أمام الجيل الجديد من الناشطين في المجال الخيري، الذين جمعوا ثروتهم عبر ريادة الأعمال المدفوعة بالتكنولوجيا، فرصة فريدة لإحداث فارق حقيقي وتسريع وتيرة التقدم في محاربة مرض السرطان. فأولئك الأشخاص الذين لا ترضيهم أجنحة الفنادق المحجوزة على اسمهم ولا الدعم الكبير والمفتوح الذي يقدمونه للبحث العلمي، يرغبون في توظيف ثرائهم لإحداث أثر إيجابي جلي ومباشر على صحة المرضى. ولقد أظهرت الأبحاث التي قمنا بها توفر طيف متنوع من نهج الاستثمارات الجديدة والمؤثرة جداً والتي من شأنها أن تساعد في تسريع وتيرة تطوير علاجات السرطان الجديدة والموافقة عليها وطرحها في الأسواق. ومن خلال احتضان هذه النهج الجديدة، يمتلك هذا الجيل الجديد من الناشطين في المجال الخيري فرصة حقيقية لمساعدة مرضى السرطان في الشفاء من هذا المرض المريع.

ولعل توجه هذا الجيل من الناشطين الخيريين نحو تحقيق النتائج قد أتى في الوقت المناسب تماماً؛ حيث إنّ التطورات السريعة التي يشهدها الطب الدقيق والعلاج المناعي قد مهدت الطريق أمام حقبة جديدة من علاج الكثير من أمراض السرطان والشفاء منها. كما ظهرت نهج جديدة للأعمال الخيرية، كثيراً ما يطلق عليها اسم "استثمارات الأثر" الاجتماعي، بوصفها الأسلوب المناسب لتحقيق أهداف أولئك الناشطين. ولقد قمنا بدراسة هذه النهج الجديدة في سياق عملنا مع مبادرة التعاون بين "كلية هارفارد للأعمال" و"مشروع مسرّع كرافت للطب الدقيق" الممولة بمبلغ 20 مليون دولار مقدمة كمنحة من "مؤسسة روبرت وميرا كرافت". وباعتقادنا، فإنّ هذه النهج قادرة وبشكل كبير على تسريع وتيرة شفاء المرضى من عدد متنام من أنواع السرطانات أو تحويلها إلى مجرد أمراض مزمنة لكنها غير مميتة.

وتعتمد هذه النهج الجديدة على ثلاث ركائز أساسية هي: الطب الدقيق والاسثمارات الموجهة نحو أمراض بعينها والاستثمارات الضخمة. ويشير تعبير "الطب الدقيق" إلى تقديم الدواء المناسب لمريض بعينه في الوقت المناسب ووفق تسلسل محدد. ولا يمكن تطبيق هذه الفكرة إلا بعد ضمان الفهم العلمي التام والدقيق لنوع محدد من أمراض السرطان بما في ذلك التعرف على الانحرافات الجينية والجزيئية المسببة له. وببلوغ العلم لهذه النقطة، تزداد احتمالات النجاح في تطوير علاج معدل للمرض بنسبة كبيرة جداً. ولتبيان مدى تطور فكرة تكييف العلاج ليناسب شخصاً بعينه على أرض الواقع نشير إلى أنه بينما كان هذا النوع من العلاج لا يشكل قبل 10 سنوات سوى أقل من 10% من مجموع العلاجات الموافق عليها من قبل إدارة الأغذية والعقاقير في الولايات المتحدة، ارتفعت هذه النسبة في العام 2017 إلى 34% ووصلت في العام 2018 إلى أكثر من 40%.

ولعل تحسن احتمالات نجاح اكتشاف الأدوية الفعالة يوفر فرصاً جديدة للمانحين لدعم ما بات يعرف باسم "الاستثمار الخيري". ووفق هذا النهج يتم العمل على اكتشاف علاج جديد لمرض محدد، وذلك بتمويل من قبل مؤسسة متخصصة بتمويل هذا المرض تحديداً. فعلى سبيل المثال كان الاستثمار الخيري لمؤسسة التليف الكيسي (سيستيك فايبروسيس) هو الذي سمح لشركة "فرتكس فارماسوتيكل" (Vertex Pharmaceuticals) بتحسين واختبار الأدوية المخصصة لمعالجة مرض التليف الكيسي، ما أدى إلى إقرار ثلاثة أدوية من قبل إدارة الأغذية والعقاقير مكنت 90% من المصابين بهذا المرض من العيش بدون أن تظهر عليهم أعراضه. وبما أنّ مرض التليف الكيسي يعد مرضاً نادراً، لا يصيب سوى حوالي 70,000 شخص على مستوى العالم، لم تكن شركات الأدوية متحمسة للاستثمار في إيجاد علاجات ناجعة له. لكن ذلك لم يقف حائلاً في وجه مؤسسة سيستيك فايبروسيس التي جمعت أكثر من 200 مليون دولار لإيجاد علاج ناجع لهذا المرض خصيصاً ووظفتها على شكل استثمار خيري لدعم جهود اكتشاف الأدوية واختبارها سريرياً. وكما يقر يوش بوغر، مؤسس شركة فرتكس: "ما كانت فرتكس لتنشط في إيجاد علاج للتليف الكيسي لولا تمويل مؤسسة سيستيك فايبروسيس".

ويوفر هذا النهج بالذات فرصاً هائلة لمعالجة أمراض السرطان، إذ إنّ ما يحتاجه هذا الحقل هو توفر الكثير من الاستثمارات الهادفة إلى معالجة الأسباب المختلفة المؤدية إلى ظهور كل نوع من أنواع السرطان المتعددة. وفيما قد ينشأ عن هذا النوع من الاستثمارات خطر التركيز على أنواع بعينها من مرض السرطان، الأمر الذي عادة ما تتجنبه صناديق الاستثمار العادية، إلا أن هذا بالضبط هو ما تحتاجه المؤسسات الموجهة نحو علاج أمراض محددة، وهنا يمكن للجيل الجديد من الناشطين الخيريين أن يحدثوا فارقاً حقيقياً وذلك من خلال تركيز استثماراتهم على نوع محدد من أمراض السرطان.   

ومن الأمثلة الحديثة على ذلك مثال مرضى الورم الأرومي الدبقي؛ فلقد توفي مؤخراً السناتور جون ماكين بسبب إصابته بهذا المرض، وهو شكل نادر لكنه مميت من أشكال سرطان الدماغ. كما إنّ "تيد كندي" و"بو بايدن" ابن "جو بايدن"، النائب السابق للرئيس الأميركي، قد توفيا أيضاً بهذا المرض. ويمكن الوصول إلى علاجات تشفي من الورم الأرومي الدبقي أو تحويله إلى مرض غير مميت عن طريق تأمين حجم كبير من التمويل، ولنقل 150 مليون دولار، على شكل استثمار خيري مهمته الوحيدة تمويل نشوء شركات جديدة تعمل وفق نهج متنوعة لمحاربة هذا المرض والتغلب عليه. ولعل تطوير صناديق دعم متخصصة كهذه – سواء من أجل علاج الورم الأرومي الدبقي، أو سرطان المبيض، أو أي من الأنواع الأقل انتشاراً والتي لم يتم بعد التوصل إلى علاج ناجع لها – يمثل فرصة فريدة للناشطين الخيريين، الشباب منهم والشيوخ، لكي يروا بأعينهم كيف تساعد أموالهم على شفاء المرضى.

وفيما تمثل صناديق الاستثمار الخيري طريقة مناسبة لاستثمار حجم كبير من الأموال في علاج نوع محدد من أمراض السرطان، بدأت تظهر مؤخراً صناديق تمويل أكبر قادرة على استثمار حجم أكبر من الأموال في طيف واسع من أمراض السرطان. ولعل أول من روج لهذا الاتجاه كان الأستاذ "أندرو لو" من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. فانطلاقاً من نتائج الكم الكبير الذي بحوزته من نماذج المحاكاة، يرى "لو" أنّ توفر صندوق كبير جداً للاستثمار في شركات علاج أمراض السرطان، لا يساعد فقط على إيجاد العلاجات الشافية لتلك الأمراض، بل من شأنه أيضاً أن يحسن إمكانية التنبؤ بعائدات أكبر للمستثمرين.

ويوضح مثال صندوق استثمار الأثر الخاص بالأورام والتابع للمصرف الاتحادي السويسري (يو إس بي) هذا النهج، حيث تمكن هذا الصندوق من جمع 471 مليون دولار عام 2016 لاستثمارها فقط في الأعمال الموجهة نحو "تسريع تطوير العلاجات الجديدة"، وذلك من مستثمرين التزموا بدفع 500,00 دولار كحد أدنى، وهو مبلغ في متناول الكثيرين من زبائن المصرف الأثرياء الذين يبحثون في معظمهم عن استثمارات ذات أثر اجتماعي. وقد تمثل دور المصرف في تسويق هذا الصندوق لدى زبائنه الأثرياء. وقد جرى اختيار الاستثمارات ورعاية المشاريع الجديدة من قبل شركة إم بي إم حصرياً وهي شركة عريقة متخصصة بإدارة رؤوس الأموال الاستثمارية ولها سجل مشرف بإنجاز إيرادات كبيرة في مجال علاج أمراض السرطان. إننا نعتقد أنّ نجاح هذا الصندوق يمثل نموذجاً يحتذى به أو يبنى عليه لاجتذاب حجم كبير من رؤوس الأموال الجديدة إلى مجال علاج أمراض السرطان، إما على شكل صناديق عامة مثل حالة مصرف "يو إس بي" أو حالة شركة "إم بي إم" أو على شكل صناديق متخصصة بدعم الشركات الناشئة المتخصصة بالعلاج المناعي أو بتحليل البيانات على سبيل المثال.

يتطلب شفاء مرضى السرطان تقدماً علمياً متميزاً إلى جانب الكثير من أموال الاستثمارات. وكلنا أمل بأنّ الجيل الجديد من الناشطين في مجال الأعمال الخيرية، والذي يتميز بروح الريادة وبتوجهه نحو النتائج، سيقود المسيرة نحو تضافر جهود العمل الخيري والاستثمارات وتمكين تلك الجهود من إحداث فارق حقيقي في التصدي للهجوم الشرس الذي يشنه هذا المرض المدمر.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!