أنت تحتل منصباً قيادياً، ووضعت لنفسك ولفريقك أهدافاً كبيرة تسعى لتحقيقها في عام 2019. تم تحديد الخطة، مع الالتزام بالأهداف المتعلقة بالأداء الوظيفي والتقدم والكفاءة. لكن ثمة أمر واحد لا بدّ أن يكون على رأس قائمة الأولويات لديك كي تكون على أتم الجاهزية لهذا العام، ألا وهو التعامل مع "مشكلة الأمهات والآباء الموظفين".

هذا هو مسمى جديد يمكننا استخدامه لوصف محاولة كسب العيش ومزاولة وظيفة ما في أثناء القيام بالواجبات العائلية، وهي محاولة قد تشكل في بعض الأحيان تحدياً كبيراً. بالنسبة للمؤسسات والأشخاص العاملين في مناصب قيادية، فهم يطلقون هذا المسمى على صعوبة الاستفادة من قدرات الموظفين الذين يحاولون تلبية متطلبات العمل والأسرة على حد سواء وإطلاق طاقاتهم بشكل كامل.

إذا أمعنت التفكير من قبل في هذه المشكلة كأحد المدراء، فمن الأرجح أنك تعاملت معها تحت مسمى آخر مبهم (مثل "التوازن بين الحياة المهنية والشخصية" أو "التكامل"). ولربما بدت لك الحلول المحتملة كجهد اختياري يكتنفه الغموض، فلم تجد مساراً واضحاً أو طريقة مرضية للتعامل مع المشكلة. وحتى ولو قمت بمواجهة هذه المشكلة بشكل مباشر في الماضي، فكان لديك مثلاً أحد الموظفين من أصحاب الأداء المتميز، وقد قرر هذا الموظف فجأة البقاء في بيته بعد انتهاء إجازة الأبوة (تسمح بعض المجتمعات للأب بأخذ إجازة أبوة أو رعاية طفل)، فمن المحتمل أن تؤثر هذه المشكلة على أهدافك التجارية الرئيسية، وهو ثمن صغير نسبياً ولا مفر منه تدفعه كصاحب عمل.

ولكن المشكلة لم تعد كذلك. ففي المشهد الاقتصادي والثقافي الحالي، تصدرت "مشكلة الأمهات والآباء الموظفين" واجهة المخاوف التي تراود القيادة، وسيستمر هذا الوضع على ما هو عليه الآن. ولو جرى تجاهل هذه المشكلة، فيمكن أن تشكل تهديداً كبيراً وفتاكاً يؤثر على نجاح فريقك ومؤسستك.

فيما يلي نتطرق إلى الأسباب التي تجعل من التركيز على الآباء الموظفين أمراً مهماً للغاية:

لأن الأعداد كبيرة.. دعنا نلقي نظرة على البيانات الرسمية الموثقة: في الولايات المتحدة، يبلغ تعداد القوة العاملة من المدنيين الذين تبلغ أعمارهم ما بين 25 و54 عاماً نحو 102 مليون شخص، ويوجد 52 مليون من الآباء الموظفين، حسبما تصرح به وزارة العمل. وبناء عليه فمن الممكن، أو المرجح، أنّ 50% أو أكثر من أعضاء فريق مبيعات المنتجات الجديدة أو المدراء المباشرين أو مقدمي خدمات الرعاية السريرية أو المرشحين لمنصب تبحث له عن شخص مناسب ويتعذر عليك إيجاده، يحاولون التحلي بمهنية والتزام عال في الوقت الذي يقومون فيه أيضاً بتربية أطفالهم واحتضانهم والحضور معهم. وفي ذات الوقت، نجد أنّ معدلات البطالة تشهد انخفاضاً غير مسبوق. لذا إن كنت تواجه مشكلة حقيقية في إيجاد الموهبة التي تبحث عنها، فمن المرجح أنه قد آن الأوان لكي تولي اهتماماً بالطرق التي تمكنك من جذب هذه الفئة الكبيرة من الأمهات والآباء الموظفين، واستبقائهم، وضمان قيامهم بالعمل على أكمل وجه.

وعلى الرغم من استخدامي للولايات المتحدة كمثال هنا، إلا أنّ البيانات حول التزايد في صفوف المهنيين الآباء في دول أخرى هي بيانات لا يمكن تجاهلها. (في إنجلترا وحدها يوجد زيادة بمقدار مليون امرأة عاملة مقارنة بما كان عليه الحال قبل 20 عاماً). وفي حرب اليوم من أجل استقطاب المواهب، لم تعد قضية الأبوين العاملين مجرد قضية مثار جدل، إنما هي معركة جوهرية ومركزية.

…ويجادل البعض بأن الصراع اليوم هو أكثر صعوبة مما كان عليه الحال في عقود خلت. إذ لا يقتصر الأمر على مجرد العدد الكبير والمتزايد من الأمهات والآباء الموظفين، بل يتحمل هؤلاء الآباء والأمهات أعباء أكبر مقارنة بالأجيال السابقة. ويتضاعف الاحتمال بأن يكونوا متزوجين من آخرين عاملين أيضاً أو يكونوا عازبين، إلى ثلاث مرات بالمقارنة مع المرتبطين بزوجات أو أزواج يقضون كامل وقتهم في المنزل. وهذا يعني أن أغلبية الموظفين من الأمهات والآباء الملتزمين بعملهم ليس لديهم إهمال في نظام حياتهم؛ فلا أحد يساعدهم في توصيل أطفالهم إلى المدرسة أو زيارة طبيب الأطفال أو إطعام فلذات أكبادهم عند الساعة العاشرة مساء. وعلى الرغم من روعة الكثير من التغيرات التكنولوجية، إلا أن بعضها جعل عمل الأبوين أكثر صعوبة. فمع وجود الهاتف المحمول في اليد، ليس ثمة سبب أو عذر لعدم التواصل مع العمل، حتى في أثناء اجتماعات الآباء مع المعلمين أو على مائدة العشاء مع الأسرة. ويترجم ذلك إلى أن كونك أباً عاملاً ليس شأناً ثانوياً أو عرضياً بالنسبة للآباء والأمهات في فريقك؛ بل إنه أحد التحديات الجوهرية في حياتهم، وهم يتعاملون معه بشكل يومي.

نظراً لأن المزيد من الآباء الموظفين يهتمون أكثر من ذي قبل بمشكلة الآباء العاملين وقد يعبّرون عن شعورهم بالاستياء حيالها. تشير العديد من الدراسات الأخيرة إلى أنّ المرونة والموازنة بين الحياة المهنية والخاصة يتم تقديمهما على كافة المعايير الأخرى التي تحكم اتخاذ القرارات المتعلقة بالعمل، بما فيها الراتب، بالنسبة للآباء الموظفين. وتُظهر الأبحاث أنّ الرجال، الذين جرت العادة على أن تقل مشاركتهم في رعاية الطفل وغير ذلك من الأنشطة المتعلقة بالأطفال، يصبحون أكثر التزاماً بها، فيتحدث الآباء في وقتنا الحالي عن رغبتهم بالتواجد مع أطفالهم ومزاولة عملهم من المنزل. كما أنهم يصبحون أكثر استعداداً لاتخاذ قرارات مهنية مهمة في هذا الشأن. لذا فإن قضية الأبوين العاملين لم تعد تقتصر على النساء، وأصبحت تحظى باهتمام عالمي وباتت تسهم في القرار الذي يتخذه الموظفون بشأن الانضمام إلى مؤسستك أو البقاء فيها من عدمه.

لأنها أصبحت مؤشراً مهماً. إذ تعتبر الطريقة التي تتعامل بها مع الآباء الموظفين مؤشراً على كيفية معاملتك لأصحاب المواهب بشكل عام، وخصوصاً في نظر الأشخاص المحتمل تعيينهم أو الموظفين الأقل رتبة. هل تقوم بإضافة معلومات حول السياسات المتعلقة بالأسرة في قسم الوظائف الموجود على الموقع الإلكتروني الخاص بالشركة؟ إن لم يكن الأمر كذلك، فثمة خطر يتمثل في انتقال المرشحين إلى أماكن وفرص عمل أخرى تبدو أكثر مراعاة للأبوين، سواء كان لهؤلاء المرشحين للوظائف أولاد أم لا. وإذا كان الموظفون الموجودون على أعتاب التميز الوظيفي لديهم أطفال صغار، ويغادرون فريقك أو مؤسستك للبقاء في منازلهم أو ينتقلون إلى وظائف يمكن لهم فيها الجمع بين العمل والرعاية الأسرية، سيلاحظ ذلك زملاؤهم الأصغر سناً (الأشخاص الذين ليسوا ضمن الـ 52 مليون بعد، ولكنهم يرغبون بالإنجاب يوماً ما) وسيبدؤون التساؤل فيما إذا كانوا قد وجدوا المكان المناسب لمواصلة العمل في وظائفهم هذه على المدى الطويل.

خلاصة القول: سيكون من الصعب عليك بناء سمعة حسنة كمدير رائع أو إقناع الناس بأن شركتك هي "مكان رائع للعمل" دون اتباع نهج جيد تجاه الأبوين العاملين ولا تجد حرجاً في إعلانه على الملأ، مع ذكر بعض النماذج البارزة لآباء وأمهات يحققون النجاح والتفوق داخل مؤسستك.

لأن الموضوع يطغى على حواراتنا العامة. اقرأ عناوين الأخبار بتمعن أو انظر في شاشة حاسبك الشخصي أو هاتفك المحمول أو اكتب مصطلح "الأباء العاملين" أو "الأمهات العاملات" في متصفح الإنترنت، وستجد طوفاناً من المقالات والتعليقات والآراء التي كُتبت خلال العامين أو الأعوام الثلاثة الماضية، وكلها تسلط الضوء على إلحاح مشكلة الأمهات والآباء الموظفين ونطاقها. إنها بالتأكيد تشغل تفكير كل شخص متأثر بها، ويتزايد الاهتمام بها لدى غيرهم، ومن المرجح أن تبقى كما هي محل اهتمام في المستقبل القريب. إذا كنت أحد كبار القادة ولم يصلك تساؤل حتى الآن حول هذه المسألة من صحفي أو مستثمر أو عضو مجلس إدارة أو أمام جماعة من الناس في قاعة الموظفين أو من موظف متميز في أدائه خلال إحدى المراسلات الإرشادية لموظفيك، فمن المحتمل أن تواجه ذلك السؤال قريباً. عليك الاستعداد لذلك بتحديد موقف مدروس حول هذا الموضوع الحساس الذي يؤثر على الكثير من الناس.

لأن المساعدة الخارجية على الأرجح غير قادمة، على الأقل ليس عما قريب. نعم، لقد دار الكثير من النقاش مؤخراً في الولايات المتحدة وغيرها من الدول حول تشريع يراعي الأب الموظف والأم العاملة، بما في ذلك إجازات الأبوة الممتدة أو المدفوعة أو كليهما. وفي الوقت الذي يمكن أن تساعد فيه هذه الأنواع من القوانين كلاً من الآباء والمؤسسات، فقد لا يتم المصادقة عليها أو تمريرها كما هو مقترح، ويمكن أن يتم تأجيلها لمدة سنوات. وحتى تصبح استراتيجيتك الخاصة بإدارة المواهب فعّالة فإنها يجب أن تعتمد على الواقع والحال، وليس على الاحتمالات المستقبلية.

إذاً، ما هو الشكل الفعلي الذي تبدو عليه الاستراتيجية القوية والمجدية؟ وكيف يمكن للقادة بصفتهم الفردية تولي زمام الأمور وإحداث تأثير حقيقي في مواجهة هذا التحدي الكبير والمعقد؟ خلال عملي كاستشارية، أشرت على مسؤولين تنفيذيين ومؤسسات من كافة الأحجام والأنواع ضمن العديد من القطاعات، بالتركيز على ستة أمور أساسية:

  • إظهار دعم شخصي للموظفين الآباء والأمهات، بطريقة واضحة لا مجال للشك فيها.
  • التعريف بمشكلة الآباء الموظفين الموجودة في مؤسستك من وجهة نظر موظف مسؤول، من خلال نظرة كمية ونوعية.
  • إشراك الداعمين داخل فريق الموارد البشرية وخارجه في عملية إيجاد الحلول وتنفيذها.
  • كن على قدر المنافسة عندما يتعلق الأمر بقضايا الآباء الموظفين.

في نهاية المطاف، سيجد كل قائد ومؤسسة طرقاً مختلفة لحل "مشكلة الأمهات والآباء الموظفين". لكن وكما هي الحال مع أي تحد آخر، فإن الاعتراف بوجود المشكلة وحجمها وطبيعتها هو دائماً نقطة الانطلاق السليمة نحو تحقيق غايتك.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!