تابعنا على لينكد إن

من بين العديد من المساهمات التي قدمها جاك ويلش لعالم الأعمال كانت قوله “كن إما صاحب المركز الأول أو الثاني في كل أسواقك”. وكانت هذه النصيحة المنارة التي استنارت بها شركة جنرال إلكتريك خلال تشكيلها محفظة أعمالها واستراتيجيتها طوال سنوات. ولكن لا يبدو أنّ تلك النصيحة باتت قابلة للتطبيق في أيامنا هذه، بل وباتت حتى تشكل استراتيجية خطيرة في بيئة الأعمال اليوم.

لنأخذ مثلاً سوق حبوب الإفطار، نرى فيه كيف انتقلت شركة جنرال ميلز من المرتبة الثانية لتصبح صاحبة المرتبة الأولى في ما يتعلق بالحصة السوقية في السنوات القليلة الماضية. لكن سوق حبوب الإفطار بشكل عام انخفض أربعة مليارات دولار بين عامي 2000 و2015. بالتالي، لم يكن لتحقيق تلك المرتبة أهمية. في الواقع، انخفض إجمالي مبيعات جنرال ميلز طوال 15 ربعاً مالياً من أصل 16.

تسلط قصة جنرال ميلز الضوء على ثلاثة أمور تشكل أصل المشكلة في عبارة “كن إما صاحب المركز الأول أو الثاني في كل أسواقك”.

يتمثل الأمر الأول في أنّ تلك المقولة تشجع المدراء على تركيز معظم اهتمامهم على زيادة حصتهم السوقية بدل التركيز على السوق نفسه. وبمعنى آخر، تفترض تلك العبارة أو السوق الخاص بمنتجك سيظل موجوداً وسينمو وتنمو أنت معه. ولكن ماذا يحدث إن لم ينم هذا السوق، أو إن تداعى مثلاً؟ لن يهم بالتأكيد تحقيق المرتبة الأولى في سوق متراجع.

هل سيختفي سوق حبوب الإفطار؟ ربما لا، ولكن من المرجح استمرار انخفاض استهلاك الولايات المتحدة لحبوب الإفطار خلال السنوات العشر القادمة. وهناك شركات قليلة ترى أنّ أيامها في أفول وتعمل على إعداد استراتيجية مختلفة جذرياً لمواكبة تراجع السوق أو حتى الخروج منه تماماً. ولا تتغير اتجاهات نمو السوق بين ليلة وضحاها، بل قد يستغرق الأمر سنوات طويلة جداً للحدوث. وتنمو الأسواق عندما تُنقل من مرحلة الانطلاق (أي مثلاً استهلاك بعض الأشخاص لبعض الوقت للمنتجات) لمرحلة الانتشار (أي مثلاً استهلاك أغلب لتلك المنتجات طوال الوقت). وبالمثل، يبدأ السوق مرحلة الأفول عندما تحدث حالة الإشباع ويتم الانتقال إلى أسواق أفضل وأكثر ابتكاراً. ويمكننا أن نرى مثلاً كيف أدى نمو وتطور سوق خدمات توصيل الأطعمة الجاهزة إلى أفول سوق الطهي المنزلي ليصبح في النهاية أمراً يتم القيام به كهواية حاله حال الخياطة المنزلية.

أما الأمر الثاني، فيتمثل في أنّ تعريف “السوق” غالباً ما يكون غير دقيق، ما يجعل الشركات عمياء عن منافسين غير متوقعين، وذلك نظراً لأن معظم الشركات تفكر في سوقها من منظور التصنيع. ولنعد إلى مثالنا حول حبوب الإفطار.

إنّ تعريف السوق هنا هو أكثر دقة إذا رأيناه من وجهة نظر المستهلك. فسوق حبوب الإفطار بحسب رأيه هي “حبوب جاهزة للأكل، ويتم تناولها وقت الإفطار وكوجبة خفيفة خلال النهار، ويتناولها المستهلكون المحبون للسكر والكربوهيدرات، وتُباع في المراكز التجارية الضخمة على يد علامات تجارية كبرى”. لن تقوم جهات تقديم البيانات مثل نيلسن ويورومونيتو بوصف الأمر بتلك الطريقة، إلا أنها الأقرب إلى الحقيقة وتعطيك القدرة أكثر على معرفة أين منافسيك.

هنا، لا تتنافس جنرال ميلز مع حبوب كيلوغز فقط، بل تتنافس أيضاً مع أسواق وجبات الإفطار والوجبات الخفيفة الأخرى، كما عليها مواجهة تقلص قاعدة المستهلكين في مواجهة اتجاهات مكافحة السكر والكربوهيدرات، والنظر إلى العلامات التجارية الأصغر التي يتم بيعها في متاجر صغيرة الحجم وعبر الإنترنت. وهكذا، وإن نظرنا إلى الأمر بهذه الطريقة، سنجد مجموعة احتمالات لا متناهية تبرز فجأة من كل حدب وصوب. إنّ قضية الكربوهيدرات قضية خاسرة من ناحية الصحة أمام البروتين، وهناك كثيرون ممن باتوا يتخلون عن تناول وجبات الفطور لصالح تناول الوجبات الخفيفة خلال النهار. أما العلامات التجارية الكبرى فباتت تخسر مكانتها لصالح تلك الأصغر، في حين بدأ الناس بتجنب التسوق التقليدي لصالح خدمات توصيل الطعام والتجارة الإلكترونية.

