحترام إلى هويتهم الشخصية وتقدير إسهاماتهم، ويجب على قيادة الشركة ضمان حدوث ذلك. وتستعرض كاتبتا المقالة 4 خطوات يجب على القادة الشركات اتخاذها.

إذا راود أحدنا الشك، فالبيانات هي الفيصل. واستناداً إلى البيانات المتوافرة بين أيدينا، فيمكن القول بكل طمأنينة إن الاستقالة الكبرى باتت حقيقة لا جدال فيها. فقد أفادت وزارة العمل الأميركية أن 11.5 مليون عامل قد استقالوا من وظائفهم خلال أشهر أبريل/نيسان ومايو/أيار ويونيو/حزيران 2021. ولم ينته الأمر عند هذا الحد، فوفقاً لنتائج بحث أجراه معهد “غالوب”، فإن 48% من الموظفين يتمنون من صميم قلبهم تغيير المؤسسات التي يعملون بها، ووفقاً لنتائج بحث أجرته شركة “بيرسونيو” (Personio)، فإن موظفاً واحداً من كل 4 موظفين سيُقدِم على اتخاذ هذه الخطوة في الأشهر الستة المقبلة. وتشير التقديرات إلى أن أولئك الذين يبحثون عن فرص جديدة سيجدون فرصاً سانحة أمامهم، فقد سجلت الولايات المتحدة خلال شهر يونيو/حزيران أعلى معدلات الوظائف الشاغرة التي بلغت 10.1 مليون فرصة عمل.

ماذا يعني كل هذا لمؤسستك؟ يعني هذا أنك مطالب بتلبية حاجتين مُلحتين في الوقت ذاته: شغل الوظائف الشاغرة التي تركها الموظفون الذين قدموا استقالاتهم، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تعيين موظفين جدد لدعم نمو الشركة. تجدر الإشارة هنا إلى أن الندرة باتت حقيقة لا مراء فيها، ومن الصعب أن تجد أفراداً يملكون الكفاءة اللازمة لشغل الكثير من الوظائف الشاغرة. ولا شك في أن اختلال التوازن بهذا الشكل بين العرض والطلب يسلط الضوء أكثر من أي وقت مضى على أن الإنتاجية ترتبط أولاً وأخيراً بالعنصر البشري.

وأفضل طريقة لتحقيق الاستقرار في شركتك هي العمل بكل السبل لوقف تسونامي استنزاف الكوادر البشرية وزيادة معدلات استبقاء الموظفين. ففي ظل الحاجة الماسة لتعيين المزيد من الموظفين، فإننا غالباً ما نُغفل الاهتمام بالمجموعة التي تختار البقاء على رأس العمل، أولئك الذين يحضرون إلى الشركة يوماً بعد آخر متحملين عبء إنجاز العمل المطلوب. فكّر فيما يحتاج إليه هؤلاء الأشخاص الآن، أولئك الباقون بين جدران الشركة يعملون معك ومن أجلك. فهم يحتاجون باختصار إلى النظر بعين الاحترام إلى هويتهم الشخصية وتقدير إسهاماتهم. وتُملي عليك واجبات منصبك كقائد أن تضمن حصولهم على التقدير الذي يستحقونه.

ونحن نتفهم الأمر، فقد مررتم بتجربة مريرة بصفتكم أصحاب عمل وقادة ومدراء وخبراء في الموارد البشرية، قاسيتم خلالها قسطاً وافراً من الغموض والتغيير الفجائي. ولديكم ما يكفي من المشكلات. ويؤدي افتقار المناصب الوظيفية للكوادر المناسبة بالأعداد الكافية لإنجاز الأعمال المطلوبة إلى دخول الشركة في حلقة مفرغة تضطرك إلى أن تلهث باستمرار بشكل أسرع وأسرع، متأثراً بقوى خارجة عن إرادتك. ولا يسعك عندئذٍ إلا التحكم في قراراتك، لأنها الشيء الوحيد الذي يمكنك التحكم فيه. وإذا أردت أن تضع حداً لمعدل دوران الموظفين في مؤسستك أو فريقك، فيجب أن تراجع نفسك أولاً وتقرر ما هو ممكن. لذلك، دعونا نخرج من الحلقة المفرغة ونوقفها لبعض الوقت. دعونا نتوقف ونرى ما هو ممكن، وما يمكن فعله لصنع الفارق.

