معظم الذين التقوا هيرب كيلير، الرجل الذي يعجز اللسان عن وصف إنجازاته والمؤسس المشارك الذي تولى لفترة طويلة منصب الرئيس التنفيذي لشركة الخطوط الجوية "ساوث ويست إيرلاينز" (Southwest Airlines)، لديهم قصة يروونها عن أول لقاء لهم به. لذلك سأبدأ مقالتي التأملية في الإرث الذي تركه أول لقاء لي معه في أواخر الثمانينيات. كنت محرراً جديداً في هارفارد بزنس ريفيو وقد تخرجت للتو من كلية إدارة الأعمال، وكنت أشارك في مؤتمر كبير ومرموق (ولكي أقول الصدق، كان المؤتمر مملاً) حول استراتيجية شركات الأعمال في مدينة نيويورك.

بعد فترة صباحية من العروض المضجرة والكثيفة التي قدمها مجموعة من المدراء التنفيذيين والمحاضرات الطويلة التي قدمها أساتذة جامعات، حان الوقت لكلمة المتحدث الرئيسي. سار هيرب إلى المنصة، وأشعل سيجارة ثم بدأ يلقي ما أعتبره أروع وأجرأ خطاب سمعته من رئيس تنفيذي وأكثر كلمة أثارت الضحك بين الحاضرين. وعندما أمضيت بعض الوقت معه بعد الكلمة، أدركت على الفور أنني كنت في حضرة رجل يجسد عظمة القيادة، رجل أعمال يضاهي ذكاؤه جرأته، وحسه التجاري الفذ إنسانيته، ونفوذه الإحساس بإمكانية التقرب منه.

توفي هيرب كيلير في مطلع يناير/كانون الثاني من العام الحالي، عن عمر يناهز 87 عاماً، ليفقد العالم بفقدانه رجل أعمال لا مثيل له. في معرض مراجعة وتقييم حياته وإرثه، صعقني كم العبر التي يمكن لنا جميعاً أن نتعلم مما أنتجه ومن سيرته كقائد. يمكن أن نتعلم أنّ بالإمكان خلق قيمة اقتصادية كبيرة بالاستناد إلى قيم إنسانية أصيلة وسخية، ولماذا يتعين أن ينعكس ما تريد تحقيقه في السوق على ما تبنيه في مكان العمل، وكيف أنّ البساطة والاتساق هما أهم عنصرين في عصر الاضطرابات والتحولات.

سطر أداء "ساوث ويست" منذ أن بدأت كشركة عامة في عام 1971 أسطورة في مجال الأعمال. على امتداد أكثر من 45 عاماً، في قطاع مشهور بإعلان الشركات خسائر كبيرة وبحالات الإفلاس المدوية، لم تسجل "ساوث ويست" خسائر في أي من سنوات وجودها على الإطلاق. بعد ثلاثين عاماً من إعلانها شركة عامة، خلصت مجلة "سمارت ماني" (Smart Money) إلى أنّ سهمها كان الأفضل أداء على مر العقود الثلاثة هذه، حتى أنها تفوقت على "آي بي إم" أو "ميرك" أو أي أسماء أخرى لامعة. لقد بلغت قيمة استثمار 10,000 دولار في الاكتتاب العام في "ساوث ويست" 10,2 مليون دولار بعد ثلاثين عاماً.

ولكن ما هو الأكثر أهمية بالنسبة لنا نحن هو فهم ما بناه هيرب كيلير، أي فهم الجزء الأساسي من تراثه. لم تكن "ساوث ويست" بالنسبة له مجرد شركة، بل كانت قضية. لم يكن الهدف مجرد الحفاظ على أسعار بطاقاتها منخفضة وزيادة عدد المدن التي يمكنها الطيران إليها. لقد كان الهدف، حسب كلماته نفسه: "أن نجعل الأجواء ديمقراطية"، بمعنى جعل السفر سهلاً وبأسعار معقولة ووفق مواعيد مرنة بالنسبة للأميركيين العاديين مثلما كانت عليه الحال على الدوام للمسافرين من رجال الأعمال والأثرياء. قد تبدو هذه المهمة جميلة اليوم (ويرجع ذلك أساسا إلى نجاح كيلير)، ولكن عندما أخذ على عاتقه تحقيقها مثلت طموحاً ثورياً وإسهاماً أساسياً بحد ذاته في تحسين نوعية حياة الأميركيين.

