إذا كانت أشعة الشمس أفضل مطهر، فالعكس صحيح أيضاً، فالزوايا المظلمة والمخفية هي بيئات مناسبة لنمو كائنات مرعبة حقاً. وبعض المشكلات الصحية تتحسن مع تقدم العمر، ولا تُشكّل أزمات الصحة العامة استثناء في هذا الصدد. والشفافية هي "المهمة الرئيسة" للقادة في ظل الأزمات، ومن الضروري أن يكون القادة واضحين بشأن ما يعرفونه وما يجهلونه وما يبذلونه لتعلّم المزيد، فمن الصعب كتمان السر في بعض الأحيان.

خلال شهر رمضان المبارك فقط: استفد من خصم 30% على الاشتراكات الرقمية السنوية والنصف سنوية

صُدمتُ الأسابيع الأخيرة عند سماع أنباء تتحدث عن كيفية استجابة الصين لتهديد "كوفيد 19". إذ كان يوجد عدة دلائل تشير إلى احتمال انتشار فيروس خطير في ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي، وتحركت السلطات الصينية بجد لإخفاء المعلومات وحجبها، لكن النتيجة كانت اتباع تدابير الإغلاق العام مدة ستة أسابيع بهدف احتواء الفيروس.

قد يجادل أحدهم بقوله أن "طبع الكتمان معروف لدى الصينيين، وأن الغرب هو من يتّسم بالشفافية". لكن لسوء الحظ، لم تكن استجابة الولايات المتحدة موفقة، وفق ما ذكرت العديد من المقالات، وكأن التاريخ يُعيد نفسه. ويسترجع مقال نُشر في صحيفة "واشنطن بوست" استجابة العديد من الدول الغربية على "الإنفلونزا الكبرى" عام 1918، وخلُص إلى أننا نرتكب الأخطاء نفسها بعد 100 عام. وما يدعو للسخرية هو أن الدولة التي كانت صريحة للغاية بشأن حالات الإنفلونزا آنذاك، ألا وهي إسبانيا، تأثرت سمعتها على نحو بالغ، وأسفر استعدادها للكشف عن بياناتها في النهاية عن منح الفيروس اسم "الإنفلونزا الإسبانية".

يُعتبر إخفاء الأخبار السيئة بمثابة رد فعل تتّبعه معظم المؤسسات. في المقابل، يُدرك رواد الفكر أن التحدث بصراحة وصدق هو استراتيجية حيوية في ظل أزمة سريعة الحركة، وأن من الضروري اعتبار السمعة استراتيجية طويلة المدى، فاكتساب شهرة اليوم من نشر أخبار سيئة قد يعود بمكاسب مهمة في المستقبل فيما يخص سمعة القادة والمؤسسات والدول على حد سواء، وخاصة عندما تثق الهيئات الداخلية والخارجية بالمعلومات التي تنشرها، وعندما تمتلك الثقة في التزامك بحل المشكلات التي تواجهها.

إن اختيار الشفافية في خضم أي أزمة من الأزمات أو المشكلات الخطيرة يتطلّب الاستعداد لما يسميه المفكر الإداري الشهير بيتر سينج بتأثير "الأسوأ قبل الأفضل"، وهو نمط قديم في الأنظمة المعقدة. ويجب على المؤسسات التي تتعامل بجدية بشأن نموها أن تشجع موظفيها على التحدث بصراحة بشأن المشكلات الحالية التي تعترض سبيلهم. والإحجام عن اتباع هذه الخطوة سيجعل النجاح ضرباً من الوهم، فغياب البيانات بشأن التجارب الفاشلة يعيقنا عن معرفة ما يجب إصلاحه وكيفية إصلاحه، ولا يوجد مجال للنمو دون وجود البيانات.

ويُمثّل نشر الأخبار السيئة الخطوة الأولى التي تقودك إلى تحقيق النجاح، سواء انطوت هذه الأخبار على الإبلاغ عن معدل الجرائم في مدينة ما، أو عن أخطاء طبية في أحد المستشفيات، أو عن عدد حالات المرضى الجديدة في ظل الوباء. كما أن نشر معلومات دقيقة يتيح للأشخاص صبّ تركيزهم ومهاراتهم على التحديات التي تنطوي على تطوير حلول جديدة للمشكلات البارزة. وبدلاً من الاعتقاد الزائف أن الأمور تسير على نحو جيد، يمكن للقادة والخبراء المتخصصين التركيز على حل هذه المشكلات.

وعلى الرغم من أن الحصول على معلومات دقيقة يمثل نجاحاً مبكراً، لا يزال الحصول عليها محبطاً، فمعدل هذه الأرقام في تزايد. كنا نرغب في أن ينخفض معدل الجرائم، وأن يكون المرضى أكثر صحة، وأن تختفي الأمراض، لكن التمني ليس بالاستراتيجية الجيدة، بل لا بدّ لنا من اتباع الشفافية.

وللأسف، لن تحدث الشفافية دون وجود إحساس بالأمان النفسي، بمعنى إعداد بيئة تُمكّن الأفراد من طرح الأسئلة وإبداء المخاوف والأفكار دون خوف من التداعيات الشخصية. في النهاية، من يتجرأ على المجازفة إذا كان من المحتمل أن تسفر هذه المجازفة عن عواقب سلبية؟ وينطبق هذا بشكل خاص على الأجواء المشحونة للأزمة، فكلما زادت خطورة الموقف، زاد شعور الأفراد بالخطر عند الحديث عنها في غياب الأمان النفسي.

وخلال 20 عاماً من دراسة الأمان النفسي، جمعت وزملائي مجموعة قوية من الأدلة التي تثبت أن المؤسسات التي تبتكر طرقاً للحديث بوضوح هي أكثر فاعلية في التعامل مع مختلف التحديات. وتروي حفنة من دراسات الحالة التي ذكرتها في كتابي الذي نُشر عام 2019 والذي يحمل عنوان "المؤسسة الجريئة"(The Fearless Organization)، قصصاً مثيرة عن الدروس المستقاة والمنجزات التي تحققت عند طرح المشكلات بوضوح، والكوارث التي أعقبت تلك الأحداث عند كتمان هذه المشكلات.

يتطلب اختيار نهج الشفافية التحلي بالشجاعة، في حين يتطلّب التوصّل إلى الخيار الصحيح لتحقيق الأهداف التي تهم الجميع التحلي بالحكمة. فإذا رغبت الشركات في أن يتحدث موظفوها بصراحة عما يعرفونه ويرونه ويتساءلون عنه فيجب على كل قائد أن يتّبع نهج الصدق والشفافية.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!