اختراق الأسواق المبتدئة

21 دقيقة
اختراق الأسواق المبتدئة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

إليك هذه القصة عن اختراق الأسواق المبتدئة تحديداً. عندما يُطرح فيلم معيّن مباشرة على أشرطة الفيديو، فتلك عادة هي علامة سيّئة. إمّا أنّ الآراء النقدية المبكرة كانت سلبية، أو أنّ جودة الفيلم مريبة، أو أنّ داعميه غير واثقين أنّه سيجد جمهوراً. في السابق، كان طرح الفيلم على أشرطة الفيديو مباشرة هو خطوة لإنقاذ ماء الوجه والمضي قدماً. لكن في عام 1992، عندما صوّر مندوب مبيعات الأجهزة الإلكترونية كينيث نيبو فيلمه النيجيري “العيش المقيّد” (Living in Bondage) مباشرة على أشرطة الفيديو، كان أبعد ما يكون عن الكارثة.

كان كينيث قد تلقّى شحنة من أشرطة الفيديو الفارغة من نوع “في إتش إس” (VHS) ليبيعها في متجره لكنّه سرعان ما أدرك أنّ معظم النيجيريين لا حاجة لهم بهذه الأشرطة. خطرت له بعد ذلك فكرة وضع محتوى مصنوع في المنزل على هذه الأشرطة. فكتب نصّاً، وعثر على منتج ومخرج، واستعان بممثلين وممثلات لتصويره. كانت النتيجة فيلماً مشوّقاً من جزئين يصوّر قصّة رجل أعمال مفلس وعاطل ومشرّد استعان بالسحرة لإحياء ثروته، طرحه كينيث في السوق على هذه الأشرطة، فنيجيريا لم تكن لديها دور عرض سينمائي تعمل في ذلك الوقت. باع الفيلم الذي نُفّذ بموازنة تبلغ 12 ألف دولار مئات آلاف النسخ في عموم إفريقيا، دافعاً صناعة السينما النيجيرية “نوليوود” (Nollywood)، التي كانت ما تزال في بداياتها في ذلك الوقت، إلى البروز على الساحة.

لم تكن نوليوود – كمثال عن اختراق الأسواق المبتدئة – في حسبان أحد قبل 25 عاماً، أمّا اليوم فقد باتت تنتج ما يُقارب 1,500 فيلم سنوياً، وتوظّف أكثر من مليون نيجيري، ومن المعتقد أنّها تحقّق ما يزيد على 3.3 مليارات دولار. ومن حيث الحجم، تنافس نوليوود كلاً من هوليوود وبوليوود. شدّت هذه الصناعة المحلية المنشأ انتباه البنوك وغيرها من المؤسسات المالية، وبعضها بات لديه الآن “مكاتب للأفلام” مصمّمة للاستثمار في إنتاجها. وبحسب بعض التقديرات، فإنّ نيجيريا تضمّ أكثر من 50 مدرسة أو كلية للأفلام. كما أنشأت الحكومة صناديق لتدريب المخرجين وتمويل الأفلام الجديدة وبدأت تأخذ القرصنة وحماية حقوق الملكية الفكرية على محمل الجد الأكبر. في 2018، استضافت نيويورك وتورنتو مهرجانات لأفلام نوليوود، في حيث اشترت نتفليكس أوّل فيلم لها من نوليوود وهو “قلب الأسد” (Lionheart).

فكيف تمكّن استثمار متواضع من مندوب مبيعات للأجهزة الإلكترونية يتطلع ببساطة إلى بيع أشرطة فيديو “في إتش إس” من تحفيز صعود صناعة بمليارات الدولارات في واحد من أفقر بلدان العالم، حيث كانت أقل من 35% من الأسر تحصل على الكهرباء في حين أنّ أقل من 20% منهم كان لديه جهاز تلفزيون؟ هل كانت نوليوود مجرّد حالة شاذّة نجحت بضربة حظ؟.

فكرة المقالة بإيجاز

السياق

يفترض الخبراء غالباً أنّ الاقتصادات الصاعدة تعاني من تخلّف كبير إلى حد أنها غير قادرة على دعم الشركات التي تخدّم الزبائن مباشرة، ومع ذلك فإنّ هناك مئات الشركات التي أثبتت خطأ هذه الحكمة التقليدية من خلال تحقيقها للنمو السريع والمستدام وغير المتوقع.

الطريق نحو المستقبل

يركّز روّاد الأعمال الذين ينجحون في اختراق الأسواق المبتدئة على الابتكارات المُنشئة للأسواق، أي المنتجات والخدمات التي تلبّي الاحتياجات المحلية غير الملبّاة، وتوجِد الوظائف المحلية، وتكون قادرة على الانتشار على نطاق واسع بسرعة.

المكاسب الاجتماعية

غالباً ما تُبتلى الأسواق الصاعدة بالفساد وتعاني من سوء الطرقات، والنقص في الكهرباء، وهكذا دواليك. ولكن من الممكن “اجتذاب” أساسيات التنمية بواسطة الابتكارات المُنشئة للأسواق – ومع مرور الوقت تميل الحكومات والمؤسسات المالية إلى تقديم الدعم لها.

كلا لم تكن كذلك. لقد كانت نوليوود من بين مجموعة من الكيانات التي حققت نمواً هائلاً من خلال إيجاد أسواق جديدة بالكامل في أقل الأماكن توقعاً لإيجادها. وبما أنّ عمالقة الأسواق الناشئة مثل البرازيل، وروسيا، والهند، والصين تواجه تباطؤاً اقتصادياً، فإنّ المستثمرين وروّاد الأعمال والشركات المتعدّدة الجنسيات يتطلّعون إلى أماكن أخرى. وهم يضعون أعينهم على ما يسمّى الاقتصادات الصاعدة (Frontier Economies) مثل نيجيريا وباكستان وبوتسوانا باهتمام كبير، وهلع هائل أيضاً. كيف يمكن للإنسان أن يعثر على فرص نمو جدّية في اقتصادات تتّسم بالفقر الشديد، وغياب البنية التحتية والمؤسسات، ومع بيانات شحيحة أو معدومة حتّى عن حجم السوق واستعداد الزبائن للدفع؟.

العنصر المفقود في الحديث هو أساس نظري يفسّر لماذا تفلح بعض الجهود ولماذا تخفق أخرى. يكمن السبب في رأينا في قوّة الابتكار، وتحديداً ما نسمّيه “الابتكار المُنشئ للأسواق” (Market-Creating Innovation)، فهو لا يحقّق النمو للشركات فحسب، وإنما يحفّز الصناعات والقطاعات التي تنعش الاقتصادات الصاعدة، ويعزّز التنمية المستدامة والشاملة.

قوّة الابتكار المُنشئ للأسواق

خلافاً للحكمة التقليدية القائلة إنّ أي مجتمع يجب أن “يُصلح” نفسه – أي بنيته التحتية، ومحاكمه، وهيئاته التشريعية، وأسواقه المالية، وهكذا دواليك – قبل أن يتجذّر الابتكار والنمو فيه، فإنّنا نؤمن أنّ الابتكار هو العملية التي تسمح للمجتمع أن يتطوّر. فالابتكار يموّل بنيتنا التحتية، ويعزّز مؤسساتنا، ويخفّف من الفساد. وعندما يُصاب الازدهار في بلد معيّن بالركود على الرغم من الكثير من النشاط الجاري داخل حدوده، فإنّ ذلك البلد قد لا تكون لديه مشكلة “تنمية” وإنما ربما يعاني من مشكلة “ابتكار”.

توفّر الابتكارات المُنشئة للأسواق، تحديداً، أساساً اقتصادياً متيناً. وهي تتشارك بمجموعة من السمات والخصائص. أولاً، هي توفّر للكثير من الناس إمكانية “الوصول” إلى منتج أو خدمة كانا في السابق غير متاحين أو لا يمكن الحصول عليهما خلافاً لذلك – هذا إن كانا موجودين أصلاً. يمكن لهذا الأمر أن يترك أثراً عميقاً على التنمية الاقتصادية في المنطقة المعنيّة، إضافة إلى أثره على تكوين الثروة بالنسبة للمُبتكر ورائد الأعمال على حدّ سواء.

ثانياً، تعتمد الابتكارات المُنشئة للأسواق على نماذج عمل تجارية وسلاسل توريد تركّز على “الربحية قبل النمو”. وهي غالباً ما تفعل ذلك من خلال استعارة التكنولوجيا الحالية وإدخالها ضمن نموذج عمل تجاري مختلف. فعندما أطلق كينيث نيبو “نوليوود” دون قصد منه، فإنّه لم يتح لملايين الأفارقة إمكانية مشاهدة أفلام فيديو منتجة محلياً فحسب، وإنما أدخل أيضاً تكنولوجيا حالية (أشرطة “في إتش إس” وأجهزة الفيديو) ضمن نموذج عمل تجاري (الطرح المباشر عبر أشرطة الفيديو) كان كثيرون يسخرون منه. فهم نيبو أنّه على الرغم من أن طرح الأفلام مباشرة عبر أشرطة الفيديو مجرّد تكتيك لحفظ ماء الوجه ربما في هوليوود، إلا أنّه كان الاستراتيجية الصائبة بالنسبة لنيجيريا. لو كان قد حاول تقليد هوليوود وبناء دور عرض سينمائي، لربما كانت جهوده قد ذهبت هباءً منثوراً.

ثالثاً، تُوْلُدُ الابتكارات المُنشئة للأسواق، “في سوق محلية وتعمل لصالحها” – أو على الأقل، هي في ذهن من يصمّمها مخصّصة لسوق محلية معيّنة. هذا يعني أنّ المُبتكرين يجب أن يبذلوا جهداً مضنياً لفهم خبايا السوق، وصنع منتج بسيط وميسّر بما يكفي ليناسب هذه السوق. قد تستفيد الابتكارات المُنشئة للأسواق من تدنّي الأجور في المنطقة، لكنّ جوهرها الأساسي لا يقوم على فكرة الاستفادة من الأجور المنخفضة لتحقيق الربح. في الحقيقة، ومع مرور الوقت، ومع انتشار الابتكار في عموم السوق، فإن الأجور تتزايد. وهذا معاكس لظاهرة التسابق نحو الشريحة الدنيا، التي تقوم على الاستغلال المتعمّد لضعف الأجور، وغالباً لأغراض التصدير.

تقودنا الزيادة في الأجور إلى السمة الرابعة ألا وهي أنّ الابتكارات المُنشئة للأسواق توجِد “الوظائف المحلية”، التي تعزّز الاقتصاد المحلي. وتنشأ هذه الوظائف تحديداً لخدمة الاقتصاد المحلي، ولا يمكن تعهيدها بسهولة إلى دول أخرى. وهي قد تشمل، على سبيل المثال، وظائف في التصميم، والإعلان، والتسويق، والمبيعات، والتوزيع. وغالباً ما تكون رواتبها أفضل من رواتب الوظائف العالمية، مثل أعمال التصنيع ذات الأجور المتدنّية، والأعمال المتعلقة باستيراد المواد الخام، التي تنقل أساساً من منطقة إلى أخرى. ربما لم يكن النيجيريون قد صنّعوا أشرطة فيديو “في إتش إس” أو أجهزة فيديو، لكن لنتذكّر أنّ نوليوود توظف اليوم أكثر من مليون إنسان في البلد. ووظائفهم، خلافاً للعديد من الوظائف التي أنشئت في نيجيريا خلال العقد الماضي، غير معرّضة لخطر المغادرة.

أخيراً، يمكن “توسيع نطاق انتشار” الابتكارات المُنشئة للأسواق. في الحقيقة، بما أنّ هذه الابتكارات تجعل المنتج بسيطاً وميسّراً، وتطرحه في متناول العديد من الناس، فإنّ توسيع نطاق الانتشار هو جزء أساسي من العملية. بعد أن انتشرت نوليوود في أنحاء القارّة ووصلت إلى الأفارقة الذين يعيشون في الشتات، أوجدت المزيد من الوظائف، ودعمت تطوير البنية التحتية، وساعدت نيجيريا في تطوير مؤسساتها الناشئة. وبالتالي، فإنّ الأثر المحتمل من الابتكارات المُنشئة للأسواق على الشركات والدول على حدّ سواء هو أثر هائل.

دعونا ننتقل الآن إلى ابتكارين إضافيين من الابتكارات المُنشئة للأسواق، شارحين كيف تجلّت مختلف السمات والخصائص في كل واحد منها.