أما الأمر الثالث، فيتمثل في أنّ عدداً قليلاً من الشركات لديها بالفعل استراتيجية للسوق. صحيح أنّ لديها سياسات خاصة بالتسعير والمنتج والعلامة التجارية ومحفظة أعمال واستراتيجيات، ولكن عدداً قليلاً جداً يفكر بشكل واقعي في تنمية هذا السوق بطريقة شمولية من ابتكار منتجات ثورية إلى العمل على إنشاء نموذج أعمال خلّاق.

يجب أن تكون الخطوة الأولى في الاستراتيجية متمثلة في تقييم ما إذا كان السوق في حال تقدم أم تراجع، ثم اختيار مجموعة الأدوات الاستراتيجية الخاصة بك بناء على ذلك. تكون معظم الاستراتيجيات التقليدية على غرار “تحصين المنتج أمام المنافسين” و”تخفيض الأسعار”، و “اكتساح السوق” و “تنفيذ حملة إعلامية هائلة” و “الزبون دائماً على حق” أموراً منطقية عندما تكون لسوقك حالات تقلب بين صعود وهبوط يمكنك الاستفادة منها.

ولكن إذا كان السوق الخاص بك يتداعى أو على وشك الأفول، سيبدو كل ما سبق سخيفاً في أحسن الأحوال، ويتسبب في خسائر هائلة في أسوأها. وكما قال بيتر دراكر: “أسوأ شيء يمكن القيام به هو القيام بأمور لا يجب القيام بها أبداً”. وفي سوق وصل مرحلة الأفول، ينبغي معاملة جميع العملاء بالتعاطف والاحترام، ولكن لا ينبغي الاستماع إلى غالبيتهم. فإذا كان أكبر عملائك يشكلون 10 في المئة من المستهلكين ويحققون لك بين 30 إلى 70 في المئة من مبيعاتك في السوق، ويقدمون لك 99 في المئة من الأفكار والرؤى الخاصة بالسوق، بالتالي عليك أن تستمتع إليهم وتتجاهل البقية الذين يشكلون 90 في المئة من السوق.

من السهل نسيان أنه منذ ما يزيد قليلاً عن ستة أعوام، وتحديداً في العام 2011، انخفضت القيمة السوقية لشركة نتفلكس من 15 مليار دولار إلى أقل من 4 مليارات دولار بسبب شركة كويكستر (Qwikster) وحرب الأسعار. لكن قررت نتفلكس عدم الاستثمار أكثر في سوقها الذي تحتل فيه المرتبة الأولى بالفعل (وهو تأجير أقراص دي في دي للعملاء)، والانتقال بدلاً من ذلك إلى استراتيجية إنتاج برامج ومسلسلات أصلية أكثر تكلفة بكثير. صحيح أنهم أغضبوا كثيرين عندما قاموا بزيادة أسعارهم، إلا أنه يجب علينا ألا ننكر أنّ الشركة آخذة في النمو من جديد، حيث انتقلت من سوق كان يتداعى إلى آخر آخذ في النمو. واليوم تبلغ قيمة رأس مال الشركة في السوق أكثر من 90 مليار دولار.

لدى شركات مثل جنرال ميلز ثلاثة خيارات، حيث يمكنها إما الخروج من سوق حبوب الإفطار ودخول سوق أفضل عبر الاندماج أو الاستحواذ، أو يمكنها إعادة ابتكار السوق من خلال تقديم أفكار جديدة، أو تحويل نموذج عملها بشكل جذري. لا يزال من الممكن الفوز في سوق متداع، ولكن عليك هنا التخلي عن نموذج أعمالك المعتمد على التسويق للجموع والتحول لنموذج آخر معتمد على التسوق للنخبة ونموذج مخصص لتلك الفئة يكون على أعلى مستوى.

هل من المحتمل أن تقوم شركة جنرال ميلز بإطلاق سوق فرعي جديد من سوق حبوب الإفطار أم ستقوم بالخروج منه؟ هل يمكنها إعادة اختراع وإنشاء سوق جديد بالكامل؟ هل يمكنها الانتقال من التسويق للجموع إلى التسوق للنخبة أو إلى استراتيجيات أخرى؟ لا نعرف هذا حالياً، وأيضاً من الصعب جداً على الشركات الكبيرة أن تتغير. وهذه الأسئلة وغيرها هي ما تواجهه الشركة ومجلس إدارتها حالياً.

لكن لدى جميع الاستراتيجيات الثلاث احتمالات نجاح أعلى مقارنة بمحاولة القيام بنفس نموذج التسويق للجموع في سوق متداع. لقد ترعرع أحد المؤلفين في هاواي وأمضى الكثير من الوقت يسبح في المحيط، وتعلم أنه إذا حاول السباحة ضد التيار، سيتغلب المحيط عليه دائماً مهما كان سباحاً جيداً.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن استراتيجية

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz