تابعنا على لينكد إن

مارك بونشيك وإيلزا ستيل

نحن جميعاً نطمح إلى أن نعمل بشكل أفضل مع الآخرين. والتكنولوجيا باتت تسهّل هذا الأمر نوعاً ما. لكنّ الأدوات التكنولوجية ليست سوى جزءاً فقط من الحل. فالأساس يظل هو البشر لأنهم هم العنصر الأكثر تأثيراً في نهاية المطاف.

وتكمن المشكلة في أنّ التكنولوجيا المستعملة لتسهيل التعاون بين الناس تتحسّن بوتيرة أسرع من قدرة الناس على تعلّم كيفية استعمالها. فما الذي يمكننا فعله لسدّ تلك الثغرة؟ قبل عام من الآن، حاولنا البدء بالإجابة عن هذا السؤال، معتمدين على الخبرة الجماعية والعملية لمجموعة من المؤسسات والمنظمات التي تعتمد في عملها على التعاون وتبدي اهتماماً بموضوع التعلّم. وإليكم النتائج التي توصّلنا إليها.

يوجد في معظم المؤسسات مجموعة من الأدوات المحدّدة التي نستعملها لتكوين فرق العمل وقيادتها وإدارتها. وتشمل هذه الأدوات اختبارات الشخصية، والمهارات المطلوبة، والأدوار المحتمل أن يشغلها أعضاء الفريق. فعندما تحاولون تأليف فريق معيّن، فإنّكم تأخذون بعين الاعتبار شخصيات الناس: هل الشخص المعني انطوائي أمّ أنه منطلق واجتماعي؟ هل هو من الناس الذين يحبّذون المجازفة أم من الذين يتحاشون أي مخاطر؟ هل هو شخص يتّكل على قدراته التحليلية أمّ أنه يعمل اعتماداً على حدسه؟ كما أنّكم تأخذون بعين الاعتبار أيضاً مهاراته: ما هي الموهبة أو الخبرة او التجربة الخاصّة الموجودة لديه وتميّزه عن الآخرين؟ كما أنّكم تأخذون بالحسبان أيضاً الدور المحتمل الذي يمكن لذلك الشخص أن يؤدّيه في الفريق: ما هو الإسهام الذي سيقدّمه هذا العضو للمساعدة في تحقيق هدف الفريق؟

عندما نفكّر عادة في أدوار الناس ضمن الفريق فإننا نركّز على ما “يفعله” الشخص، أي هل هو قائد الفريق، أم مدير المشروع، أم مجرّد باحث فيه. وعندما تحتاج إلى قرار، فإنّك تذهب إلى قائد الفريق. وعندما تحتاج إلى الاطلاع على آخر المستجدّات، فإنّك تلجأ إلى مدير المشروع. وعندما تحتاج إلى التحقيق في أمر ما، فإنّك تذهب إلى الباحث.

ولكن في أسواق اليوم، ليست الشركات الأذكى بالضرورة هي الشركات التي تتفوّق في الإنتاج على منافسيها. وإنما هي المؤسسات التي تتفوّق عليهم في التفكير. ورغم وجود عدد كبير من الأدوات التي تساعدنا في أن نفهم بسرعة ما “يفعله” فريقنا، إلا أنّ من الأصعب بكثير أن نعرف كيف “يفكّر” هذا الفريق. وقد أظهرت الأبحاث بأنّ الطريقة التي يفكّر بها أعضاء الفريق معاً هي العنصر الأهم في تقرير مستوى أداء هذا الفريق.

ونحن نقترح بألا يكون لدى أعضاء الفريق مجرّد أدوار يكلّفون “بتأديتها”، وإنما يجب أن توكل إليهم أيضاً أدوار “للتفكير”. فإذا علم كل عضو في الفريق كيف يفكّر الأعضاء الآخرون في هذا الفريق وكيف تفكّر المؤسسات الأخرى، وإذا علم الآخرون أيضاً كيف يفكّر هذا العضو، فإن جميع هؤلاء الأعضاء سيكونون أكثر حماسة وتفاعلاً وإبداعاً وإنتاجية.

لا شكّ في أنّ أحد جوانب التعاون يتمثّل في تحقيق الانسجام في العمل بين الناس. ولكن هناك جانب آخر ضروري ولا يقلّ أهمية، ألا وهو تحقيق الانسجام في طريقة التفكير بين هؤلاء الناس.

فكيف يمكنك أن تجري تقويماً لطريقة تفكيرك وطريقة تفكير فريقك؟ هناك أطر موجودة تساعدك في تحديد طريقك تفكيرك الشخصية أو كيف يمكنك التأثير في الآخرين مباشرة. لكنّنا لم نعثر على أي اختبارات بسيطة تساعد الناس في التواصل والترابط والتعاون بناءً على طريقة تفكيرهم. وبالتالي بعد محاولات وتجارب مشتركة كثيرة تعتمد على مبدأ التجربة والخطأ، طوّرنا منهجية مؤلفة من ثلاث خطوات تساعد في تقديم نتائج عملية وذات مغزى.

التركيز. الخطوة الأولى هي تحديد الأشياء التي ستركّز عليها في تفكيرك ضمن سياق أو وضع معيّن. ما هي الأشياء التي تركّز عليها تركيزاً أقصى، هل هي الأفكار، أم العملية، أم الإجراءات، أم العلاقات؟ فعلى سبيل المثال، عندما تتأمّل نهارك في الصباح وتحاول أن تخطط لما سيجري خلاله، هل تميل عادة إلى التفكير في المشاكل التي ستحلّها، أم في الخطط التي ستضعها، أم في الإجراءات التي ستّتخذها، أم في الناس الذين ستراهم؟

لا يتعلّق الأمر هنا بخيار واحد فقط مع استبعاد للخيارات الأخرى. وإنّما يتعلّق بالمجال الذي ينصبّ تركيزك عليه بشكل طبيعي. الأمر هنا مشابه لما يحصل معك عندما تحاول أن تختار الفلم الذي ستشاهده أو الكتاب الذي ستقرأه. فهل تركّز على التشويق، أم على الرومانسية، أم على الدراما، أم على الأشياء البوليسية؟

التوجّه. تتمثّل الخطوة التالية في تحديد ما إذا كان توجّهك ضمن ذلك السياق هو على الصورة الكلية أم على التفاصيل الدقيقة. وإذا كنت بحاجة إلى مساعدة في تحديد توجّهك الحقيقي هنا فإن الطريقة الأفضل لفعل ذلك هي أن تفكّر في الأشياء التي تشكّل أكبر مصدر للإزعاج لك خلال الاجتماعات. فهل أنت أكثر ميلاً إلى التذمّر من أنك مضطر إلى الخوض في وحول التفاصيل أم أنّك تتضايق من أنّ الأمور عمومية جداً وتفتقر إلى ما يكفي من التفاصيل المحدّدة؟

إنّ هذه الأبعاد تُعتبرُ مكمّلة للشخصية، والمهارات، والأدوار التقليدية. فبعض قادة المشاريع أكثر ميلاً إلى التركيز على العملية، في حين يميل مدراء آخرون إلى التركيز على الناس. والبعض منهم يركّز على الصورة الشاملة في حين أن الآخرين يركّزون على التفاصيل.

أمّا الخطوة الثالثة فهي الجمع بين هذين البعدين ورؤية أسلوب التفكير الذي ينجم عنهما في أي سياق أو وضع يقع اختيارك عليه.

فعلى سبيل المثال، بالنسبة للأشخاص الذي يرّكزون على الصورة الكبيرة أو الوضع الإجمالي:
– المُستكشف هو صاحب التفكير الذي يولّد الأفكار المُبدعة.
– المُخطط هو صاحب التفكير الذي يصمّم أنظمة فعّالة.
– المحفّز هو صاحب التفكير الذي يحشد الناس ويحفّزهم على العمل.
– البارع في العلاقات الاجتماعية هو صاحب التفكير الذي يبني العلاقات بين الناس ويعزّزها.

أمّا بالنسبة للأشخاص الذين يركّزون على التفاصيل:

  • الخبير هو صاحب التفكير الذي يسهم في تحقيق الموضوعية ويقدّم الآراء الخبيرة.
  • المثالي هو صاحب التفكير الذي يفكّر في كيفية تحسين الإنتاجية وزيادة الكفاءة.
  • المُنتج هو صاحب التفكير الذي يسهم في استكمال الأشياء وفي ضمان الزخم.
  • المُرشد هو صاحب التفكير الذي يساعد الناس في تطوير ذاتهم وتحقيق طاقتهم الكامنة.