شراء التأمين بسهولة الحصول على نغمة للهاتف المحمول

خلال الفترة التي قضاها ريتشارد ليفتلي في صناعة التأمين في لندن في تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول من الألفية الجديدة، ذُهِلَ عندما اطلع على جدولين في التحليل الإحصائي السنوي نشرتهما شركة إعادة التأمين العالمية “سويس ري” (Swiss Re). أظهر الجدول الأوّل عدد الناس الذين قضوا نحبهم نتيجة للكوارث الطبيعية والمواقع التي ماتوا فيها. أمّا الجدول الثاني، فقد أظهر مبالغ التأمين المدفوعة إلى المستفيدين. يتذكّر ليفتلي الأمر قائلاً: “كان هناك عدم تطابق كامل بين القائمتين. كانت الخسائر البشرية في أماكن مثل بنغلادش وباكستان والهند ضخمة. لكنّ هذه الدول لم تظهر أبداً على قائمة تصنيف الدول الحاصلة على مبالغ التأمين المدفوعة”. لم يكن منطقياً برأيه أن يكون الناس الذين في أمسّ الحاجة إلى التأمين في العالم هم الأقل حصولاً عليه.

سرعان ما رأى ليفتلي فرصة لتغيير هذا الواقع. فقد أمضى عطلته متطوّعاً في قرية فقيرة في زامبيا، حيث وُضِعَ في منزل أرملة تعيش هي وابنها، وصُدِمَ من حجم ظروفها اليومية المؤلمة. فزوجها الراحل كان قد التقط فيروس نقص المناعة البشري عندما كانت العائلة تعيش في العاصمة لوساكا، الأمر الذي أدخل حياة الأسرة في دوّامة. وتفاقم مرضه إلى الحد الذي أقعده عن العمل، فيما أنفقت العائلة كل مدّخراتها على الأدوية، سواء الأدوية الشرعية أو الخزعبلات التي لم تكن تعطي أكثر من آمال كاذبة بالشفاء، وفي نهاية المطاف على جنازته. وبعد أن أفلست أرملته، عادت هي وابنها إلى مسقط رأسها في القرية لتبدأ حياتها من جديد.

بعد أن عاد ليفتلي إلى لندن، عزم على وضع خبرته المهنية في خدمة الناس الذين يعيشون في الاقتصادات الفقيرة. وعندما خطرت له فكرة مشروع تجاري جديد، قابلها زملاؤه بالتشكيك. يقول ليفتلي: “لقد سخروا منّي. كنت أتحدّث عن الذهاب إلى زامبيا لأبيع بوالص التأمين إلى الناس الحاملين لفيروس نقص المناعة البشري. كان الناس يعتقدون أنني قد جننت وفقدت صوابي”.

هم لا يضحكون عليه الآن. فشركة “مايكرو إنشور” (MicroEnsure)، التي تأسست عام 2002، وفّرت التأمين لأكثر من 56 مليون إنسان في الاقتصادات الناشئة (مضيفة 18 مليون شخص في 2017 وحده)، ودفعت مطالبات بقيمة 30 مليون دولار وأدخلت تعديلات جذرية مُبتكرة على نموذج عملها التجاري. وطرحت أشكالاً جديدة من الحماية للزبائن، بما في ذلك التأمين الصحّي المتناهي الصغر، والتأمين ضد العنف السياسي، وعلى المحاصيل، والهاتف المحمول.

تعمل “مايكرو إنشور” مع شركات التأمين الراسخة، وهي تصمّم برامج في بعض أفقر المجتمعات في العالم وتديرها هناك، علماً بأنّ العديد منها موجود في الدول الصاعدة. فإنشاء سوق معيّنة هو مسألة تنطوي على التجربة والخطأ. حاولت الشركة في بداياتها أن تطرح ببساطة نسخاً ذات تكلفة منخفضة من منتجاتها التأمينية المتاحة في الدول المتقدّمة. يقول ليفتلي: “كنت مضطراً إلى طباعة منشورات تقول أشياءً من قبيل “القفز المظلي الحر وكرة الماء مستثنيان” – وهما عبارة عن رياضتين مكلفتين لم يكن عملاؤه المستهدفون ليفكّروا حتى في ممارستهما. “كان ضرباً من الجنون”. وقد فشلت الشركة فشلاً ذريعاً. فعلى الرغم من إطلاق حملة إعلانية باهظة التكلفة، لم تحصل “مايكرو إنشور” إلا على 10 آلاف عميل.

لذلك حاول ليفتلي من جديد، مُغيّراً المنتج وطريقة الوصول إلى العملاء المُحتملين، عارضاً عليهم تأميناً مجانياً عبر هواتفهم المحمولة. كان بوسع الناس التسجيل دون دفع أي أقساط. كل ما كان عليهم فعله ببساطة هو شراء عدد من الدقائق الإضافية. وكان بوسعهم الاستمرار في كسب هذا التأمين من خلال تجديد عملية الشراء كل شهر. وعندما كان العميل يشتري الدقائق المطلوبة، كانت شركة الاتصالات تدفع قسطه التأميني إلى “مايكرو إنشور” وشركة التأمين الشريكة. ومع مرور الوقت، تُعرض على الزبائن منتجات تأمينية إضافية، مثل “التغطية المزدوجة” (للزوج أو الزوجة) و”التغطية العائلية”، التي تنطوي على تكلفة إضافية تتراوح ما بين 3 سنتات ودولار واحد شهرياً، على أن تجمع الدفعات عبر الهاتف المحمول. كانت الإيرادات المتأتية من الخطط الإضافية تقسم بين “مايكرو إنشور”، وشركة التأمين الشريكة، وشركة الهاتف.

مع ذلك، فإن عرض التأمين “المجاني” أخفق في بادئ الأمر. أدرك ليفتلي أنّه على الرغم من أنّ التسجيل في البرنامج لم يكن يقتضي أكثر من الإجابة عن ثلاثة أسئلة يفترض أنها بسيطة – الاسم والعمر وأقرب الأقارب، إلا أنّ ذلك حتّى كان مطلباً كبيراً. يقول ليفتلي: “تسبّبت هذه الأسئلة الثلاثة بإحجام 80% من الناس عن استكمال العملية”. ففي العديد من الأسواق الصاعدة، تعتبرُ الأسئلة المتعلقة بالعمر وأقرب الأقارب، أبعد ما تكون عن البساطة، فالناس لا يعلمون عمرهم أو لا يهتمّون بهذا الأمر، وتحديد أقرب الأقارب ضمن هيكلية عائلية معقّدة هو أمر صعب. لذلك اضطرت “مايكرو إنشور” إلى إدخال ابتكار جذري على نموذج عملها التجاري مجدّداً.

ماذا لو لم تطرح الشركة على الزبائن “أي سؤال”؟ فهي لن تعرف إلا رقم الهاتف المحمول للشخص. ومن خلال هذه المعلومة الوحيدة، كانت توافق على توفير التأمين وتقديم الدفعات مباشرة إلى رقم الهاتف ذاك، دون الحاجة إلى معاملات ورقية، أو إجابات، أو إثبات على أي شيء. يقول ليفتلي: “كان ذلك مرعباً بالنسبة لشركات التأمين”. لقد كانت تغطية عميل دون معرفة عمره، في قطاع مبني على البيانات، والتوقعات، والجداول الاكتوارية، فكرة جذرية بحق. يشرح ليفتلي الأمر قائلاً: “بات شراء التأمين بسهولة الحصول على نغمة للهاتف المحمول”. وأصبح التأمين المجّاني أداة تسويقية قوية. فبعد أن يكون العميل قد اطلع على مفهوم التأمين، كان من الأسهل بيع خدمات تأمينية أخرى أرفع مستوى إليه وتسويقها.

يقول ليفتلي: “كنّا قد فكّكنا الشفرة”. في الحقيقة تمكّنت “مايكرو إنشور” من تسجيل مليون عميل خلال اليوم الأول الذي طرحت فيه منتجاً جديداً للتأمين على الحياة في الهند، وهو منتج لم يكن يتضمّن أي حدود للعمر أو أي استثناءات، ولم يكن يتطلّب أكثر من مجرّد رقم هاتف محمول. أمّا اليوم وعندما تريد شركات التأمين الوصول إلى عملاء جدد، فإنّهما تلجأ أحياناً إلى “مايكرو إنشور” للحصول على المشورة وخدمات تطوير المنتجات، مدركة أنّها قد كوّنت آراء مهمّة عن سلوكيات العملاء وأنماط الإنفاق لديهم.

هذا ما يميّز الابتكارات المُنشئة للأسواق عن غيرها، أي القدرة على تحديد الفرص في الأماكن التي يبدو أنها “تخلو من الزبائن”، وإيجاد نموذج عمل تجاري يحسّن الطريقة التي لطالما كانت تُنجز بها الأشياء من قبل.

حصلت “مايكرو إنشور” على جائزة فايننشال تايمز ومؤسسة التمويل الدولية للشركات التي أحدثت تحوّلات هامّة أربع مرّات في السنوات القليلة الماضية، وهي تحقّق أرباحاً في 80% من الأسواق التي دخلتها. كما أوجدت أكثر من 500 وظيفة، يزداد عددها كلما انتقلت إلى أسواق جديدة. أكثر من 85% من العملاء لم يسبق لهم أن اشتروا أي تأمين من قبل.

هذا ما يميّز الابتكارات المُنشئة للأسواق عن غيرها، أي القدرة على تحديد الفرص في الأماكن التي يبدو أنها “تخلو من الزبائن”، وإيجاد نموذج عمل تجاري يحسّن الطريقة التي لطالما كانت تُنجز بها الأشياء من قبل.

لكي تحصّل الزبائن، يجب أن توجد السوق أولاً

الصين هي ثاني أكبر اقتصاد في العالم. ويحوم نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي في الصين عند حدود 8 آلاف دولار، أي ما يكفي لوضعها في فئة الشريحة العليا من البلدان المتوسطة الدخل على قوائم البنك الدولي. وقد تمكّنت الصين خلال السنوات الثلاثين الماضية من إخراج ما يقارب المليار إنسان من ربقة الفقر المدقع، فيما يمكن أن يُوصف على أنّه أكبر صعود اقتصادي لافت لأمة عبر التاريخ. ولكن في عام 1992، كان نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي لا يزيد على 366 دولاراً أي أقل بمقدار 49 دولاراً من نصيب الفرد في غانا. في هذه الصين بالتحديد، أي “صين 1992″، التي كانت تغرق في بحر الفاقة، أنشأ رائد الأعمال ليانغ جاوزيان سوقاً لأفران المايكرويف وانطلق لبناء أكبر شركة للأجهزة المنزلية في العالم.

تنتج تلك الشركة أي “غالانز” (Galanz) اليوم، نصف أجهزة المايكرويف التي تُباع في العالم. لكنّ ليانغ لم يبنِ تلك الإمبراطورية من خلال التركيز على كيفية استغلال الأجور المتدنية لليد العاملة في الصين لإيجاد الصادرات. بل ركّز أولاً على إيجاد سوق لأفران المايكرويف في الصين، وهي فرصة لم يكن منافسوه قد رأوها. في 1992، بيع أكثر من 200 ألف فرن مايكرويف في الصين، معظمها في المدن. كان متوسط سعر الفرن الواحد هو 3,000 يوان (500 دولار)، ليكون بذلك خارج متناول معظم المواطنين. كان الشعب الصيني عادة ينظر إلى فرن المايكرويف بوصفه من الكماليات التي لا حاجة له بها، كما أنّ المصنّعين كانوا يرون في الصينيين أشخاصاً أفقر من أن يفكّروا حتى في شراء هكذا جهاز.

لكنّ ليانغ رأى شيئاً مختلفاً. لقد رأى أناساً يعيشون في شقق دون مدافئ، وفي أحسن الأحوال، كان لديهم سخّانات تفرط في تسخين بيوتهم الصغيرة المكتظّة. كما رأى أنّ آخر شيء يريد أن يفعله أي شخص يعيش في شقّة مزدحمة بالأغراض هو أن يطهو الطعام.

لذلك فإنّ النموذج التجاري الذي بناه كان يقوم على إيجاد سوق في الصين. ورغم أنّ “غالانز” استفادت من انخفاض تكاليف اليد العاملة في البلاد، كما كان حال معظم شركات التصنيع، إلا أنّه سيكون من غير الدقيق الإشارة إلى أنّها كانت شركة تصنع أفران المايكرويف بتكلفة منخفضة. فمنذ البداية كانت قد وضعت العميل الصيني العادي في ذهنها.

ولاستهداف ذلك العميل بنجاح، اضطر المدراء التنفيذيون إلى التفكير بطرق جديدة. في أواسط تسعينيات القرن الماضي، كان معدّل استغلال القدرة الإنتاجية لدى معظم مصنّعي أفران المايكرويف في الصين بحدود 40%، لكنّ “غالانز” شغّلت معاملها على مدار 24 ساعة و7 أيام في الأسبوع. ورغم أنّ المصنّعين الآخرين اختاروا الإعلان عن منتجاتهم في التلفزيون، إلا أنّ خيار “غالانز” وقع على الصحف، حيث طرحت مفهوم “التسويق المعرفي” القائم على توفير المعلومات حول كيفية استعمال منتجاتها بما في ذلك تفاصيل حول نماذجها الجديدة. خفّضت هذه الاستراتيجية من تكاليفها الإعلانية والتسويقية تخفيضاً كبيراً، فقد أنفقت الشركات ذات المبيعات المشابهة 10 أضعاف هذا المبلغ تقريباً.

نسبت مقالة نشرت في “تشاينا ديلي” (China Daily) وهي صحيفة شعبية ناطقة باللغة الإنجليزية، الفضل إلى شركة “غالانز” في تعريف العديد من العملاء الذين كانوا يستعملون المايكرويف للمرّة الأولى كيفية استعمال الجهاز. يقول كاتب المقال: “في 1995، نشرت الشركة وعلى نطاق شعبي كيفية استعمال أفران المايكرويف في جميع أنحاء البلاد”. وأضاف في موضع آخر قائلاً: “بدأت بنشر مقالات بعنوان “دليلك إلى استعمال فرن المايكرويف”، و”لقاء مع خبير حول كيفية استعمال أفران المايكرويف”، و”وصفات لأطباق تطهى في المايكرويف” في أكثر من 150 صحيفة. وأنفقت نحو مليون يوان (120,481 دولاراً) على نشر كتب من قبيل “كيف تختار فرن المايكروويف الجيّد” (How to Choose a Good Microwave Oven)”. أسهمت هذه الجهود في تكوين وعي قوي بالعلامة التجارية وساعدت “غالانز” في بيع أولى أفران المايكرويف التي صنعتها مقابل 1,500 يوان، أي بنصف سعر أفران المايكرويف الأخرى التي تباع في السوق.

كما طوّرت “غالانز” أيضاً قدرات لم تكتسبها شركات التصنيع الأخرى التي كانت تعمل وفق مبدأ المقاولة في الصين وكان ينصبّ تركيزها على الصادرات المعتمدة على رخص اليد العاملة. فعندما كانت الشركة تحتاج إلى مهندسي تصميم، ومندوبي مبيعات، وخبراء تسويق، كانت توظفهم. وعندما كانت تحتاج إلى أقنية توزيع، كانت تنشئ هذه الأقنية. وعندما احتاجت إلى مكاتب ومصانع ومعارض كانت تبنيها.

ولكي تتمكّن “غالانز” من خدمة السوق الصينية، اضطرت إلى إيجاد العديد من الوظائف المحلية. وبعد مرور عامين فقط على بدء الإنتاج، بلغ حجم شبكة مبيعات الشركة على المستوى الوطني 5,000 متجر تقريباً، وكانت قد أخذت تتوسّع عالمياً. أمّا اليوم، فإنّ الشركة تمتلك مراكز توزيع فيما يقارب 200 بلد وتدير واحداً من أكبر مراكز البحث والتطوير في مجال أفران المايكرويف في العالم. ولو كانت استراتيجيتها تقوم على استغلال رخص اليد العاملة لكي تلبّي أسواق التصدير، لما كانت ربما قد خصّصت هذه الاستثمارات.

وفي حالة “غالانز” أيضاً بوسعنا أن نرى الأُثر التنموي للابتكارات المُنشئة للأسواق. فعلى سبيل المثال، في عام 1993، لم يكن لدى الشركة أكثر من 20 موظفاً. وبحلول عام 2003، بلغ عدد موظفيها أكثر من 10 آلاف، وهي توظف اليوم أكثر من 50 ألف شخص. كما أنّ الآثار غير المباشرة للتوظيف أكثر من ذلك بكثير. يقول يو شياوتشانغ، نائب الرئيس التنفيذي للشركة أنّ “غالانز” توظّف بصورة غير مباشرة مليون شخص في مجالات تشمل المكوّنات، وقطع الغيار، والإصلاح، والصيانة. في عام 1993، أنتجت الشركة قرابة 400 وحدة يومياً على خط إنتاج واحد. وبحلول 2003، كانت تدير 24 خطاً وتنتج 50 ألف وحدة يومياً. وبعد مرور عقد من الزمن، بلغ إنتاجها بحدود 100 ألف وحدة في اليوم.

حقّقت “غالانز” إيرادات تزيد على 4.5 مليارات دولار في 2013 (وهو آخر عام توجد بيانات بشأنه). ليانغ جاوزيان مدرج على قائمة مجلة “فوربس” (Forbes) لأغنياء العالم بثروة صافية تزيد على مليار دولار. وكانت ثروته ونجاح “غالانز” قد بنيا بواسطة الابتكارات المُنشئة للأسواق في الصين ولصالح الصين.

يوضح مثال “غالانز” بجلاء ما هو المطلوب للنجاح في اقتصاد لا يحظى بالاهتمام المطلوب. أولاً، وكما ناقشنا، رأى ليانغ إمكانية في ازدهار سوق أفران المايكرويف في الصين رغم أنّ الخبراء اعتبروا السكّان شديدي الفقر. ثانياً، لم يقتصر الجهد على صنع فرن مايكرويف رخيص الثمن، وإنّما طوّرت الشركة نموذجاً تجارياً انطوى على أشكال جديدة من الإعلان، وتثقيف العملاء الصينيين، وبناء القدرات في مجال تجارة التجزئة والتوزيع. ثالثاً، لم تبتكر “غالانز” التكنولوجيا أو تستثمر في البحث والتطوير منذ البداية، وإنما قلّدت المصنّعين الآخرين. مع مرور الوقت، بدأت تخترع التكنولوجيات، لكنّها لم تبدأ بهذه الطريقة.

الابتكارات المُنشئة للأسواق لا تنتظر حتى تُزال العوائق بواسطة موارد توجّه عبر الضغط إلى اقتصاد معيّن. بل هي “تجذب” البنية التحتية الضرورية لكي تقدّم منتجاتها.

رابعاً، تحلّت “غالانز” بالصبر فيما يتعلّق بالنمو لكنّها كانت عديمة الصبر عندما يتعلّق الأمر بالأرباح، وهذا هو السبب الذي دفعها إلى تشغيل معامل التصنيع لديها بقدرة إنتاجية تبلغ 100%، وإلى تنمية مواردها بعد أن أوجدت سوقاً في الصين، ولم تبنِ علامة تجارية عالمية إلا بعد أن كانت قد هيمنت على السوق المحلية بطريقة مريحة ومربحة.

