في الماضي، كانت استطلاعات الرأي ركيزة أساسية لأي قائد للحصول على الآراء والتعليقات ولأي شركة لتقييم مدى اندماج موظفيها في العمل. واليوم، بدأت استطلاعات الرأي تبدو كشاحنات الديزل التي عفا عنها الزمن في عصر المركبات الكهربائية. إذ تستعين الشركات اليوم بخوارزميات التعلّم الآلي الجديدة التي تعالج بيانات ضخمة من أجل قياس مدى اندماج الموظفين في العمل عن طريق حساب زمن الرد على الرسائل الإلكترونية وكمية الوقت التي يقضونها على الاتصالات الشبكية خارج نطاق فريق العمل الأساسي، بالإضافة إلى إمكانية التنبؤ بالأضرار التي قد تنجم عن ترك الموظفين للعمل، وذلك عن طريق متابعة إشارات محددة مثل عدد مرات تحديث الموظفين لملفات سيرهم الذاتية. إذن، من يحتاج لاستطلاعات الرأي التي أصبحت أسلوباً بالياً يستهلك الكثير من الوقت من أجل الحصول على آراء بعض الموظفين الذين لا يقولون سوى ما ترغب بسماعه، في حين لا يكلّف البعض الآخر أنفسهم عناء الاستجابة أساساً؟

أنت تحتاجها.

فعلى مدى عقود من الزمن، كانت الاستطلاعات التقليدية لآراء الموظفين تعتمد على قوائم تستند إلى أدلة تتعلق بممارسات الموارد البشرية ذات الأداء الرفيع. ويشير بحثنا الداخلي في شركة فيسبوك إلى وجود ثلاثة أسباب تجعل هجر استطلاعات الرأي التقليدية اليوم خطأً فادحاً.

1- ما تزال استطلاعات الرأي تشكل مؤشرات توقع عظيمة للسلوك.

في شركة فيسبوك، وجدنا أنّ طرح سؤال: "كم تنوي البقاء في الشركة؟" على الموظفين يقدّم لنا توقعاً بحالات ترك العمل المستقبلية تتجاوز دقته ضعفي دقة توقعات التعلم الآلي التي يقوم بها أحد رواد صناعة التحليلات التنبؤية.

نستطيع تعلم الكثير عن طريق استطلاعات الرأي حتى عندما لا يشارك الموظفون فيها. فالموظفون الذين لا يملؤون أياً من الاستطلاعين السنويين تزداد لديهم احتمالات مغادرة العمل بنسبة 2.6 خلال الأشهر الستة المقبلة.

2- استطلاعات الرأي تمنح الموظفين الفرصة ليشعروا بأنّهم أصحاب صوت مسموع.

إنّ عدم إجراء استطلاع رأي تقليدي يرسل رسالة واضحة للموظفين، وهي أنك لا تهتم بآرائهم. إذ يشكّل ملء استطلاع الرأي قناة محددة للتعبير عن أنفسهم. وفي شركة فيسبوك، وبرغم أنه بإمكاننا في كثير من الأحيان الحصول على الآراء التي نحتاجها من عينة من الموظفين فقط، إلا أننا غالباً ما نقوم بدعوة جميع موظفي الشركة كي ينالوا فرصة للمشاركة في الحوار، نظراً لأنّ المراقبة السلبية للموظف تجعله يفقد الإحساس بالملكية الفعلية في بيئة العمل.