ونورد فيما يلي 4 خطوات يمكن للقادة اتخاذها الآن للتصدي لموجة الاستقالة الكبرى بأفضل السبل الممكنة:

1. كُن على دراية بتأثيرك

ستظل بحكم منصبك كقائد موضع رقابة مرؤوسيك طوال الوقت، سواء أدركت ذلك أم لا. لذا، عليك أن تتمهل وتفكّر جيداً في مدلول كلماتك وأفعالك وانعكاساتها على شخصيتك. لنفترض أن شركتك تشهد معدلات قياسية في دوران الموظفين بنسبة 25% من إجمالي عدد العاملين وأن معدلات تعيين الموظفين الجدد تراجعت بنسبة 60% مقارنة بالعدد المستهدف (وهي سيناريوهات حقيقية في الكثير من الشركات). ويشعر موظفوك بالقلق والتوتر. فما مدلولات رسائلك الموجّهة إليهم حول الحقائق المرتبطة بهذه المشكلات المستعصية؟ وهل أنت على دراية بوقع مخاوفك وإحباطاتك على الآخرين؟ وهل تسهم دون قصد في تفاقم مخاوفهم وقلقهم؟ عندما تدرك مدى تأثيرك، يمكنك التحكم فيه وتوجيهه في الاتجاه الصحيح.

2. ركّز على الإمكانات والاحتمالات

على الجانب الآخر، لنفترض أن معدلات استبقاء الموظفين في مؤسستك تبلغ 75% وأنك نجحت في استقطاب عدد كبير من الموظفين الجدد في المؤسسة. فكّر في النتيجة التي تريد تحقيقها خلال هذه الفترة التي تشهد أحداثاً مُزعزعة بصورة غير مسبوقة. هذا هو الوقت المناسب لكي ترتكز على البراغماتية الممزوجة باستغلال الإمكانات المتاحة والشعور بالامتنان وإبداء التقدير للمعاناة المريرة لموظفيك القدامى والجدد. كن فضولياً واسأل:

  • ما تصوراتك لأفضل النتائج التي يمكن الخروج بها من هذا الموقف؟
  • ما الذي يستثيرك في هذا الموقف؟
  • ما الذي يمكنك الاستفادة به من هذا الموقف أنت أو فريقك أو مؤسستك؟

عندما تتواصل مع موظفيك بهذه الطريقة، فإنك ستزيد من الإمكانات والاحتمالات بدلاً من مفاقمة الخوف والقلق.

3. لا تسئ إلى المغادرين

بمناسبة الحديث عن التواصل، دعنا نلقِ نظرة على جانب آخر قد تتسبب من خلاله في إحداث تأثير غير مقصود، ألا وهو كيفية تعاملك أنت والآخرين في المؤسسة مع الموظفين عند مغادرتهم العمل.

عندما يقدم الموظف إخطاراً برغبته في الاستقالة، فإن رد الفعل يتخذ طابعاً أقرب إلى الانفصال العاطفي في أغلبية الشركات، حيث يشعر مسؤولوها بأن هذا الموظف قد تخلى عنهم ورفضهم. يؤدي هذا إلى بعض السلوكات غير الحميدة، مثل الميل إلى إلصاق تهمة “الخيانة” بالموظف المستقيل والتشكيك في مصداقيته أو نزاهته، على الرغم من أن الحال لم تكن كذلك قبل أن يرسل إخطاراً برغبته في الاستقالة. لكن هناك ميلاً إلى رفض وجوده والتقليل من إسهاماته. فكّر بعمق فيما يشير إليه هذا النوع من السلوك تجاه الموظف الذي ينوي المغادرة وتذكر أولئك الذين فضلوا البقاء على رأس العمل ويراقبون ما يجري.

يتمثل البديل في التعامل مع هذه التحولات بطريقة تنم عن الشعور بالامتنان. ومن المفيد أن تدرك أن عصر العمل بوظيفة واحدة مدى الحياة قد انتهى إلى الأبد، وباستثناءات نادرة، فإن موظفيك يعملون مع مؤسستك كمحطة مؤقتة في رحلتهم المهنية. لقد أسهموا بجهودهم، ونأمل أن يكونوا قد تعلموا أشياء جديدة ومفيدة. ولم يعودوا الأشخاص أنفسهم الذين التقيتهم عندما انضموا إلى مؤسستك، والشيء نفسه ينطبق عليك وعلى المؤسسة. فكيف سيكون الموقف إذا تمهلت لحظة عند تقديم الموظف لاستقالته وأتحت الفرصة للتعبير عن هذه الأشياء من جانب كلا الطرفين؟ وما الذي يمكن أن يحدث إذا تمهلت لحظة للاعتراف بمقدار النمو والتطور الذي حققه كلا الطرفين؟ وبدلاً من النظر إلى الاستقالة على أنها رفض للعلاقة المشتركة بين الموظف والمؤسسة، ما الذي يمكن أن يحدث إذا نظرت إليها باعتبارها مجرد نقطة انعطاف في هذه العلاقة؟

وتتصف شبكة مرشحي الوظائف الموهوبين بالضيق، أما المسيرة المهنية فطويلة وممتدة. فاحرص على إنهاء هذه المرحلة من العلاقة بإبداء التقدير المناسب لكلا طرفيها.

4. عامل موظفيك بالاحترام والاهتمام اللذين يستحقونهما

تشهد سوق المواهب تغيرات جذرية، وبات عليك أن تفكر في موظفيك كعملاء وأن تولي اهتماماً بالغاً باستبقائهم والحفاظ عليهم. هذه هي الخطوة الأولى لإبطاء استنزاف الكوادر البشرية واستعادة منحنى النمو إلى سابق عهده. ولن يحدث هذا إذا شعروا بالتجاهل في ظل الانشغال بتعيين موظفين جدد أو عدم تقدير جهودهم التي يبذلونها لمواصلة تسيير دولاب العمل في الشركة. ولا يمكنك أن تتعامل مع موظفيك كأمر مفروغ منه وتتوقع منهم البقاء، فالعلاقات الصحية لا تتكون بهذه الطريقة. وإليك الخطوات اللازمة لفعل ذلك:

أعد تعيينهم

فكر في شكل المحادثات إذا فرضنا أنك تجري مع الموظفين المستقيلين مقابلات شخصية لتعيينهم من جديد في شركتك.

  • خصّص بعض الوقت لفهم دوافعهم وطموحاتهم. إذ يشهد قطاع الأعمال اليوم تعيين موظفين جدد بأعداد كبيرة، فاحرص على تحديد الأماكن التي قد تتوافر فيها فرص متاحة داخل المؤسسة (حتى لو كانت خارج فريقك) لمساعدتهم على تحقيق أحلامهم وطموحاتهم التي يتطلعون إليها.
  • ساعدهم على رؤية أثرهم الإيجابي على أداء المؤسسة، وامنحهم الحق في الفخر به. لا تكتفِ بالاعتراف بما يفعلونه، ولكن عرّفهم على أسباب أهميته. دعهم يعرفوا اعتزازك بجهودهم خلال الأوقات الصعبة. فالإنسان يحب أن يعرف أنه يصنع الفارق.
  • لا تتوقف. فهذه ليست محادثات تجريها مرة واحدة وينتهي الأمر. ولا يصح أن تكتفي بالحديث حول ظروف وملابسات الاستقالة، معتقداً أن كل شيء بات على ما يرام. بل يجب أن يكون هذا هو التركيز الأساسي لكل مدير وقائد في شركتك.

كافئهم

قد يؤدي هذا إلى ضرورة إلقاء نظرة منهجية على الجوانب التي تحظى بالتقدير والمكافأة في مؤسستك، وكيفية فعل ذلك. قد يكون هذا مؤشراً على أن الوقت قد حان لتحدي الوضع الراهن إذا كان ما تراه من موظفيك وتسمعه من سوق المواهب يتعارض مع الواقع الحالي لشركتك. ولا يتعلق الأمر فقط بدفع مبالغ مالية أكبر لموظفيك، فقد أثبتت الأبحاث أن الأثر التحفيزي لزيادة الرواتب قصير الأجل، وأن كيفية إبداء التقدير لإسهامات موظفيك وتأثيرهم والاعتزاز بها لا تقل أهميةً عن تقديم الحوافز المالية.

  • فكر ملياً في ثقافة مؤسستك. وإذا وجدت أن الطرق القديمة لتسيير دولاب العمل لم تعد تخدم المؤسسة وموظفيها، فابحث عما يفيدها ويفيدهم بشكل أكبر.
  • كن على استعداد للتخلي عن الماضي… فقد ذهب الماضي وولَّى.
  • تحلَّ بالصبر في هذا الموقف. واحرص على مراعاة الوضوح والشفافية في فلسفة التعويضات بشركتك، وسهولة فهمها من قبل الجميع. (ويبدأ هذا من عندك أنت شخصياً). واحرص على تعزيز روح تحمّل المسؤولية حتى لا يتم الانتقاص من الأعمال المسندة الواجب إسنادها إلى هؤلاء الموظفين الحاليين عند تعيين موظفين جدد.

ويبدأ الإنصاف بكيفية تقييمك لإسهامات الموظفين. وقد لا تكون الوحيد في مؤسستك المنوط بإصلاح عدد لا يحصى من المشكلات المرتبطة بتقدير جهود العاملين ومكافأتهم، ولكن يمكنك تولي القيادة. ويمكنك الإفصاح عن المشكلات والدعوة إلى تحمّل المسؤولية.

احرص على إشراكهم

تواجه الشركات في الحقبة الحالية مشكلات مستعصية، ويرجع السبب الجذري لكثير من هذه المشكلات إلى نقص الكوادر البشرية اللازمة لأداء العمل. وسيلمس موظفوك الحاليون هذه المشكلات عندما يضطرون إلى بذل جهود مضاعفة لسد العجز في ورديات العمل وتغطية النقص في العمالة، أو حينما يضطرون إلى الاستماع إلى شكاوى العملاء وهم عاجزون عن إصلاح المشكلة الحقيقية، أو حينما يشاهدون زميلاً لهم يقدم “استقالته” عند وصول الأمور إلى نقطة اللاعودة. لذا، كن جريئاً وأشرك موظفيك في حل المشكلات.

  • اطلب مساعدتهم. يستلزم الإقدام على هذه الخطوة التحلي ببعض الشجاعة لأن الإقرار بأنك لا تعرف كل الإجابات يوحي ضمنياً بأنك تعاني بعض نقاط الضعف. ويتطلب الأمر امتلاك الثقة بالنفس للاعتراف بأن النتائج ستكون أفضل عندما يدلي أكبر عدد ممكن من الأفراد بأفكارهم، وعندما تتم إتاحة الفرصة لتمثيل كافة الأطراف والاستماع إلى مختلف الآراء والتصورات.
  • امنحهم الفرصة للإسهام في التخفيف من حدة المخاوف اليومية التي يواجهونها. ووفّر لهم المساحة الكافية لتقدم الصفوف والمشاركة وإنارة الطريق إلى المستقبل. فهذا يرسل رسالة حاسمة مفادها أنهم محل ثقتك وأنهم مهمون للشركة.
  • ركّز على النتيجة المرجوة. ابذل كل ما في وسعك بحثاً عن رؤى مختلف الأطراف وتصوراتهم، وتعرّف على كافة التصورات المطروحة حول العوامل التي يمكن أن تسهم في تحقيق هذه النتيجة، خاصة الرؤى والأفكار المختلفة عن رؤاك وأفكارك. واستعد لتلقي آراء مدهشة ومُفرحة أيضاً.

وحينما تمتلك شجاعة إظهار نقاط ضعفك وعدم معرفة كل شيء، فإن ذلك سيمهد الطريق لمشاركة كل الأطراف المعنية على نطاق أوسع، كما أنك ستضمن ولاء أعضاء فريقك وأقرانك وزملاء العمل ومرؤوسيك المباشرين، لأنك ستضرب لهم مثلاً يُحتذى به وتفتح لهم الباب على مصراعيه.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!