نقطة أخيرة، لا يمكننا أن نفيها حقّها من التشديد ألا وهي أنّ “غالانز” وعوضاً عن انتظار الحكومة لكي تستثمر في التعليم المطلوب لضمان وجود جيش ثابت من المهندسين اللامعين، طوّرت المواهب المحلية بنفسها و”لم تدّخر دولاراً في التدريب والتوظيف” إلا ووضعته في خدمة هذا الهدف كما ذكرت إحدى المقالات.

ماذا عن الفساد، والمؤسسات، والبنية التحتية؟

مهما كانت استراتيجية مؤسسة معيّنة لإيجاد أسواق في الاقتصادات الصاعدة خالية من العيوب، فإنّ هناك عوائق حقيقية للغاية. يشكّل الفساد وغياب المؤسسات الفاعلة – ما يسمّيه كل من تارون خانا وكريشنا باليبو من كلية هارفارد للأعمال “الفراغات المؤسسية” – والبنية التحتية المتهالكة أو الغائبة تحدّيات جمّة. فكيف يجب على الشركات أن تفكّر فيها وأن تعالجها؟

تماشياً مع عمل خانا وباليبو، فإنّ بحثنا يشير إلى أنّ النظرة التقليدية لكيفية التغلّب على مثل هذه العوائق – من خلال ضمان وجود بنية تحتية ومؤسسات مناسبة أولاً واجتثاث الفساد لإيجاد بيئة خصبة للابتكار – ربما يجب أن تكون معكوسة. فتلك المقاربة، التي نسمّيها “الشد” تعطي الأولوية للجهود المفروضة من أعلى أو مساعي الحكومة أو المنظمات غير الحكومية بوصفها الشرط الضروري المسبق. فوفقاً لهذا المنطق، “ليس بوسعنا بناء المصانع حتى تكون لدينا طرقات جيّدة لنقل بضائعنا. وليس بوسعنا اجتذاب الشركاء الدوليين حتى تكون لدينا محاكم موثوقة”، وهكذا دواليك.

أمّا على أرض الواقع، فالعكس هو الصحيح. فالابتكارات المُنشئة للأسواق لا تنتظر حتى تُزال هذه العوائق بواسطة موارد توجّه عبر الضغط. بل هي أساساً “تجذب” الموارد الضرورية – وتخلق حلولاً التفافية أو تموّل البنية التحتية والمؤسسات المطلوبة لكي تقدّم منتجاتها – حتى لو كانت هذه الجهود غير مدعومة في بادئ الأمر من الحكومة المحلية.

لنأخذ التعليم مثلاً. يدعو هدف التنمية المستدامة الرابع للأمم المتحدة إلى ضمان التعليم الجيّد المنصف والشامل للجميع في أنحاء المعمورة، وقد أنفقت المؤسسات التنموية مليارات الدولارات في خدمة هذه الغاية. لكن رغم بناء العديد من المدارس في الدول ذات الدخل المنخفض، إلا أنّ النتائج كانت غير متكافئة في أحسن الأحوال. فعمليات تقويم القدرة على القراءة والكتابة والحساب تظهر أنّ الطلاب في الدول ذات الدخل المنخفض يقدّمون أداءً أسوأ، وسطياً، من 95% من الطلاب في الدول ذات الدخل المرتفع. وعندما لا تعطي المدارس النتائج المرجوّة، فالمحصلة هي تفشّي البطالة على نطاق واسع، وانتشار حالة من عدم الثقة في قيمة التعليم. فماذا لو نظرنا إلى البنية التحتية للتعليم – والبنية التحتية عموماً – من زاوية مختلفة؟.

تبنّت شركة تكنولوجيا المعلومات “تاتا كونسالتنسي سيرفيسيز” (Tata Consultancy Services) للخدمات الاستشارية التي تعرف اختصاراً بحروفها الأولى “تي سي إس” (TCS) مقاربة فريدة من نوعها. فعوضاً عن أن تنتظر “تي سي إس” الحكومة حتى تحسّن التعليم، أخذت الأمر على عاتقها، لأنّ التعليم أساسي للنجاح على المدى البعيد. تضم “تي سي إس” 400 ألف موظف تقريباً، وهي واحدة من كبريات شركات القطاع الخاص في الهند من حيث أعداد الموظفين. وبغية تلبية احتياجات زبائنها، أدخلت “التعليم الرقمي” ضمن نموذج عملها التجاري. درّبت الشركة 200 ألف موظف لتوفير الآلاف من أصحاب الكفاءات المُميّزة، وهي لا تعطي أي إشارة على وهن عزيمتها في هذا الصدد. كما أنّها توجّه تدريبها، سواء ما يحصل عليه الموظفون الجدد أو الحاليون، بحسب متطلّبات السوق ومواصفات المشروع. هذا الأمر يظهر أهمية التعليم فوراً. فالموظفون يتفهّمون سبب حصولهم على التعليم، فيما تفهم “تي سي إس” سبب استثمارها.

يمكن أن تكون الابتكارات المُنشئة للأسواق محفّزاً قوياً لإدخال تحسينات على البنية التحتية والتعليم. فمع مرور الوقت، تلتفت الحكومة والمؤسسات المالية إلى جهود المُبتكرين وتبدأ بدعم الأسواق الجديدة. هل تتذكّرون جهود نوليوود في زيادة النجاح؟ طبّقت الحكومة النيجرية إجراءات حماية أقوى لحقوق الملكية الفكرية، وبدأت البنوك والمؤسسات المالية الأخرى تلبية احتياجات هذا القطاع، وتجاوبت المؤسسات التعليمية مع الأمر. كما دخلت المؤسسات التنموية على الخط، حيث وجّه البنك الدولي وغيره من المؤسسات الأموال نحو نوليوود. كل هذه الأنشطة كانت من النوع “الجاذب”، وهذه الأشياء نادراً ما تحدث في الاتجاه المعاكس.

في واقع الأمر، قد تكون البنية التحتية التي تُجتذب إلى سوق معيّنة بحسب الحاجة – وبالقطارّة هنا وهناك، وتتألف غالباً من حلول “جيّدة بما يكفي” في الشريحة الدنيا من السوق – هي الاستراتيجية الأفضل والأسرع والأكثر فعالية مقارنة بتكلفتها على المدى البعيد. فعلى سبيل المثال، لنأخذ حجم التحسين الهائل الذي أدخلته خدمات الهاتف المحمول في إفريقيا في آخر 20 عاماً، وهو تقدّم نجم بالكامل تقريباً عن الابتكارات المُنشئة للأسواق.