بعبارة أخرى، ليس المهم ما تبيعه، وإنما ما تؤمن به. هذا هو العنوان الذي يحمله كتاب من تأليف أسطورة الإعلان في تكساس روي سبنس، أحد أقرب شركاء هيرب كيلير التجاريين، والذي يعود إليه الفضل في كثير من إعلانات "ساوث ويست" التي لا تزال محفورة في الذاكرة. قبل سنوات، عندما قضيت بعض الوقت مع سبنس لتكوين فهم أفضل عما يسعى إليه كيلير، أصر على أن "ساوث ويست" لم تكن تركز بالفعل جل اهتمامها على قطاع الطيران، وإنما على مجال الحرية، وكان غرضه منح عشرات الملايين من الناس "حرية السفر"، حتى لو عنى ذلك بناء شركة تحدت معايير القطاع عند كل مفترق طريق. قال لي سبنس: "استراتيجيات الأعمال تتغير. المكانة السوقية تتغير. ولكن الغرض لا يتغير. الجميع في ’ساوث ويست’ مناضلون من أجل الحرية".

بالمناسبة، عبارة "الجميع" بحد ذاتها مهمة، وقطعة أساسية أخرى في إرث كيلير. أي شخص لديه إلمام عابر عمن هو هيرب كيلير و"ساوث ويست" يعرف عن حبه للأنشطة الغريبة المرحة وعن ثقافة الشركة المشجعة للأداء العالي. ولكن ما يمكن أن يتعلمه كل واحد منا منه، حتى وإن لم نشاركه روح الفكاهة، هو أن القادة العظام يربطون بوضوح بين ما يحاولون تحقيقه في السوق وما يقومون ببنائه في مكان العمل. لهذا السبب، في شركة مكرسة لكي تمنح عملاءها "حرية السفر"، حدد كيلير وزملاؤه "ثماني حريات" عرَفت الحياة داخل شركة الخطوط الجوية، بدءاً من "حرية التعلم والنمو" إلى "حرية خلق الأمان المالي" و"حرية الإبداع والابتكار". لقد فهم كيلير أفضل من أي رئيس تنفيذي قابلته في حياتي أنّ علامتك التجارية هي التعبير الخارجي عن ثقافة شركتك، وأن ثقافتك هي المنصة الوحيدة التي يمكن أن تحافظ على علامتك التجارية وتضمن تجددها.

هناك جزء نهائي واحد (أهمل) من إرث هيرب كيلير يستحق التوكيد عليه ولاسيما في عصر يكثر فيه الحديث عن التحول والاضطرابات والتغيير. بقدر كل ما مثلته "ساوث ويست" من قوة ثورية، وبقدر ما كان كيلير يهيمن بظله على قطاع الطيران، حققت شركته إنجازات عظيمة، وأصبح أحد رواد الأعمال العظماء على مر العصور بفضل التزامه بالبساطة والاتساق بدلاً من السعي إلى الابتكار دون توقف. وعلى مدى عقود، استخدمت الشركة نوعاً واحداً من الطائرات، هي طائرة بوينغ 737، ما سهل تدريب الطيارين والميكانيكيين وإدارة عمليات تشغيل الأسطول. وحافظت الشركة على مسارات طيران من نقطة إلى نقطة، وبالتالي تجنبت التأخير والفوضى التي تحدث في أنظمة المطارات المحورية التقليدية.

ورفضت اتباع قائمة طويلة من الممارسات المعتمدة في القطاع ومنها على وجه الخصوص زيادة رسوم تغيير بطاقات السفر، وزيادة الرسوم الإضافية على الأمتعة التي وإن زادت الإيرادات فقد أثارت غضب الركاب وتسببت بتعقيد عمليات التشغيل. لقد حققت "ساوث ويست" بطريقة مدهشة وتزخر بالعبر المفيدة نجاحاً منقطع النظير على مدى عقود لأنها كانت بطيئة في إحداث تغيير بدلاً من كونها تواقة للتغيير.

في الواقع، على مدى السنوات القليلة الماضية، يمثل أحد التحديات الكبرى الذي يواجه "ساوث ويست" في ما إذا كان بإمكان الجيل الحالي من قادتها الحفاظ على إرث البساطة والاتساق الذي دافع عنه كيلير. وكما أشارت صحيفة "وول ستريت جورنال": "أخذت "ساوث ويست"،  التي كانت يوماً الأكثر براعة في قطاع الطيران، تزداد شبهاً بالشركات المنافسة الرئيسية لها والتي تمردت عليها في بدايتها حينما كانت تلك الشركات منافسات على مستوى عال من التعقيد وذات كلفة تشغيل باهظة".

سنرى إن كانت "ساوث ويست" ستبقى مخلصة لمبادئ مؤسسها وهي تشق عباب بحر صناعة الطيران المضطرب. لكن بوسعنا جميعنا أن نتأمل ونفكر في ما حققه هيرب كيلير، وأن نعبر عن إعجابنا بمسيرة حياته الغنية، ونفكر كيف يمكن لإرثه أن يحسن من أدائنا كقادة.

شكراً لانك أوصلتنا إلى هنا يا هيرب.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!