تابعنا على لينكد إن

كما هو حال معظم الناس، أجد بأن الأسبوع الذي يسبق عطلتي هو أشبه بالكابوس، ولاسيما مع محاولتي لإنهاء كل الملفات المكدّسة على مكتبي قبل أن أذهب. ظاهرياً، تبدو هذه فكرة جيدة – أنجز العمل المطلوب منك (ومثالياً أيضاً العمل الذي كنت ستنجزه خلال الوقت الذي ستذهب فيه في عطلة)، وبوسعك أن تذهب إلى عطلتك مرتاح البال. لكنّني أعتقد بأنني كنت أفكّر في الأمر بالمقلوب تماماً.

فهذا الأمر لا يحرّرك لكي تستمتع بوقتك وأنت في إجازتك بعيداً عن المكتب، وإنما ما يحصل عملياً هو أنك تسرق الطاقة التي تبذلها لمعالجة الملفات المكدّسة أمامك من المستقبل، ونتيجة لذلك، فإنك تحوّل الوقت المخصّص للاسترخاء إلى وقت لاستعادة الطاقة المهدورة والتعافي. ولا أحتاج سوى إلى العودة إلى آخر عطلة أخذتها لكي أثبت لكم هذه النقطة. فهل سيبدو ما سأقوله لكم الآن مألوفاً بالنسبة لكم؟ كنت أعمل على إنجاز بعض المهام خلال مهل زمنية محدّدة (فرضتها على نفسي طبعاً)، وخلال الأيام الثلاثة التي تسبق تاريخ مغادرتنا، خصّصت من الوقت والجهد قدراً أكبر بكثير من المعتاد. وفي الليلة التي تسبق سفرنا، سهرت حتى وقت متأخّر جدّاً إذ عملت حتى ساعات الفجر الأولى. وقد ساعدني احتساء القهوة والشعور بالإثارة على الانطلاق مبكّراً في اليوم التالي، ولكن بحلول فترة ما بعد الظهر، كنت قد أنهكت تماماً. واحتجت إلى بضعة أيّام لكي أعوّض النقص في النوم، وخسرت الأوقات الممتعة التي كنت يفترض بي أن أقضيها مع عائلتي، بعد أن اضطررت للنوم لساعات إضافية. كما أن ثلاثة أيّام من عطلة مدّتها أسبوع كامل هي ليست نسبة صغيرة. لا بل الأسوأ من ذلك هو أنني كنت أقل انتباهاً وتركيزاً خلال هذه الأيام القليلة الأولى مقارنة مع ما أنا معتاد عليه. وبالتأكيد فإنني لم أستفد إلى الحد الأقصى من ذلك الوقت الثمين والهام الذي قضيته بعيداً عن العمل.

أنا لا أدعوك هنا إلى أن تكون شخصاً متراخياً ومتكاسلاً خلال الأسبوع الذي يسبق العطلة. لكنّ كثيرين منّا يسهرون الليالي الطوال لإنجاز العمل قبيل الانطلاق في عطلة، معتقدين خطأً بأننا سوف نعوّض ذلك من خلال أخذ قسط من الراحة أثناء تلك العطلة. لذلك حاول قدر مستطاعك أن تجعل الأسبوع الذي يسبق موعد عطلتك أسبوعاً عادياً من حيث الجهد الذي تبذله أو الساعات التي تقضيها في العمل. ومن كان منكم سيقول: “أنا أجري بجدّ كبير طوال الوقت”، فإنه يعلم الفرق بين السرعة العالية والسرعة القصوى.

ثانياً، إذا لم تكن فكرة جيدة بأن تنظّفوا أكوام الملفات المكدّسة على مكتبكم بالكامل قبل المغادرة، فإنني سوف اقترح عليكم بأن من غير الضروري تماماً أيضاً أن تنفصلوا بالكامل عن العمل أثناء وجودكم في إجازة. لقد سبق لي وأن كتبت مقالاً حول هذا الموضوع، ولن تفاجئوا إذا علمتم بأنني تلقيت بسبب ذلك المقال أكبر عدد من رسائل الكراهية ورسائل الإطراء من القرّاء. من وجّهوا سهام نقدهم إلى المقال كانوا من الأشخاص الذين يؤمنون بأن العطلة مقدّسة وبأن أي نوع من الاهتمام بالعمل خلال العطلة هو انتهاك لوقت يجب أن يقيضه المرء في تجديد طاقته. أمّا الأشخاص الذين نظروا بعين التقدير إلى وجهة نظري فقد شعروا بأن هناك أخيراً شخص ما يمنحهم الإذن ببساطة لتفقد بريدهم الإلكتروني للتأكّد ما إذا كانت هناك قضايا حساسية. والملفت في الأمر هو أن كلتا المجموعتين ضمّتا جميع أنواع المدراء التنفيذيين، والذين يتراوحون ما بين روّاد الأعمال وكبار المدراء التنفيذيين في شركات مدرجة على قائمة (Fortune 500): ولم تكن هناك أي علاقة بين منصب الشخص أو دوره والموقف الذي اتخذه. لكن النقطة التي أحاول التأكيد عليها هنا هي أن من الضروري تجاوز سؤال “هل يجب عليّ أم لا يجب عليّ فعل ذلك؟” للنظر فيما إذا كان اللجوء إلى حل وسط لن ينفع أكثر ممّا يضرّ.

من المهم أن تدرك بأنك عندما ترضخ لذلك المفهوم الذي يبدو معقولاً ظاهرياً بأن تسرق اللحظة الغريبة من الوقت المخصص للاسترخاء في العطلة لكي تنجز بعض الأعمال، فإن ذهنك سيكون بعيداً تماماً كما لو أنك كنت حاضراً جسدياً في المكتب، كما يدرك وبشدّة جميع من يرافقونك. وإذا كنت تشكّ في ذلك، ما عليك سوى أن تتخيّل زوجتك أو أطفالك وهم جالسون إلى مائدة العشاء وعيونهم شاخصة نحو الأسفل تنظر إلى هواتفهم الخلوية في ذات اللحظة التي يخطر لك فيها أمر ما مضحك أو مفاجئ أو مذهل وترغب في أن تشاركهم به.

والفكرة إذن لا تكمن في تحريم الاحتكاك مع العمل، وإنما في وضع قواعد أساسية واضحة تحدّد الزمن المناسب للتفاعل مع العمل، مع اعتراف صريح بأنك عندما تكون منخرطاً في العمل فإنك فعلياً لست في عطلة، وإنما أنت فعلياً في العمل. وليس هناك طريقة صحيحة لفعل ذلك، ولكن إليك القاعدة الذهبية التي أؤمن بها: خلال عطلة مدّتها أسبوع واحد، حاول أن تقضي 72 ساعة متواصلة على الأقل دون عمل، ودون رسائل إلكترونية، وإذا كنت تجرؤ على الابتعاد عن كل أنواع الشاشات فذلك أفضل. أمّا في حالة العطلات الأطول مدّة، فحاول أن تعدّل الزمن بحسب الوضع، أو حاول أن تتناوب بين الحالتين. بعد ذلك لا تقضي أكثر من 30 إلى 60 دقيقة في اليوم الواحد لكي تتفقد بسرعة المسائل العاجلة والملحّة بحق. فذلك يسمح لك بأن تظل منفصلاً عن العمل خلال الفترة المتبقيّة من النهار ومحتفظاً بقدرتك على تفقد عملك.

عندما جرّبت ذلك، شعرت بصدمة كبيرة بعدما اكتشفت بأن تفقدي لبريدي الإلكتروني عبر هاتفي الذكي كان حالة انعكاسية أكثر منه حاجة ضرورية. طلبت من ابني الذي يبلغ من العمر 11 عاماً أن يأخذ هاتفي وألا يعطيني إياه إلا عندما كنا نحتاج إلى استعمال الانترنت لتفقد أمر له علاقة ببعض ألعاب المسابقات التي كنا نلعبها أو لتفقّد شيء له علاقة بمخططات عطلتنا. كما صدمت كثيراً عندما أدركت عدد المرّات التي كنت أمدّ يدي فيها إلى هاتفي بحكم العادة تماماً، وليس بحكم الضرورة. وذكّرت نفسي في تلك اللحظات المُحرِجة المتكرّرة بأن أرفع رأسي إلى الأعلى، وأن آخذ نفساً عميقاً، وأن أراقب أمراً ما يحصل بجواري. وبعد أن أصبحت أقدر على التفاعل الكامل مع العالم المحيط بي، اكتشفت بأنني أحببت شعور عدم حملي لهاتفي لبضعة أيام. لقد منحني ذلك إحساساً بالحرية. وعندما عدت إلى هاتفي في الأيام المخصصة لتفقّد العمل، كان من الأسهل تحاشي الانجرار وراء قاطرته التي تسحب وراءها سلسلة طويلة من الرسائل الإلكترونية.

نقطتي الثالثة هي في الوقت ذاته بديهية، وحرجة، ويصعب جدّاً القبول بها. فلكي تكون قادراً بحق على الذهاب في عطلة أنت بحاجة إلى الاقتناع بأن العالم قادر على الاستغناء عنك خلال تلك الفترة. أنا لا أقول بأنك شخص غير مؤثّر، أو بأنه لن يكون هناك من يفتقدك. ولكنني أحاول أن أشير إلى أن أي تأثير سلبي سيكون محدوداً وسيتلاشى سريعاً عند عودتك. وإليك ما أقصده بالضبط.

أنا أمتلك عملي الخاص، لذلك فإن مصلحتي أنا وعائلتي في نجاحه ليست قليلة أبداً. ومع ذلك، فإن الكثير ممّا يسمّى “عجلة وإلحاحاً” والذي خلقته أنا لا يُعتبر عاجلاً وملحّاً على الإطلاق. كما أن الكثير من المهل النهائية أو التوقعات المتعلّقة بالزبائن والموظفين و(الأصعب منهم كلّهم) بي أنا قابلة للتفاوض. لقد قال لي أحد الزبائن قبل بضعة أشهر: “ليس لديّ الوقت حقّاً كي آخذ هذه العطلة.” إذا كنت تهزّ برأسك هنا، فهذا دليل على أنك بحاجة إلى أن تتراجع خطوة إلى الوراء وأن تفكّر بشكل واقعي بكل المخاوف التي تشغلك. وأنا أؤمن بأن تحويل هذه المخاوف إلى شيء ملموس، من خلال تجشّم عناء وضع قائمة بهذه المخاوف، هو أمر مفيد. بعد ذلك فكّر في أثر كل واحد منها، وأسوأ التبعات التي يمكن أن تترتّب عليه. فإذا ما كنت شخصاً يشبهني، فأنا أتوقّع بأنك سترى بأن إمكانية عدم التعافي منها نادرة. أضف إلى ذلك احتمال حصول أي شيء بأسوأ درجاته، وسوف تفكّر بمنتهى الوضوح.

إذا كان ذلك يمنحك شعوراً أفضل، فبوسعك أن تأخذ أقرانك ومرؤوسيك المباشرين، بل وحتّى مديرك، في رحلة تفكير مشابهة، بحيث تطلب منهم أن يفكّروا في التبعات التي ستنجم عن ذهابك في إجازة، وفكّر في السيناريوهات المحتملة، وكذلك في مدى احتمال حصولها. من جهة أخرى، ربما قد يكون كل ما تحتاج إليه هو شيء من التقليل من قيمة ذاتك. فعندما كنت أشغل منصب نائب الرئيس التنفيذي لإحدى شركات الاستشارات، اقترحت على أعضاء فريقي بأن “يتّصلوا بي فوراً في حال كان هناك طارئ يتعلّق بتطوّرات القيادة وإلا فإن الأمر بإمكانه أن ينتظر حتى عودتي.” لربما احتجت إلى أن أطمئن نفسي بأنني قادر على المغادرة دون حصول تبعات كارثية بقدر ما كنت أيضاً وفي الوقت ذاته أسعى إلى تقوية أعضاء فريقي ليفكّروا بأنفسهم خلال غيابي. بالنسبة للعديدين منّا، يعتبر العمل جزءاً حيوياً جداً من حياتنا إلى حدٍّ تصبح معه لدينا نظرة مشوّهة تجاه أهميتنا الذاتية. وعندما نأخذ خطوة إلى الوراء، ونغيّر نظرتنا، فإننا نعطي أنفسنا الإذن بألا نكون، ولبعض الوقت، أشخاصاً لا يمكن الاستغناء عنهم. وأغلب الظن بأن العالم سيكون على ما يُرام إذا غبت لأسبوع تقريباً.

ذات يوم قال الفيلسوف الروماني سينيكا: “الحياة طويلة بما يكفي وهي قد مُنِحت لنا بما يكفي من الكرم الذي يسمح بإنجاز أعظم الأشياء إذا ما أحسن المرء استثمارها بأكملها.” استثمر بحكمة في إجازاتك من خلال التحضير/ وتغيير ذهنيتك، والحدّ من تفاعلك مع ما هو جارٍ في المكتب، وبوسعك أن تتوقّع إنجاز أشياء عظيمة عندما تعود من العطلة، بعد أن تكون قد جدّدت شبابك حقاً.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz