أثبتت الأبحاث بشكل عام أنّ الأصدقاء في مكان العمل يمكن أن يزيدوا من الإنتاجية والمشاركة. ولكن، ثمة دراسة جديدة أجرتها جوليانا بيليمر ونانسي روثبارد الباحثتان في كلية وارتون كشفت أنه ربما كان هناك جانب مظلم لوجود أصدقاء في مكان العمل، خاصة إذا ما تعارض الأفضل بالنسبة للصداقة مع الأصلح للمؤسسة.

لنبحث المثال التالي: لنفترض أنّ زميلين في العمل، لندعوهما هاجر وعمار، يعملان ضمن الفريق نفسه لخمس سنوات وجمعت بينهما صداقة وطيدة. ودعم كل منهما الآخر، ودرّبا بعضهما البعض كلما اعترضت تحديات العمل طريق أحدهما. وهما يجتمعان معاً مع عائلتهما في عطلات نهاية الأسبوع. ويقدسان فكرة أنّ لديهما صديقاً مقرباً وزميل عمل في الوقت عينه. ولكن، مؤخراً نشأت مسألة خلافية اعترضت طريقهما. فقد أخبر مشرفهما هاجر بأنهما مرشحان لترقية كبيرة، وأنّ الفائز بالترقية سيمسي مدير الآخر في نهاية المطاف. وعلى الرغم من أنهما تحمسا لهذه الفرصة، فقد شعرا بعدم الارتياح في الوقت عينه. فلطالما كانت علاقتهما تمتاز بالدعم المتبادل لا التنافس. وكلاهما كان لديه مبرر وجيه لرغبته في تلك الترقية. فقد انتقل والدا هاجر مؤخراً إلى بيت أكبر، وأمست هاجر مثقلة الآن برهن كبير عليها سداده. أما بالنسبة لعمار الذي يعول ثلاثة أطفال وحده بلا زوجة، فإنّ هذه الترقية ستعني اضطلاعه بمهام إدارة الفريق بقدر أكبر وتقليص أسفاره المتعلقة بالعملاء، ما سيسمح له قضاء وقت أطول مع أطفاله.

بعد جولة شاقة من المقابلات الشخصية، وقع الاختيار على هاجر لنيل الترقية. وشعر أندريه بخيبة الأمل. وعلى الرغم من سعادته لحصول هاجر على الترقية، إلا أنّ ثقته بنفسه قد تعرضت لضربة قاسية. فقد أضحت صديقته المقربة في العمل الآن مديرته، ما يعني أنّ علاقتهما ستشهد حرجاً جديداً سيؤثر حتماً على قدرتهما على العمل سوياً.

ماذا عليك أن تفعل إذا كنت مرشحاً مع صديق لك في العمل للترقية نفسها؟ أو في أي سيناريو تنافسي آخر من المتوقع أن "يفوز" أحدكما فيه و"يخسر" الآخر؟

أولاً، التوازن العاطفي والمنظور السليم ضروريان. ذكّر نفسك بأنّ هذه ما هي سوى ترقية واحدة فقط من بين العديد من الترقيات التي ستظهر طوال مشوارك المهني. فمن السهل التركيز على التفاصيل وتجاهل الصورة الأشمل وفقدان المنظور السليم، خاصة عندما تقع في براثن موقف عاطفي. لقد أثبتت أبحاث التصوير الدماغي أنه عندما يتعرض المرء للتوتر أو القلق، يتأثر عقله ومنطقه بالسلب. وما يساعد المرء على تكوين منظور سليم ورؤية الأشياء من وجهة نظر أشمل هو التراجع خطوة إلى الوراء. على أي حال، إلى أي مدى تفضل أن يكون لديك مدير يحترمك ويحبك ويفهمك على أن يكون مديرك غريباً "يسيء" فهمك؟ بالنظر إلى الأبحاث التي تفيد بأنّ صحتنا القلبية مرتبطة مباشرة بعلاقتنا برئيس العمل، فإنّ الرئيس الذي تحبه ويحبك يمكن أن يكون ميزة عظيمة. والمشرف الذي يقدرك حق قدرك ويهتم لأمرك من الأرجح أن يدعم مشوارك المهني. على سبيل المثال، يعلم عمار يقيناً أنّ هاجر ستشهد لصالحه دائماً.

وسيساعدك المنظور السليم أيضاً على إدراك أنّ صداقتك على الأرجح أهم لديك من الترقية. فقد أثبتت الأبحاث أنّ الصلة الاجتماعية واحدة من أعظم احتياجاتنا بعد الغذاء والمأوى. كما أننا نكون أسعد حالاً وأكثر مشاركة في العمل عندما تربطنا علاقات إيجابية بالأشخاص الذين نعمل معهم (وأسعد حالاً حتى أكثر من حصولنا على راتب كبير). ومن ناحية أخرى، فالوحدة يمكن أن تضر بصحتنا النفسية والجسدية، كما بيّن عالم النفس الرائد المتخصص في الوحدة جون كاسيوبو المشارك في تأليف كتاب "الوحدة: الطبيعة البشرية والحاجة إلى العلاقة الاجتماعية" (Human Nature and the Need for Social Connection) في أبحاثه. إنّ وجود الأصدقاء في مكان العمل يعود علينا بمجموعة من المزايا على المستويين الشخصي والمهني، بما في ذلك الأداء الأعلى ومعدلات الإرهاق الأقل. وبدلاً من أن يطيل عمار التفكير في تعاسته بسبب نتيجة الترقية، يجب أن يُذكّر نفسه بمدى سعادته تجاه هاجر. إنّ العلاقة الاجتماعية التي بين هاجر وعمار أكبر وأكثر نفعاً بالنسبة لأندريه من الخسارة التي يفكر فيها.

ثانياً، احتفظ بمشاعر احترام الذات تحت السيطرة. إنّ نتيجة اختيار المرشح للترقية ليست حكماً عليك. فعادة ما تكون الترقيات اعتباطية وغير موضوعية. ولا تتعلق في جوهرها دائماً بالأصلح للوظيفة. على سبيل المثال، أثبتت الأبحاث أنّ الموظفين يرتقون في السلم الوظيفي بالاعتماد بقدر أكبر على علاقاتهم لا مهاراتهم الفنية. ونحن نعلم جميعاً أنّ "السياسات" غالباً ما تؤدي دوراً في هذا النوع من القرارات أيضاً. في الغرب، نبالغ بشكل خاطئ في التشديد على المواقف باعتبارها تتمحور حولنا. وكما كتبت عالمة النفس الثقافي الرائدة هيزل ماركوس في كتابها "صِدَام!: كيف تتقدم في عالم متعدد الثقافات" (Clash!: How to Thrive in a Multicultural World)، إذا كنت تنتمي إلى دولة تؤمن بالنزعة الفردية كالولايات المتحدة، أو الكثير من الدول الأوروبية، فإنك تميل (بالخطأ) إلى اعتبار نفسك مسؤولاً وحدك عن نجاحاتك أو إخفاقاتك. إنّ المنتمين إلى ثقافات جمعيّة كدول شرق آسيا لديهم رؤية أكثر شمولاً: فهم يفهمون أنّ فوزك من عدمه يتعلق بأمور كثيرة تتجاوز جدارتك الشخصية. وقرار ترقيتك (من عدمه) يجوز ألا يرتبط إلا قليلاً بمهارتك الفعلية، ويعول كثيراً على عوامل خارج سيطرتك.
ثالثاً، التواصل والتخطيط محوريان. تحدث إلى صديقك بشأن الموقف لنزع فتيل التوتر بينكما. وناقش انزعاجك، وشاركه إصرارك على ألا تسمح لهذا القرار المتعلق بالعمل بالتأثير على صداقتكما. سيستفيد عمار وهاجر من مناقشة الشكل الذي يرغبان في أن تتخذه علاقة عملهما، وكيف يضمنان أنّ انعدام توازن القوى بينهما لن يؤثر على علاقتهما الشخصية. وحتى قبل أن يُتخذ القرار، من المفيد أن يتأمل عمار وهاجر النتائج المحتملة، وكيف سيحافظان على صداقتهما. إنّ الجوانب الإيجابية لوجود الأصدقاء في مكان العمل لا جدال فيها. ولكن، هناك مواقف شائكة يتعين على المرء التعامل معها بالطبع. والسر يكمن في استغلال ذكائك العاطفي لضمان أنّ بوسعك – وبوسع صداقاتك – الصمود على الرغم مما يحدث في المؤسسة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!