عندما تعلم ما هو أسلوبك في التفكير، فإنّك ستعرف ما الذي يحفّزك بشكل طبيعي، ولماذا تُعتبرُ بعض أنواع المشاكل مملّة أو مليئة بالتحديات بالنسبة لك، وما الذي بوسعك فعله لتحسين نفسك في المجالات الهامة بالنسبة لك لكي تصل إلى أهدافك.

وعندما تحدّد أسلوبك في التفكير، فإنّ ذلك يساعدك في أن تتشارك به مع الآخرين، وفي أن يشاركك الآخرون أساليبهم. وبهذه الطريقة، يصبح أسلوبك في التفكير أداة مفيدة للفريق، أو ما يمكن وصفه مجازاً بعبارة “العملة الاجتماعية”. تخيّل مثلاً أنك تحاول تأليف فريق للعمل على مبادرة جديدة. ألن ترغب بأن تعرف أي من أعضاء الفريق يشعر بالتحفيز الكبير جرّاء النقاشات الدائرة حول الاستراتيجية العامة والصورة الكبيرة ومن سيحبط من هذه النقاشات؟ ومن يحب العمل على التفاصيل التنفيذية للمبادرة؟ ومن هو الشخص الذي يشعر بتحفيز كبير جرّاء إدارة ديناميكيات الفريق؟

في أحد الأمثلة الواقعية، طلبت إحدى الشركات من أعضاء فريق الإدارة بأكملهم تحديد أساليب التفكير الموجودة لديهم كقادة وكمدراء. وعندما نظروا إلى الخارطة وإلى النتائج، أدركوا أنّ لديهم الكثير من الناس الذين يركّزون على الصورة الكبيرة. فقد كان لديهم الكثير من المستكشفين ومن الناس الذين يركّزون على الإجراءات (المُحفزين والمُنتجين)، لكن لم يكن لديهم الكثير من الناس الذين يفكّرون في العملية (المُخططين والمثاليين). وقد كان الفريق بارعاً في طرح الأفكار الكبيرة وفي حشد الجميع لكي يتحرّك ويتصرّف، لكنهم كانوا ضعيفين في العمل على التفاصيل وفي جعل الأمور تسير بكفاءة.

ونتيجة لهذه المعلومات التي توصّلوا إليها، بدؤوا يمنحون مجالاً أكبر أمام الأشخاص الذين كان تركيزهم على التفاصيل يبدو وكأنّه يشكّل مصدر إزعاج للمستكشفين والمحفزين الذين يركّزون على الصورة الكبيرة. كما أنهم أدخلوا تعديلات على ثقافة العمل وعلى استراتيجيات التوظيف من أجل خلق أسلوب في التفكير يتّسم بقدر أكبر من التوازن والتنوّع.

وعلى المستوى الفردي، كان هناك إحدى المديرات التي كانت تعمل دائماً ضمن بيئات غنيّة بالأفكار وتحديداً في الاستشارات والتسويق. ولكن بعد أن حدّدت أسلوبها في التفكير، أدركت بأنّها كانت تشعر بتحفيز أكبر جرّاء العلاقات أكثر من التحفيز الذي تمنحها إيّاه الأفكار. وكانت أميل إلى تفكير الشخص “البارع في العلاقات الاجتماعية” منه إلى تفكير المُستكشف. وقد استعملت الأفكار لتوطيد العلاقات مع الآخرين، عوضاً عن استعمال العلاقات لتعزيز الأفكار. وقادتها هذه الفكرة إلى تحويل تركيزها في عملها نحو إدارة العلاقات مع الزبائن وتطوير الأعمال، الأمر الذي أدّى إلى مستويات أعلى من الطاقة والإدارة.

لا شكّ في أنّ بيئة العمل تشهد تغيّرات سريعة حالياً، ويتعيّن علينا العثور على طرق جديدة وأفضل للتواصل والتفاعل مع الآخرين. ونحن جميعاً نطمح إلى أن نعمل بشكل أفضل مع الآخرين، لكنّ التحدّي يكمن في ترجمة هذه الفكرة على أرض الواقع. وبالتالي فإن فهم عملية التعاون من منظار “التفكير” وليس من منظار “الفعل” هو خطوة عملية وقوية إلى الأمام.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!