ربما لا يعلم معظم الموظفين كم يكسب زملاؤهم، وعلى الأرجح أنهم لا يعرفون أجور نظرائهم في الشركات الأخرى كذلك. وهذا النقص في الشفافية، يمنع ملايين الأميركيين من الحصول على رواتب أعلى.

هنالك دلائل محدودة على تأثيرات شفافية الأجور في دخل الطبقة المتوسطة، ويرجع ذلك إلى حد كبير لقلة نماذج شفافية الأجور في سوق العمل الأميركية، حيث ظهرت التجارب الأميركية المتعلقة بشفافية الأجور في المقام الأول من خلال طريقين: أولاً، الإفصاح عن مرتبات العاملين في القطاع العام، وثانياً، الإفصاح عن المسؤولين التنفيذيين الذين يحصلون على رواتب كبيرة.

بصرف النظر عن تلك الحالات المنتقاة، فإنّ الكثير من الموظفين ليس لديهم فكرة عن معدل ما يجب أن يدفع لهم من رواتب. وما يُعتبر جزء من هذه المشكلة هو أنّ العاملين في القطاع الخاص لا يملكون إلا القليل من الموارد الموثوقة عندما يرغبون في معرفة ما يحصل عليه نظراؤهم. وغالباً ما تفتقر البيانات العامة إلى التفاصيل الكافية لإجراء مقارنة يمكن اعتبارها مفيدة، كما أنه من النادر أن تنشر الشركات قائمة الأجور الخاصة بها. وكثيراً ما يمنع الحرج المجتمعي وسياسات مكان العمل في المقام الأول الموظفين حتى من التحدث عن الأجور. كشفت دراسة حديثة أنّ 41% من الموظفين لا يتحمسون للحديث عن الأجور، ويخشى 25% من العمال أن يطالهم العقاب بسبب مناقشات الأجور.

من ناحية أخرى، يتمتع أرباب العمل في كثير من الأحيان بسهولة الوصول إلى بيانات وافية عن الأجور. وتنتشر استطلاعات الرواتب، التي تعرف أيضاً باسم مسح الأجور، على نطاق واسع بين أصحاب العمل، حيث يقدر أحد المصادر أنّ أكثر من نصف الشركات في أميركا الشمالية تستخدم هذه الخدمة. وتتيح البيانات المقدمة من هذه الاستطلاعات للمدراء تكوين صورة كاملة عن الأجور في السوق. هل تريد أن توظف مهندساً وتدفع له أجراً أفضل من معظم أقرانه؟ احصل على مسح للأجور، وسوف يخبرك بما ينبغي أن تعرضه بالضبط.

هناك ما يبرر هذه الاستطلاعات، اعتماداً على رغبة شركات التوظيف في تقديم رواتب تنافسية. لكن المشكلة تكمن في عدم التطابق بين المعلومات المتاحة للمدراء وتلك التي يحصل عليها العاملين. لقد خلصت الدراسات الاقتصادية، في ظل مجموعة واسعة من الظروف المختلفة، إلى أنّ الكيان الذي يملك معلومات أكثر وأفضل هو الذي يأتي في المقدمة. ومن غير المحتمل أن يكون سوق العمل بمعزل عن ذلك.

لطالما تحرك المشرّعون من أجل شفافية الأجور. وفي هذا الإطار، أقرت عدة ولايات في الولايات المتحدة الأميركية قوانين مكافحة الانتقام التي تحظر على أرباب العمل معاقبة الموظفين بسبب مناقشة أجورهم. بل تقدمت إدارة الرئيس السابق للولايات المتحدة الأميركية باراك أوباما بخطوات لجمع بيانات الأجور الأفضل كاستراتيجية لمكافحة التمييز بين الجنسين والتمييز العنصري. واعتمد المشرعون في الكونغرس على هاتين الاستراتيجيتين في وضع قانون الإنصاف في صرف الرواتب - وهو مشروع قانون اقترح بهدف سد فجوة الأجور بين الجنسين.

إلى جانب ذلك، تعمل التكنولوجيا على تحسين عملية الوصول إلى بيانات الأجور. وقد بدأت مواقع مثل جلاس دور (Glassdoor) في رفع الحرج المجتمعي عن موضوع مناقشة الأجور. وأصبحت البيانات العامة ، مثل تلك التي قد تم جمعها من قبل مكتب إحصاءات العمل، أكثر البيانات سهولة في الحصول عليها من خلال زيادة استخدام الإنترنت. وتتبنى بعض الشركات المتقدمة ، مثل بافر (Buffer)، الشفافية الكاملة في ما يخص كشوف مرتباتها عن طريق نشر راتب كل موظف على الإنترنت.

هل يمكن لهذا النوع من الشفافية أن يجدي نفعاً؟ لعل هذه الأدبيات الناشئة تحكي قصة معقدة: فالإفصاح عن الأجور يمكن أن يرفع أجور العاملين الذين يتقاضون الأجور المتدنية، وفي الحالات التي يحدث فيها رد فعل عنيف ضد الرواتب العالية (كما هو الحال مع المدراء التنفيذيين في المدينة) يمكن أن يسبب الأمر ضغطاً على الأجور.

في دراسة أجريت في ولاية كاليفورنيا عام 2010 أُعلن من خلالها عن رواتب مدراء العموم، كشف ألكسندر ماس أستاذ علوم الاقتصاد والشؤون العامة أنّ مثل هذا الإعلان قد أدى إلى خفض الرواتب العامة، خاصة تلك التي تجاوزت 200,000 دولار، وزاد من الاستقالات بشكل حاد - وهي نتائج يعزوها إلى ردود فعل شعبية عنيفة ضد المرتبات العامة المرتفعة. كما درس ماس أيضاً أثناء تكليفه في حقبة الكساد كل ما يتعلق بالإفصاح عن رواتب المدراء التنفيذيين، حيث وجد أنّ رواتب التنفيذيين ارتفعت بشكل عام نتيجة لهذا الإفصاح: فقد حصل الرؤساء التنفيذيون الأقل أجوراً في مجالهم على زيادة في الأجر بمجرد أن عرفوا رواتب الرؤساء التنفيذيين الآخرين. وأثر هذا الإفصاح قد يتعدى مجرد مستويات الأجور: فقد وجدت دراسة تجريبية أجراها الاقتصادي ديفيد كارد ومؤلفون مشاركون أنّ العمال ذوي الأجور المنخفضة نسبياً أفادوا بتراجع معدلات الرضا عن وظائفهم وارتفاع معدلات البحث عن عمل بعد مقارنة رواتبهم بالآخرين.

من وجهة نظري، وبناء على النظرية والأدلة المتوفرة لدينا حتى الآن، فإنّ مزيداً من الشفافية سوف تساعد العامل العادي، وسيصبح بإمكان صانع السياسات بذل المزيد من الجهد لتشجيع مثل هذه الشفافية. وفي أحد أوراق البحث الخاصة بمشروع هاملتون (Hamilton Project)، قدمت بعض الاستراتيجيات الإضافية التي تساعد ذلك. أولاً، يجب على الولايات في جميع أنحاء أميركا حماية العمال الذين يناقشون موضوع الأجور في مكان العمل؛ ولا ينبغي أن يتعرض أي عامل لإجراءات انتقامية إذا تحدث عن موضوع الأجور بشكل معقول.

ثانيًا، يجب على إدارة دونالد ترامب دعم جهود لجنة تكافؤ فرص العمل لجمع ونشر البيانات حول الأجور من خلال المجموعات السكانية. وقد أدرج أرباب العمل الكبار هذه البيانات بالفعل لأغراض التشغيل؛ ومن شأن تطبيقها على الرواتب أن يسفر عن رؤى جديدة مهمة دون أن تتحمل الشركات أعباء كبيرة.

ثالثًا، يجب على الهيئات التنظيمية تغيير قوانين مكافحة الاحتكار في ما يتعلق باستخدام استطلاعات الأجور لتشجيع وتحفيز المدراء على مشاركة هذه المعلومات مع الموظفين. إنّ استخدام استطلاعات الأجور له ما يبرره لأسباب تنافسية؛ لكن حجب المعلومات عن العمال لا يوجد ما يبرره.

رابعاً، على الحكومة الفيدرالية أن تحظر على الشركات أن تسأل الموظف عن أجره السابق خلال عملية الاستقطاب، ما لم تكن ترغب في تقديم معلومات عن هيكل الأجور الخاص بها. ويمثل ذلك حلاً وسطاً لشركات التوظيف التي تتطلع إلى تقديم رواتب تنافسية وجذابة - يجب أن يكون ثمن هذه المعلومات كاشفاً للعمال المحتملين على ما سيحصلون عليه من أجر بالنسبة لزملائهم الجدد.

خامساً، ينبغي على الكونغرس الأميركي تخصيص مبلغ تمويل صغير لدائرة العمل لدراسة مسألة شفافية الأجور. إذا ساعدت المعلومات الأفضل على تعزيز الأجور، فإنّ صانعي السياسات سيحظون بأداة جديدة في ترسانتهم تساعدهم على جعل العمال أفضل حالاً.

سوف تساعد هذه الإصلاحات مجتمعة على وضع العمال وأرباب العمل على قدم المساواة عندما يتعلق الأمر بالمعلومات الخاصة بالأجور. والهدف النهائي هو أن يتفاوض الجميع على الأجور بنفس القدر من المعلومات.

هناك عيوب محتملة لهذا النهج. على سبيل المثال، أبدى تود زنجر أستاذ القيادة الاستراتيجية في جامعة كاليفورنيا، قلقه في مقاله بمجلة هارفارد بزنس ريفيو في العام 2016 من أن شفافية الأجواء قد تؤدي إلى الفتنة داخل مكان العمل ويمكن أن تضر بالإنتاجية. إنه نظام عادل بما فيه الكفاية، لكن المشكلة تكمن في الاضطراب الذي قد يحدث في مكان العمل، ربما يتفاعل العمال الذين يتقاضون أجوراً متدنية بشكل سلبي عندما يدركون ضآلة ما يتقاضونه.

إنّ المستهلكين على دراية تامة بقوة التسوق من خلال مقارنة الأسعار. لذا، تجد مشترو المساكن يطلبون مقارنات مع أحدث عمليات البيع. وغالباً ما يذهب المتسوقون عبر الإنترنت إلى أكثر من موقع لمقارنة الأسعار. وأي سائق يتطلع إلى ملء خزان الوقود قد يتنقل بين أكثر من محطة قبل أن يصل إلى المضخة التي يريدها. نفس المبدأ ينطبق على البحث عن أفضل سعر مقابل العمل، إلا أنّ المخاطر أكبر بكثير.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!