تقودنا معدلات المشاركة المتفاوتة إلى معرفة أكثر المواضيع أهمية بالنسبة لموظفينا: فقد أكمل 95% منهم الاستطلاع المتعلق بالاندماج في العمل، وقام أكثر من الثلثين بملء استطلاعنا السنوي عن التنوع، كما شارك أكثر من النصف في استطلاعنا عن المزايا المقدمة. وتبيّن أنّ الموظفين يقدّرون فكرة أن تكون لديهم إمكانية للتعبير عن رأيهم حتى لو لم يحصلوا على ما يريدون. وعندما نقوم بإرسال استطلاع للرأي نحصل على حجم مفاجئ من التعليقات المكتوبة، حيث يقوم 61% من موظفينا في المتوسط بكتابة آرائهم واقتراحاتهم، وكل شخص منهم يدلي بآرائه في خمسة مواضيع منفصلة في المتوسط. ومن الواضح أنّ الموظفين يتعاملون مع استطلاع الرأي بجدية ويرغبون بأن تسمع أصواتهم. وعلى الرغم من أنّ القادة يدركون أنهم لن يتبنوا كل فكرة تطرح، إلا أنهم يفسحون المجال أمام الموظفين لإشعارهم بأنهم لا يزالون يقدّرون آراءهم. ولمكافأة المشاركين بأسلوب مرح، يحضر بعض القادة إلى العمل مرتدين ملابس من اختيار فِرق العمل عندما تحقق هذه الفرق نسبة تجاوب 100% في الرد على استطلاعات الرأي!

3- الاستطلاعات هي وسائل لتغيير السلوك.

عندما تطلب من موظفيك تقديم آرائهم فأنت لا تتعلم منهم فقط، بل إنك تؤثر فيهم أيضاً. فقد وجد علماء النفس أنه يمكن تغيير السلوك عن طريق طرح الأسئلة. استطلع آراء موظفيك بشأن رغبتهم في التطوع بثلاث ساعات من العمل في جمعية لرعاية مرضى السرطان مثلاً، وستجد أنّ نسبة التطوع ستقفز من 4% إلى 31%، أو استفت الموظفين بشأن نيتهم لشراء أجهزة كمبيوتر جديدة خلال الأشهر الستة المقبلة، وسيزداد احتمال قيامهم بشراء أجهزة جديدة بنسبة 18%. اسأل ما إن كان حاملو بطاقات حضور مباريات كرة القدم يعتزمون حضور مباراة القمة في الأسبوع المقبل وستزداد نسبة حضورهم من 76% إلى 85%.

إنّ الاستمرارية تشكل جزءاً من التأثير: فالرد بـ"نعم" يمثل التزاماً يفي به الكثيرون، ولكن حتى الذين يجيبون بـ"لا" يزداد احتمال تغيّر سلوكهم لأن طرح السؤال يدفعهم للتفكير. وطالما أنّ السلوك مرغوب فسيقنع البعض أنفسهم بالقيام به في النهاية.

في استطلاعنا المتعلق بالاندماج في العمل في شركة فيسبوك، غالباً ما نجرب طرح أسئلة جديدة على عينات مختلفة من الأشخاص. ففي استطلاع أجريناه مؤخراً، سألنا 30% من موظفينا عما إذا كانوا ملتزمين شخصياً بتطوير خبراتهم في أثناء عملهم بالشركة. لم نكن نحاول التأثير على سلوكهم ولكن أدى ذلك إلى زيادة محتملة تصل لنسبة 12% عن زملائهم بطلب قائمة معينة  لموارد وأدوات إضافية من أجل مساعدتهم على زيادة اندماجهم في العمل بالشركة. وتحققت هذه الزيادة لدى جميع من شاركوا في الاستطلاع، سواء كانت إجاباتهم بنعم أو لا.

ستستمر التقنيات الذكية والبيانات الضخمة في مساعدتنا للتعرف أكثر على ما يهتمّ به الموظفون. ولكن ذلك يزيد من أهمية استطلاعات الرأي وليس العكس. ففي عصر يزداد فيه الموظفون الذين يخشون عين الرقابة التي تطال أدق خصوصياتهم وتملك فيه الشركات الأدوات اللازمة لمراقبتهم أكثر من أي وقت مضى، يمكن أن يشير استطلاع الرأي إلى أنّ عين الرقابة هذه ما تزال عين إنسان.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!