العديد من الابتكارات في البنية التحتية التي نأخذها اليوم على أنها من المسلّمات كانت من عمل المُبتكرين الذين أرادوا صنع منتجات وبيعها بكفاءة أكبر. لنأخذ النقل على سبيل المثال. ما تزال لدى اسكتلندا محطة نشطة للسكك الحديدية باسم “سنجر” (Singer)، كانت قد بنتها شركة آلات الخياطة عام 1907 لنقل منتجاتها بكفاءة أكبر من المصنع إلى السوق. وكذلك السكة الحديدية الأميركية الرئيسية التي تربط بالتيمور بأوهايو كان قد بناها تجمّع من المستثمرين وروّاد الأعمال لغرض أساسي هو تحسين إمكانية الوصول إلى الأسواق. وتبعتها خطوط أخرى عديدة بعد أن أصدرت الشركات الخاصّة سندات لتكون قادرة على بناء خطوطها الحديدية الخاصّة بها. وكان المهندس، ورجل الأعمال، والسياسي الأميركي كولمان دي بون مسؤولاً عن طريق دي بون السريع، الممتد على طول 100 ميل في ديلاوير، والذي تبرّع به لاحقاً إلى الولاية. وخلال الاهتمام الجنوني بالسيّارات في الولايات المتحدة في مطلع القرن العشرين، تعهّد رئيس شركة “غوديير” (Goodyear) فرانك سيبرلينغ بدفع مبلغ 300 ألف دولار لتشييد الطرقات. لم يستشر مجلس إدارته، شارحاً لاحقاً أنّ ذلك “كان تحرّكاً تتوقّع “غوديير” أن تحقق من ورائه مكاسب”. فالناس الذين أرادوا بيع الإطارات كانوا سعداء جدّاً بفكرة تشييد الطرقات. ومع نمو هذه الأنواع من البنى التحتية، التي أصبحت غالباً قضايا تشغل البال في مجال الأمن القومي، تدخّلت الحكومات.

قد يبدو الأمر وكأنّنا نلمح إلى أنّ الحكومات في الاقتصادات الصاعدة يجب أن تنقل مسؤولية تطوير البنية التحتية إلى القطاع الخاص. كلا، نحن لا ندعو إلى ذلك. بل نحن نسلّط الضوء على أهمية “تحديد التتابع” والدور المحفّز للابتكار في تطوير البنية التحتية وتحسينها.

بعث الحياة في أوصال الابتكارات المُنشئة للأسواق

كيف يجب على الشركات أن تفكّر في إيجاد أسواق جديدة في الاقتصادات الصاعدة؟ حدّدنا خمسة مبادئ توجيهية.

  1. كل أمّة لديها قدرة كامنة على تحقيق نمو فذ في داخلها.

يجب على المُبتكرين أن يفهموا أولاً أنّه على الرغم ممّا قد يقوله لهم التحليل التقليدي للأسواق، إلا أنّ هناك فرصاً هائلة في الأسواق الصاعدة. وهذه الفرص لا تشابه (ولا يجب أن تشابه) الفرص الموجودة في الدول المتقدّمة، التي تختلف في تركيبة أساسياتها. فريتشارد ليفتلي رأى أنّه على الرغم من كون إفريقيا موطناً لنحو 16% من سكّان العالم، إلا أنّها لم تمثّل أكثر من 2% من سوق التأمين العالمية، وهذه الأرقام غير المتكافئة أشارت إلى أنّ هناك سوقاً كبيرة يمكن أن تُفتح بالضبط بسبب عدم استهلاك القارّة للتأمين.

  1. معظم المنتجات الحالية تنطوي على إمكانية نمو أسواق جديدة إذا وفرناها بأسعار معقولة.

“نارايانا هيلث” (Narayana Health) هي عبارة عن سلسلة مشافي متعدّدة الاختصاصات في الهند، وتمتلك سبعة مراكز عالمية الطراز لطب القلب، و19 منشأة للرعاية الأولية، وأكثر من 6,000 سرير. أسّس ، الذي كان يوماً ما الطبيب الشخصي لـ “تيريزا ماي”، شركة “نارايانا هيلث” عام 2000، عندما كانت الهند واحدة من أفقر دول العالم. ركّز على تحسين “العملية” التي تقدّم بموجبها الرعاية، ونتيجة لذلك فقد أضفى الطابع الديمقراطي على إمكانية الحصول على عمليات جراحية شديدة التعقيد وباهظة التكلفة.

في الولايات المتحدة الأميركية، يمكن لعملية القلب المفتوح أن تكلّف ما قد يصل إلى 150 ألف دولار، وهو مبلغ يتجاوز ما يكسبه معظم الهنود طوال حياتهم. ونظراً لهذه التكلفة العالية، لم يكن أحد ممّن يحتاج إلى عملية قلب مفتوح في الهند يخضع لها. رأى شيتي فرصة لإنشاء سوق جديدة للعناية القلبية، إذ تُجري مراكز “نارايانا هيلث” اليوم عمليات القلب المفتوح لقاء ألف إلى ألفي دولار، مع نسب وفيات وعدوى مقاربة للنسب المسجّلة في الولايات المتحدة. فمن خلال زيادة الاستفادة من معظم مواردها الأكثر قيمة – أي الموظفين (وتحديداً الجرّاحين) والتجهيزات الطبية – تمكّنت من تقليل تكلفة العمليات بصورة جذرية. وهي تستعمل شرائح مختلفة للأسعار، بحيث يصبح بمقدور المرضى الأغنى دفع مبلغ أكبر مقابل الحصول على بعض الخدمات، مثل الغرفة الخاصّة. لكن جودة الخدمة هي ذاتها بالنسبة لكل المرضى.

وسّعت “نارايانا هيلث” أعمالها على مدار السنين وهي توفّر اليوم رعاية ذات جودة عالية في أكثر من 30 اختصاصاً إضافياً بما في ذلك طب الأورام، والأعصاب، والعظام، والجهاز الهضمي. تبلغ قيمة هذه المؤسسة نحو مليار دولار، وهي تخدم ما يقارب مليوني هندي كل عام، وتوظّف مباشرة أكثر من 14 ألف شخص، ودرّبت آلاف العمّال الذين يعملون في مرافق أخرى في الهند وفي الخارج. ورغم أنّ المشافي الأساسية في الولايات المتّحدة تكابد في تحقيق الربح، فإنّ “نارايانا هيلث” حققت أكثر من 20 مليون دولار في العام المالي 2017-2018.

  1. الابتكار المُنشئ للأسواق هو أكثر من مجرّد منتج أو خدمة.

غالباً ما يكون هناك “نظام” يهيئ البنية التحتية الجديدة، والتشريعات، والوظائف للناس الذين يصنعون المنتج المقدّم، ويوزّعونه، ويسوّقونه، ويبيعونه، ويوفّرون له الصيانة. أحد أوضح الأمثلة على هذه النقطة هو شركة “سيلتيل” (Celtel) لمو إبراهيم (باتت الآن جزءاً من “بهارتي أيرتيل” (Bharti Airtel)، التي أضفت الطابع الديمقراطي على قطاع الاتصالات في إفريقيا، ومهّدت الطريق أمام اقتصاد رقمي جديد بالكامل يدعم الآن حوالي 4 ملايين وظيفة. لم تصنع “سيلتيل” مجرّد هاتف محمول رخيص الثمن، وإنما بنت نظاماً كاملاً يشمل الأبراج الهاتفية، التي يركّبها ويصونها مهندسون، والبطاقات الهاتفية التي تتضمّن دقائق اتصالات مدفوعة مسبقاً، وتباع في المتاجر غير الرسمية، والإعلانات، التي صنعها الفنانون ومصمّمو الغرافيك، والعقود، التي صاغها المحامون، والمشاريع الجديدة الممولة من المصارف، وموظفي خدمة العملاء. بحلول عام 2020، من المنتظر أن يدعم هذا القطاع أكثر من 4.5 مليون وظيفة، ويسدد ضرائب بقيمة 20.5 مليار دولار، ويضخ أكثر من 214 مليار دولار في الاقتصادات الإفريقية.

  1. يمكن التقليل من العوائق من خلال الابتكار؛ فالابتكار ليس مضطراً إلى انتظار إزالتها.

يمكن اجتذاب أساسيات التنمية والازدهار بواسطة “الابتكارات المُنشئة للأسواق”، كما رأينا. وعندما تتجذّر هذه الابتكارات، فإنّ البنية التحتية تتحسّن، والمؤسسات تقوى، والفساد يخف. وعندما تصبح السوق الجديدة مربحة لمختلف الجهات المعنية بالاقتصاد، بمن فيهم المستثمرون، وروّاد الأعمال، والزبائن، والحكومة، فإنهم غالباً ما يشعرون بحافز كبير للمساعدة في المحافظة على هذه الموارد. وهذه عملية تحصل مع مرور الزمن، وليست حدثاً وحيداً يحصل لمرّة واحدة.

  1. عندما تستهدف الابتكارات الفئات غير المستهلكة أصلاً، فإنّ نشرها على نطاق أوسع يصبح عملية غير مكلفة.

بعد أن تكون الفرصة قد حُدِّدت، ونموذج العمل التجاري قد وُضِعَ بهدف إتاحة منتج معيّن أو خدمة معيّنة لمجموعة واسعة من الأشخاص غير المستهلكين، فإنّ تحقيق الانتشار على نطاق واسع يكون رخيصاً نسبياً. تتمثّل الخطوة الأولى في الدخول إلى مجال ينطوي على عدم وجود استهلاك. فإذا ما حاولتم استغلال الفرص الحالية في الأسواق الصاعدة – والعديد منها مكتظ أصلاً – وكنتم تأملون التوسّع على نطاق كبير بهذه الطريقة، فإنّكم قد تجدون أنفسكم تلاحقون سراباً.

خذوا على سبيل المثال كيف وسّعت “سفاريكوم” (Safaricom)، الشركة التي تقف وراء المنتج المبتكر الخاص بتحويل الأموال عبر الهاتف المحمول “إم بيسا” (M-PESA) بعد أن أوجدت سوقاً للمستهلكين الذين كانت المصارف لا تغطّيهم. خلال أقل من عقد من الزمن، تبنّى أكثر من 20 مليون كيني “إم بيسا”. في المقابل، كم كانت التكلفة التي ستتكبّدها “سفاريكوم”، وكم كان الوقت الذي ستستغرقه لاستغلال النظام المصرفي التقليدي – أي المباني، والفروع، والحسابات، والموظفين، والتشريعات، وهكذا دواليك – لتحقيق ذات القدر من الانتشار؟.

خاتمة

لا يكمن المفتاح الأساسي لاختراق الاقتصادات الصاعدة في استغلال الأسواق الحالية، رغم أنّ هذا المسعى قد يحالفه بعض النجاح. وإنما يكمن في إنشاء أسواق جديدة تخدم مليارات الأشخاص غير المستهلكين وغير القادرين على العثور على منتج أو خدمة لمساعدتهم في حل مشكلة هامّة.

إنّ “العملية” التي تُنشأ بواسطتها هذه الأسواق، حتى في أقل الظروف احتمالاً، هي ما يحتاج المستثمرون وروّاد الأعمال إلى فهمه. يشير بحثنا إلى أنّ هذه هي الحلقة الأساسية المفقودة. وعندما نركّز جهداً أكبر على ذلك، ستكون النتيجة هي ولادة فرص هائلة، والوصول إلى تنمية شاملة للجميع ومستدامة. فمن خلال الابتكارات التي تُنشئ الأسواق الجديدة أو تحقق الربط معها بالضبط يمكن للمجتمعات أن توجد الوظائف، وأن تدفع الضرائب، وأن تبني البنية التحتية والمؤسسات. والصفة البارزة التي تميّز الابتكارات المُنشئة للأسواق عن غيرها – ألا وهي القدرة على تحديد الإمكانات في الأماكن التي يبدو أنها تخلو من المستهلكين – هي السبب الذي يجعل عملها يمثّل هذه الفرصة الهائلة.

يقول ريتشارد ليفتلي من “مايكرو إنشور”: “من الصعب أن تتفحّص قيمة الأشياء التي ليس بوسعك أن تراها. لكن عندما تنزع طبقات التفكير التقليدي الذي يخبرك بما هو “غير ممكن” وتبدأ بتخيّل ما هو “ممكن”، بوسعك أن تبدأ بإيجاد شيء قوي حقاً. وهذا بدوره قادر على تغيير العالم”.

“عندما تنزع طبقات التفكير التقليدي الذي يخبرك بما هو “غير ممكن” وتبدأ بتخيّل ما هو “ممكن”، بوسعك أن تبدأ بإيجاد شيء قوي حقاً. وهذا بدوره قادر على تغيير العالم”.

— ريتشارد ليفتلي الرئيس التنفيذي لشركة 'مايكرو إنشور

اقرأ أيضاً:

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .