الأفكار الخاطئة لدى معظم الناس عن الرجال والنساء

22 دقيقة
الأفكار الخاطئة عن الرجال والنساء
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

وصل النقاش الدائر حول معاملة النساء في مكان العمل إلى مستويات قصوى في الآونة الأخيرة، وأخذ كبار القادة – رجالاً ونساءً – يُعلون صوتهم وبصورة متزايدة حول الالتزام بالمساواة بين الجنسين. وهذا أمر جيد، لكنّ هناك أمراً خادعاً. فالنقاشات، والعديد من المبادرات التي تبنّتها الشركات حول وجود أفكار خاطئة عن الرجال والنساء، غالباً ما تعكس اعتقاداً خاطئاً مفاده أنّ ثمّة “اختلافاً” جوهرياً بين الرجال والنساء، بحكم جيناتهما، أو تنشئتهما، أو كلا الأمرين.

بطبيعة الحال، هناك فروقات بيولوجية. لكن ليست هذه هي الفروقات التي يتحدّث الناس عنها عادة. بل إنّ الخطاب يركّز على فكرة أنّ النساء يختلفن اختلافاً متأصّلاً عن الرجال من حيث الطبيعة، والمواقف، والسلوكيات. (خذ مثلاً عناوين من قبيل “لماذا تفعل النساء كذا في المكتب” أو “النساء العاملات لا يفعلن كذا”).

واحدة من مجموعة الاختلافات المفترضة التي تهدف إلى تفسير إخفاق النساء في تحقيق التكافؤ مع الرجال: النساء يفاوضن بشكل سيّء، أو يفتقرن إلى الثقة، أو يتحاشين المخاطر كثيراً، أو لا يعملن العدد المطلوب من الساعات لأنهنّ يقدّرن العائلة أكثر من حياتهن المهنية. وفي الوقت ذاته، تُستعملُ الاختلافات المفترضة الأخرى – بأنّ النساء مهتمّات، أو متعاونات، أو مدفوعات بتحقيق المهام– كمبررات تلجأ إليها الشركات للاستثمار في نجاح النساء. ولكن سواء أكانت هذه المعتقدات تُصاغ على شكل عوائق أو مكاسب في صالح النساء، فإنها تشكّل عاملاً مقيّداً لهن. ولن نتمكّن من خلق بيئة منافسة عادلة لكلا الجنسين طالما أنّ أرضيّة هذه المنافسة تقوم على قناعتنا بوجود اختلاف بينهما. 

والسبب بسيط: فالعلم، وإلى حدّ كبير، لا يدعم هذه المزاعم. وثمّة تنوّع كبير بين صفوف النساء وصفوف الرجال، وتظهر تحليلات ميتا (الشاملة لأبحاث ودراسات كثيرة)، بأنّ كلا الجنسين، عموماً، أكثر تشابهاً بكثير في ميولهما، ومواقفهما، ومهاراتهما ممّا نعتقد وفقاً للرأي السائد. فنحن نرى اختلافات بين الجنسين في أوضاع وبيئات مختلفة، بما في ذلك ضمن مكان العمل – لكنّ هذه الفروقات ليست متجذّرة في صفات ثابتة في كل جنس. وإنما تنشأ من هيكليات مؤسسية، وممارسات سائدة في الشركات، وأنماط في التفاعل تضع الرجال والنساء في مواقع مختلفة، الأمر الذي يخلق تجارب مختلفة منهجياً لكليهما. فعندما يواجه الناس ظروفاً غير متشابهة، فإنّهم يتجاوبون بطرق مختلفة – ليس بسبب جنسهم وإنما بسبب أوضاعهم.

يعرّضنا التشديد على الفروقات بين الجنسين لجعلها تبدو طبيعية وحتمية. فعندما تُروى القصص والحكايات المتوافقة مع الصورة النمطية، وتُعاد روايتها، دون التطرّق إلى سبب ظهور السلوكيات النمطية وتوقيتها، فإن الفروقات بين الجنسين تتعرّض للمبالغة وتأخذ صفة الحتمية. وبالتالي فإنّ التدخلات المبنيّة على النيّة الحسنة ولكنّها واهية وعقيمة تركّز على “إصلاح” النساء أو استيعابهن عوضاً عن تغيير الظروف التي أدّت إلى اختلاف السلوكيات في المقام الأول.

فكرة المقالة بإيجاز

المعتقد السائد

ثمّة مفهوم سائد يقول بأنّ الرجال والنساء مختلفون جذرياً بطرق (غير بيولوجية) هامّة – وتساق هذه الفروقات لتفسير تأخّر النساء في تحقيق الإنجازات.

الحقيقة

وفقاً لكم هائل من تحليلات ميتا لعدد كبير من الدراسات والأبحاث المنشورة، فإنّ الرجال والنساء متشابهون إلى حدّ كبير فيما يخصّ بعض الخصال الأساسية مثل الثقة، والرغبة في المجازفة، ومهارة التفاوض.

لماذا يُعتبرُ الأمر مهمّاً

يحاول عدد كبير من المدراء “إصلاح” النساء أو استيعاب فروقاتهن المفترضة – وهذا لا ينجح. بل يجب على الشركات عوضاً عن ذلك أن تعالج الظروف المؤسسية التي تقود إلى معدّلات أدنى من بقاء النساء في وظائفهن وترقيتهن.

لنأخذ، على سبيل المثال، الاعتقاد الشائع بأنّ النساء أكثر التزاماً تجاه الأسرة من الرجال. فالأبحاث لا تدعم هذا المفهوم. ففي دراسة شملت خرّيجي كلية هارفارد للأعمال وقام بها أحد مؤلفي هذا المقال، أعطى الجميع تقريباً، وبغضّ النظر عن جنسهم، قيمة أعلى لعائلاتهم مقابل عملهم (أنظر “أعد النظر فيما “تعرفه” حول النساء ذوات الإنجازات الرفيعة”، هارفارد بزنس ريفيو، 2014). وعلاوة على ما سبق، فإنّ اتخاذ قرارات تخصّ المسار المهني لاستيعاب المسؤوليات العائلية لم يفسّر الفجوة الموجودة بين الجنسين في الإنجاز. ويوضح بحث آخر أيضاً بأنّ الرجال والنساء لا يمتلكون أولويات مختلفة اختلافاً جذرياً.

يُظهرُ عدد كبير من الدراسات بأنّ الاختلاف يكمن في المعاملة التي يتلقاها كل من الآباء والأمهات عندما يكوّنون أسرة. فالنساء (وليس الرجال) يُنظر إليهن بوصفهنّ بحاجة إلى دعم، في حين يتلقى الرجال على الأغلب رسالة – صريحة أو ضمنية – بأنهم يجب أن يرقوا إلى مستوى رجولتهم وألا يعبّروا عن أي ضغوط أو تعب. فإذا ما طالب الرجال بجدول سفريات أخف عبئاً، فإن المشرفين عليهم قد يخففون العبء عنهم – ولكن غالباً على مضض، ومع توقع واضح بأن يكون هذا النوع من “العفو” مؤقتاً. وبناءً على ذلك، يحاول بعض الرجال اتّباع مقاربة تقوم على الابتعاد عن الأعين، بحيث يخفّضون ساعات عملهم أو سفرهم بصمت على أمل ألا يلاحظ أحد ذلك. في حين يتنازل الآخرون ببساطة، ويحدّون من الوقت الذي يقضونه في أداء المسؤوليات العائلية ويضاعفون عملهم. في كلتا الحالتين، يحافظ هؤلاء الرجال على سمعة تُبقيهم على مسار مهني صاعد. وفي الوقت نفسه، يُتوقع من الأمّهات تقليل انخراطهن في العمل، لا بل يشجّعن على ذلك. وينقلن إلى أدوار أقل عبئاً ومسؤولية ويُمنحن زبائن أقل “تطلباً” (والمقصود هنا مكانة أقل، وفرص أقل لتطوير المسار المهني).

ويمكن تلخيص الأمر بالقول بأنّ رغبات الرجال والنساء والتحدّيات التي يواجهونها فيما يخصّ الموازنة بين العمل والحياة العائلية تتشابه تشابهاً هائلاً. لكنّ التجربة التي يمرّون بها في مكان العمل بعد أن يصبحوا آباءً وأمّهات هي ما يضعهم في مواقع مختلفة جدّاً.

وليس بالضرورة أن تظلّ الأمور على هذا الحال. فعندما تلاحظ الشركات وجود فروقات في معدلات النجاح الإجمالي بين النساء والرجال، أو في السلوكيات التي تعتبر أساسية بالنسبة للفعالية في العمل، يمكنها أن تسعى سعياً جادّاً إلى فهم الظروف المؤسسية التي قد تكون مسؤولة عن هذه الحالة، ومن ثمّ إجراء بعض التجارب لتغيير هذه الظروف.

لنأخذ مثالاً قامت به مديرة مسؤولة فطنة شعرت بالقلق جرّاء حصول تسرّب كبير في موظفاتها في شركتها المتخصصة بالخدمات الاستشارية. فعندما ساورتها الشكوك بأنّ النساء كنّ ببساطة “يخترن ترك العمل” بعد ولادة طفل لهن، أجرت استقصاءً ووجدت بأنّ أحد أسباب ترك النساء للشركة كان نابعاً من نظام تقويم الأداء، فقد كان المشرفون مضطرين إلى الالتزام بنظام التوزيع الإلزامي عند تصنيف مرؤوسيهم، وكان من غير المرجّح أن تحصل النساء اللواتي أخذن إجازة أمومة على أعلى التصانيف لأنّ أداءهن كان يُقارن مع أداء أقرانهن الذين عملوا لعام كامل. وبالتالي فإنّ الحصول على علامات أقل من العلامات الكاملة لم يكن يضر بفرصهن في الترقية فحسب، وإنما كان يرسل أيضاً رسالة مثبطة للمعنويات مفادُها بأنّ الأمومة والترقية مساران لا يلتقيان. لكنّ إصلاح الأمر كان سهلاً نسبياً، فقد قرّرت الشركة تطبيق مبدأ التوزيع الإلزامي على الموظفين الذين عملوا لعام كامل فقط، في حين كان بوسع من أخذوا إجازات أطول استخدام تصنيف العام السابق. وقد طبّقت هذه القاعدة على الرجال والنساء على حدّ سواء. لكن الأمهات الجدد كنّ أكثر من استفاد من هذه السياسة. وقد منح هذا التغيير النساء المزيد من الحوافز للعودة من إجازة الأمومة، وساعد في إبقائهن على مسارهن نحو الارتقاء بالعمل. وساعد إبقاء عدد أكبر من الأمهات على المسار في إلغاء الافتراضات الموجودة في الشركة حول الخيارات المفضّلة للنساء تجاه العمل/ العائلة.

وكما يكشف هذا المثال، فإنّ الشركات بحاجة إلى التعمّق أكثر في معتقداتها، ومعاييرها، وممارساتها، وسياساتها لفهم الكيفية التي تحدّد بها هذه الأمور موقع النساء بالمقارنة مع الرجال في مكان العمل، وكيف يمكن للمواقع المختلفة أن تؤجّج حالة عدم المساواة. فإجراء استقصاء جاد للسياق الذي يتيح ظهور أنماط تفاضلية في الطريقة التي يعيش بها الرجال والنساء تجربتهم في مكان العمل – والتدخّل بناء على ذلك – يمكن أن يساعد الشركات في تعبيد الطريق نحو تحقيق المساواة بين الجنسين.

سنتطرّق فيما يلي إلى الخرافات الشائعة حول الاختلافات الموجودة بين الجنسين، ونفسّر كيف تتجلّى كل خرافة منها ضمن الخطاب المؤسسي السائد حول تأخّر النساء في إحراز التقدّم الوظيفي. وبالاعتماد على سنوات من الأبحاث في مجال العلوم الاجتماعية، سنحاول تفنيد هذه الخرافات، وتقديم تفسيرات بديلة للاختلافات الملاحظة بين الجنسين، وهي تفسيرات تشير إلى الطرق التي تساعد المدراء في خلق فرص متساوية للجميع. ثمّ نعرض استراتيجية رباعية الأبعاد لتطبيق هذه الإجراءات.

الخرافات الشائعة

لطالما سمعنا جميعاً عبارات في وسائل الإعلام والشركات مفادها بأن النساء يفتقرن إلى “الرغبة أو القدرة على التفاوض”، وأنهن يفتقدن إلى “الثقة”، وأنّه تعوزهنّ “الرغبة في المجازفة”. ووفقاً لطريقة التفكير هذه، تفسّر هذه العيوب سبب فشل النساء حتى الآن في الوصول إلى حالة المساواة مع الرجال.

سعت الدراسات ومنذ عقود طويلة إلى بحث الفروقات بين الجنسين في ضوء هذه الأبعاد الثلاثة، ومكّنت علماء الاجتماع من إجراء تحليلات ميتا (شاملة لأبحاث ودراسات كثيرة)، واستقصاءات تكشف، وسطياً وفي مختلف الدراسات، ما إذا كانت الفروقات بين الجنسين موجودة أم لا، وإذا كانت موجودة، فما هو حجم هذه الفروقات. (راجع الفقرة الجانبية التي تحمل عنوان “قوّة تحليل ميتا الشامل لأبحاث ودراسات كثيرة”). وما يوازي ذلك في الأهمية هو أنّ هذا النوع من التحليل يكشف عن الظروف التي يزيد فيها احتمال ظهور الفروقات بين الرجال والنساء أو يقل. وتُعتبرُ النتائج المجمّعة واضحة: السياق هو ما يفسّر أي اختلافات بين الجنسين تظهر في مكان العمل.

قوّة تحليل ميتا الشامل لأبحاث ودراسات كثيرة

تحليل ميتا (Meta-analysis) هو تقنية إحصائية تستعمل للجمع بين نتائج العديد من الدراسات، بحيث توفّر أساساً موثوقاً لاستخلاص الاستنتاجات من الأبحاث. وتتمتّع هذه المقاربة بثلاث ميزات بالمقارنة مع الدراسة الواحدة.

أولاً، هو أكثر دقة، لأنه يستند إلى عيّنة كبيرة جدّاً – وهي إجمالي العيّنات في جميع الدراسات – ولأنها تحتوي على بيانات مجمّعة في سياقات عديدة مختلفة. وأي مجموعة مفردة من النتائج قد تعكس الصفات الخاصّة المُميّزة لعيّنة الدراسة أو سياقها، وبالتالي قد لا تقود إلى خلاصات قابلة للتعميم. وتحليل ميتا بجوهره يحاول تحديد المعدّل الوسطي لكل هذه الصفات الخاصة والمُميّزة ليعطينا إجابة أصدق عن السؤال البحثي (في هذه الحالة، “هل الرجال والنساء مختلفون فيما يخص صفقة معيّنة أو سلوك ما؟”).

ثانياً، تحليل ميتا أكثر شمولية. فبما أنّه يغطّي دراسات أجريت في العديد من السياقات المختلفة، فإنّه قادر على إخبارنا ما أنواع السياقات التي يزداد فيها أو يقل احتمال رؤية اختلافات بين الجنسين.

ثالثاً، تحليل ميتا أكثر تحديداً: فهو قادر على إخبارنا بالضبط مدى حجم الاختلاف بين الرجال والنساء. ففي أي صفة أو سلوك معيّنين، هناك تفاوت “بين صفوف” الرجال و”بين صفوف” النساء، وعادة ما يكون هذا التفاوت الموجود ضمن المجموعة الواحدة موزّع بالقرب من معدّلات وسطية “حقيقية” في كل مجموعة. وباستعمال المعدّلات الوسطية والتفاوت ضمن كل مجموعة، بوسعنا حساب “حجم التأثير” الذي يمكن النظر إليه على أنه تأثير جنس الشخص على صفة معيّنة لديه. وعند اختبار فرق معيّن بين الجنسين، فإننا في الواقع نطرح السؤال التالي: “ما حجم التداخل الموجود بين الرجال والنساء، أو، بعبارة أخرى، ما حجم الاختلاف بين المعدّلات الوسطية لكليهما، مقارنة مع التفاوت ضمن كل جنس من الجنسين؟”.

لنأخذ الشكل البياني إلى اليسار أدناه، الذي يُظهر توزّع أطوال الرجال والنساء في المملكة المتحدة. بوسعنا أن نرى من المنحنيات بأنّ الرجال، بالمعدل، أطول قليلاً من النساء. في الحقيقة، يبلغ معدل طول الرجال خمس أقدام وتسعة إنشات (175 سنتيمتراً)، فيما يبلغ معدل طول النساء، خمس أقدام وثلاثة إنشات (160 سنتيمتراً) – أي أنّ الفرق هو ستة إنشات (15 سنتيمتراً). بوسعنا أن نرى أيضاً بأنّ هناك عدداً من النساء الأطول من الرجال ذوي الأطوال الواقعة ضمن المعدل، وأنّ هناك عدداً من الرجال الأقصر من النساء ذوات الأطوال الواقعة ضمن المعدل. ويبلغ حجم تأثير الجنس على الطول 1.72، وهو يعتبر “كبيراً”.

باستعمال هذا الفرق بين الجنسين كنقطة مرجعية، بوسعنا أن نرى من الشكل البياني إلى اليمين، بأنّ الفرق بين الرجال والنساء في تقدير الذات، أو الثقة، أقل بكثير، علماً بأنّ تأثير الجنس في هذه الحالة يبلغ 0.10. ورغم أن الفرق في كل منحنى بياني يعتبر دالاً إحصائياً، إلا أن الفرق في حالة الثقة يُعتبرُ، من الناحية الإحصائية، “مهملاً”، ومن ناحية الإدارة عديم المعنى. وقد أعطى هذه التحليل ذاته لنتائج المفاوضات للرجال والنساء، وميلهم نحو المجازفة تأثيرين للحجم يبلغان 0.20 (“صغير”) و0.13 (“مهمل”)، على التوالي. وباختصار، وخلافاً للمعتقد الشائع، فإنّ الفروقات الثلاث بين الجنسين والتي درسناها في هذه المقالة، ولكل الأغراض والأهداف والغايات المعتبرة، عديمة الجدوى.

ولنأخذ موضوع المفاوضات أوّلاً. نسمع مراراً وتكراراً بأنّ النساء يفتقرن إلى مهارة المفاوضة– فهنّ “يقبلن بالتوصّل إلى تسوية بسهولة”، أو “مفرطات في لطفهن”، أو “متعاونات زيادة عن اللزوم”. لكنّهن لسن كذلك بحسب ما كشفت الأبحاث. فقد حلّل ينز مازي وزملاؤه مؤخراً أكثر من 100 دراسة تبحث فيما إذا كان الرجال والنساء يصلون إلى نتائج مختلفة عند التفاوض، وقد توصلوا إلى أن الفروقات بين الجنسين كانت صغيرة إلى مهملة. ويمتلك الرجال ميزة طفيفة في المفاوضات عندما يكونون في سياق يدافعون فيه عن مصالحهم حصراً، وعندما يكون الغموض الذي يحيط بالمصالح أو الفرص مرتفعاً. وتحصل التفاوتات الأكبر في المحصلات إما عندما لا يمتلك المفاوضون خبرة سابقة، أو عندما يكونون مُجبرين على التفاوض، كما هو الحال في التمارين التدريبية الإلزامية. لكنّ هذه الأوضاع استثنائية وغير نموذجية، وحتى عندما تنشأ، فإن الإحصائيين يعتبرون الفروقات الناجمة بين الجنسين ضئيلة. أمّا بالنسبة للمفهوم القائل بأنّ النساء أكثر تعاوناً من الرجال، فإنّ أبحاث دانيال باليه وزملائه تثبت عدم صحّة هذا الكلام.

يُعتبرُ الاعتقاد السائد بأنّ النساء يفتقرن إلى الثقة واحداً من المغالطات الأخرى. وغالباً ما يورد هذا التوكيد في معرض تفسير سبب عدم تحدّث النساء بشكل أكبر في الاجتماعات، وعدم المطالبة بالترقية ما لم يكنّ واثقات بنسبة 100% بأنّهن يلبّين كل اشتراطات الوظيفة. لكنّ الأبحاث لا تسند الفكرة القائلة بأنّ النساء أقلّ ثقة من الرجال. وبعد تحليل أكثر من 200 دراسة، خلصت كريستن كلينغ وزملاؤها إلى أنّ الفروقات الوحيدة تحصل خلال مرحلة المراهقة، وبدءاً من سن الثالثة والعشرين تصبح هذه الفروقات مهملة.

ماذا عن المجازفة – هل النساء أكثر تحفظاً من الرجال؟ يعتقد الكثير من الناس بأنّ هذا الأمر صحيح – وإن كانوا منقسمين إزاء ما إذا كان العزوف عن المجازفة هو نقطة قوّة أم نقطة ضعف. فعلى الجانب الإيجابي، هناك اعتقاد سائد بأنّ النساء أقل ميلاً إلى الوقوع في شراك استعراض العضلات وأساليب المخادعة، وبالتالي، فإنّهن أقل ميلاً إلى المجازفة أو المخاطرة غير الضرورية. لنأخذ مثلاً الفكرة التي جرى غالباً التعبير عنها عقب انهيار بنك ليمان براذرز (الذي يعني الأشقاء ليمان باللغة الإنكليزية): “فلو كانت الشركة هي ليمان سيسترز (أي الشقيقات ليمان)، لربما كان بالإمكان تجنّب الأزمة”. أمّا على الجانب السلبي، فيُنظرُ إلى النساء بوصفهنّ أكثر حذراً في الدخول في استثمارات ذات مخاطر عالية ولكنها تنطوي على عوائد محتملة كبيرة.

ولكن مرّة أخرى لا يدعم البحث أيّ من هاتين الصورتين النمطيتين. فكما هو الحال مع المفاوضات، فإنّ الفروقات بين الجنسين في الميل إلى المجازفة طفيفة وتعتمد على السياق. ففي تحليل ميتا شمل مجموعة واسعة من الأبحاث والدراسات أجراه جيمس بيرنز وزملاؤه، خلصوا إلى أنّ أكبر الفروقات تظهر في سياقات من غير المرجّح أن تكون موجودة في معظم المؤسسات (كما هو الحال بين صفوف الناس الذين يُطلب منهم المشاركة في لعبة تعتمد على الحظ البحت). وعلى المنوال ذاته، وفي دراسة أجرتها بيغي دويار وزملاؤها وراجعت فيها آخر وأكبر الاستثمارات وأكثرها مجازفة ممن قام بها ما يقارب 2,000 مستثمر من مستثمري الصناديق المشتركة، توصّل الباحثون إلى أن الفروقات بين الجنسين كانت ضئيلة للغاية. والأهم من ذلك هو أنّه عندما أضيفت المعلومات المحدّدة التي يمتلكها المستثمرون عن الاستثمارات إلى المعادلة، فإنّ الفروقات بين الجنسين تلاشت أو اختفت تقريباً، ممّا يدل على أنّ ميزة الوصول إلى المعلومات، وليس الميل إلى المجازفة، هو ما يفسّر الفروقات البسيطة التي وثُّقت.

باختصار، هناك براهين كثيرة تناقض كل خرافة من هذه الخرافات الشائعة. ومع ذلك، فهي تظل منتشرة من خلال سرديات متكرّرة تُستحضر لتفسير تأخّر النساء في إحراز التقدّم.

الثقة لدى النساء والرجال

تفسيرات أكثر منطقية

تعتمد مدى قدرة الموظفين على التفوّق والنجاح في مكان العمل جزئياً على المعاملة التي يتلقونها، وأنواع الفرص التي يحصلون عليها. فالأشخاص يميلون إلى التصرّف بطرق تقوّض فرصهم في النجاح عندما يكونون مفصولين عن شبكات المعلومات، وعندما يتعرّضون إلى أحكام أو عقوبات قاسية لا تتناسب مع الأخطاء التي ارتكبوها، وعندما لا يحصلون على تقييم كافٍ لأدائهم. ولسوء الحظ، فإنّ النساء يواجهن هذه المواقف بشكل متكرر أكثر من الرجال. والطريقة التي يتجاوبن بها – سواء من خلال الإخفاق في المفاوضة بقوة، أو في التعبير عن أفكارهن وآرائهن، أو في المجازفة – تُعزى بطريقة غير منصفة إلى “طبيعة المرأة”، في حين أنّ الملام على الأغلب هو الظروف المتفاوتة التي يواجهنها.

تُظهرُ دراسات عديدة، على سبيل المثال، بأنّ النساء أقل وجوداً في الشبكات التي تمنح الفرص لجمع المعلومات الهامة وتحصيل الدعم. وعندما يفتقد الناس إمكانية الوصول إلى المعارف المفيدين والمعلومات النافعة، فإنّ موقفهم في المفاوضات يصبح أضعف. فقد لا يعلمون ما هو المطروح على مائدة المفاوضات، أو ما هي الإمكانات المتاحة، أو حتى عن وجود فرصة لإبرام صفقة. وعندما تعمل النساء ضمن هذه الظروف، فإنّهن يقعن ضمن الصورة النمطية المتعلقة بالجنسين والتي تقول بأنّ “النساء لا يطالبن”.

لماذا تظل سردية الفروقات بين الجنسين مستمرّة؟

تحافظ المعتقدات القائلة بوجود فروقات بين الجنسين على ديمومتها جزئياً لأنها تُعلي من شأن المعايير التقليدية للجنسين، وتحافظ على الوضع الراهن للجنسين، ولا تستدعي أي انقلاب أو ثورة على الممارسات المؤسسية أو ترتيبات العمل القائمة. لكنّها تشكّل المسار الأقل مقاومة لأدمغتنا أيضاً. وثمّة ثلاث أخطاء معرفية موثقة يمكن أن تفسّر استمرار سردية الفروقات بين الجنسين.

أولاً، عندما نسعى إلى تفسير سلوك الآخرين، نميل إلى التفسيرات القائمة على “الصفات الشخصية” المتأصّلة والداخلية – بما في ذلك الصفات “الذكورية” النمطية والصفات “الأنثوية” النمطية – عوضاً عن “العوامل السياقية” (يطلق علماء النفس الاجتماعي على ذلك اسم “خطأ العزو الأساسي” أو “خطأ الإحالة الأساسي”). فعلى سبيل المثال، عندما يتحدّث رجل كثيراً وبشيء من القوّة في اجتماع معيّن، فإننا أميل إلى الاستنتاج بأنّه شخص جازم وواثق أكثر من ميلنا إلى البحث عن تفسير بحسب الحالة، كأن يكون من الذين يتلقون المديح الدائم على إسهاماتهم. وعلى المنوال ذاته، إذا حافظت امرأة على صمتها في اجتماع معيّن، فإنّ التفسير الأسهل هو أنها خنوعة وغير واثقة من نفسها بما يكفي، ويحتاج التوصّل إلى تفسير بديل إلى طاقة ذهنية أكبر، كأن تكون هذه المرأة معتادة على التعرّض للمقاطعة أو التجاهل عندما تتحدّث. باختصار، عندما نرى الرجال والنساء يتصرّفون بطرق تشابه الصورة النمطية المعتادة عن الجنسين، نميل إلى وضع الافتراض الأبسط فكرياً، ألا وهو أنّ سلوكهم يعكس طبيعتهم وليس الأوضاع التي هم فيها.

ثانياً، مجرّد التعرّض إلى مقولات مستمرّة من قبيل “النساء كذا، والرجال كذا”، تجعل الناس ينظرون إلى هذه العبارة على أنها صحيحة. وتتكرر كثيراً العديد من المعتقدات، مثل أنّ الخفافيش عمياء، وأنّ الخضار والفواكه الطازجة مغذية أكثر من المجمّدة دائماً، وأنُنا لا يجب أن نوقظ شخصاً يسير في نومه، إلى حدّ أنّ مجرّد ألفتها تجعلها قبولها أسهل في أدمغتنا بوصفها حقائق. (وهو يسمّى “تأثير التعرّض”).

ثالثاً، عندما يؤمن الناس بأنّ أمراً ما يرقى إلى مصاف الحقيقة، فإنهم يميلون إلى البحث عن البراهين التي تؤكّد موقفهم، وملاحظتها، وتذكّرها، وتجاهل أو نسيان البراهين التي تعارض هذا الأمر. (يطلق علماء النفس على ذلك مصطلح “تحيّز التأكيد”). فإذا كنّا نؤمن بأن الصور النمطية عن الجنسين دقيقة، فإننا نميل إلى توقع، وملاحظة، وتذكرّ الأوقات التي يتصرّف الرجال والنساء فيها بطرق توافق الصور النمطية عن الجنسين، والتغاضي عن الأوقات التي لا يتصرّفون فيها بهذه الطريقة.

رأينا هذا الموقف يتجسّد بوضوح عندما عقدنا مقارنة بين تجربتي شخصين عاملين في مجال الاستشارات سنسّميهما ماري وريك. (في هذا المثال وغيره من الأمثلة التالية، غيّرنا الأسماء وبعض التفاصيل للمحافظة على السرية والخصوصية). كان كل من ماري وريك يعملان في منصبين استشاريين في الإدارة الوسطى في قسم إدارة الثروات في شركة للخدمات المالية. كان ريك قادراً على استقطاب أصول أكثر لإدارتها نظراً لكونه عضواً في مجلس إدارة منظمة غير ربحية، ممّا أعطاه فرصة الوصول إلى تجمّع أكبر من الزبائن المحتملين من ذوي الثروات الطائلة. وما لم تكن ماري تعرفه لسنوات عديدة، هو كيفية حصول ريك على تلك الميزة. فمن خلال حوار غير رسمي مع أحد الشركاء الكبار في الشركة، والذي كان ريك يلعب معه التنس بانتظام، عرف بأنّ هناك أموالاً مخصّصة تصرف لمساعدة المستشارين في تمتين العلاقات مع الزبائن حسب ما يرونه ملائماً. لذلك أجرى ترتيبات تقوم الشركة بموجبها بتقديم تبرع إلى تلك المنظمة. ثمّ بدأ يحضر المناسبات التي تقيمها لجمع التبرّعات، والاختلاط مع أهمم الأشخاص فيها، وفي نهاية المطاف قادته علاقاته وصلاته إلى الفوز بمقعد في مجلس الإدارة. أمّا ماري، في المقابل، فلم تكن تتمتّع بعلاقات غير رسمية مع كبار الشركاء في الشركة، ولم تكن على علم بمستوى الموارد التي كان من الممكن أن تساعدها في الظفر بالمزيد من الزبائن.

عندما يكون الناس أقل وجوداً ضمن شبكة الشركة، فإنهم يكونون أقلّ دراية بالفرص التي تسمح لهم بالحصول على مهام أكبر أو ترقيات، كما أنّ المشرفين عليهم لن يكونوا قادرين على معرفة ما يطمحون إليه. لكن، عندما تخفق النساء في “تأكيد حضورهن” والسعي وراء فرص النمو، فمن السهل الافتراض بأنهن ينتقصن إلى الثقة لفعل ذلك – وليس أنهن يفتقرن إلى المعلومات المطلوبة. ومن الأمثلة التوضيحية على ذلك تجربة جولي التي تشغل حالياً منصب الرئيسة التنفيذية لصندوق استثماري كبير. حيث غادرت جولي شركتها السابقة التي عملت معها لأكثر من 15 عاماً بعد أن علمت بأنّ أحد زملائها الأحدث عهداً منها قد تخطّاها وملأ شاغراً وظيفياً لم تكن تعلم بوجوده أصلاً. وعندما أعلنت عن تركها للشركة، والسبب الكامن وراء ذلك القرار، فوجئ مديرها. وقد أخبرها بأنّه لو كان يدرك بأنها تريد الترقية، لكان وبكل سرور ساعدها على الحصول عليها. ولكن بما أنها لم تكن قد سوّقت لنفسها، افترض بأنها تفتقر إلى الثقة في قدرتها على التعامل مع الوظيفة.

وقد يؤثر رد الفعل على الأخطاء أو الفشل على قدرة الشخص على المثابرة والنجاح. وقد وجدت عدّة دراسات بأنّ خضوع النساء للتدقيق الشديد في كل تفاصيل عملهن أكثر من زملائهن الذكور، يجعل أخطاءهن وحالات فشلهن تخضع لتمحيص أكثر بينما يعاقبن بعقوبات أشد. ويميل الأشخاص الذين يخضعون لتدقيق أكثر تأّنياً إلى عدم التعبير عن آرائهم وأفكارهم في الاجتماعات، وتحديداً إذا شعروا بأنّهم غير محميين ممن حولهم. ولكن عندما تخفق النساء في التعبير عن آرائهن، فإنّ الافتراض الشائع في مثل هذه الحالة هو أنهن يفتقرن إلى الثقة في أفكارهن.

رأينا مثالاً تقليدياً على هذا الموقف في شركة للتقنية الحيويّة لاحظ قادة الفرق فيها بأنّ زميلاتهم، وكلّهن من العالمات والباحثات ذوات المؤهلات العالية، شاركن بشكل أقل في اجتماعات الفِرَق مقارنة بزملائهن الذكور، ولكن في الاجتماعات الثنائية التي كانت تجري معهن في وقت لاحق، كنّ غالباً يقدّمن أفكاراً واستنتاجات مستنيرة مرتبطة بالنقاش الجاري. ما أخفق هؤلاء القادة في رؤيته هو أنّه عندما كانت هؤلاء النساء يتحدّثن في الاجتماعات، كانت أفكارهن إمّا تحظى بالتجاهل حتى يتفوّه بها أحد الرجال من جديد، أو تُهمل بسرعة إذا كانت تحتوي على أي عيب مهما كان صغيراً. وفي المقابل، عندما كانت أفكار الرجال تحتوي على العيوب، يتم التركيز على العناصر الموفقة فيها. وبالتالي شعرت النساء بأنّهن بحاجة إلى أن يكنّ واثقات بنسبة 110% من أفكارهن قبل أن يسعين إلى مشاركتها مع الآخرين. ففي سياق كان ذكاء المرء فيه هو سلاحه الأساسي، بدا من الأفضل له الالتزام بالصمت على التعرّض الدائم إلى رفض أفكاره.

ومن المنطقي بأن يميل الناس الذين ستحتسب خطواتهم الخاطئة عليهم إلى المجازفة بشكل أقل أكثر من غيرهم. كان هذا هو الحال في واحدة من شركات المحاسبة الأربع الكبرى التي طلبت منّا تقصّي سبب قلّة عدد النساء اللواتي يشغلن مناصب قيادية عليا في الشركة. كان السبب بحسب اعتقاد العديدين هو عدم رغبة النساء بشغل هذه الأدوار بسبب مسؤولياتهن العائلية. إلا أن استطلاعنا كشف عن سبب أكثر تعقيداً. أولاً، كان هناك تساوٍ في احتمالات قبول النساء والرجال لأيّ دور قيادي يُعرض عليهم، لكنّ الرجال كانوا أكثر عرضة بنسبة 50% تقريباً إلى تلقّي عرض لدور كهذا. ثانياً، النساء أميل من الرجال إلى القول بأنّ المخاوف من تهديد مساراتهن المهنيّة حالت بينهن وبين السعي وراء الحصول على مناصب قيادية، فقد كنّ يخشين من عدم قدرتهن على التعافي من الفشل، وبالتالي لم يكنّ قادرات على قبول المخاطر التي يجب على القائد الناجح أن يأخذ بها. وتؤكّد الأبحاث بأنّ هذه المخاوف منطقية. فعلى سبيل المثال، توصّلت فيكتوريا برسكول وزملاؤها في دراسات أجروها إلى أنّ النساء العاملات في شركات يهيمن عليها الذكور، وإذا ما ارتكبن أخطاء، فإنهن سيُمنحن مكانة أقل، وسيُنظر إليهن على أنهن أقل كفاءة من الرجال الذين يرتكبون ذات الأخطاء. وقد أظهرت دراسة لآشلي روزيت وروبرت ليفينغستون بأنّ القائدات من ذوات البشرة السوداء تحديداً عرضة للوقوع ضحايا لهذا النوع من التحيّز.

كما تُظهرُ الأبحاث أيضاً بأنّ النساء يتلقّين تقييماً بشكل أقل من الرجال، وبدرجة أقل جودة أيضاً. وعندما لا يتلقى الناس التقييم على أدائهم، فإنهم يكونون أقل ميلاً إلى معرفة قيمتهم في المفاوضات. وعلاوة على ما سبق، فإنّ الناس الذين لا يتلقون تقييماً كافياً، غير مؤهلين بما يكفي لمعرفة نقاط قوّتهم، وإصلاح نقاط ضعفهم، والحكم على فرصهم للتقدم والنجاح، وبالتالي، فإنّهم أقل قدرة على بناء الثقة التي يحتاجونها للسعي بفعالية نحو الترقيات أو اتخاذ قرارات جسورة.

ثمّة مثال على هذا الموقف من شركة استشارية كان موظفو قسم الموارد البشرية فيها هم من ينقلون التقييم السنوي من الشركاء إلى المستشارين. وقد لاحظ موظفو الموارد البشرية بأنّه عندما كانت النساء يُخبرن بأنّ أداءهن كان “على ما يُرام”، كنّ “يصبن بخوف كبير” ويشعرن بالانزعاج من هذا المديح الضعيف. أمّا عندما يتلقى الرجال التقييم ذاته، كانوا يغادرون الاجتماع وهم في غاية السعادة. وقد خلص قسم الموارد البشرية إلى أنّ النساء يفتقرن إلى الثقة بالنفس، وبالتالي فإنّهن حسّاسات تجاه الآراء التقييمية. لذلك فقد نصح الفريق الشركاء باستعمال لغة تشجيعية مع المستشارات تحديداً، والتخفيف مع وطأة النقد الموجّه لهن. ولم يكن العديد من الشركاء راضين عن الاضطرار إلى معاملة مجموعة فرعية من مستشاريهم بلطف زائد، متذمّرين من أنّه “إذا لم تكن النساء قادرات على تحمّل الحرارة، يجب عليهنّ الخروج من المطبخ”. كما يقول المثل الشائع. لكن، ما لم يدركه هؤلاء الشركاء هو أنّ المطبخ كان أكثر حرارة بالنسبة للنساء في الشركة من الرجال. لماذا؟ لأنّ الشركاء كانوا يشعرون براحة أكبر مع الرجال، لذلك فهم يمنحونهم قدراً أكبر من الآراء التقييمية غير الرسمية وبشكل يومي. وعندما كانت النساء يسمعن في اجتماعهن السنوي بأنّ أداءهنّ كان “على ما يُرام”، فإنّ ذلك كان التقييم الأول الذي كنّ يتلقّينه طوال العام، ولم يكن لديهن أي شيء آخر، وافترضن بأنّ أداءهن كان كافياً وحسب. وفي المقابل، عندما كان الرجال يسمعون بأنّ أداءهم كان “على ما يُرام” فإنّ تلك لم تكن أكثر من معلومة واحدة وسط دفق مضطرد من المعلومات. فماذا كانت النتيجة؟ دوران وظيفي أكبر بالنسبة للمستشارات مقارنة مع الدوران بالنسبة للمستشارين، حيث غادرات كثيرات منهنّ الشركة لأنهنّ كنّ يعتقدن بأنّ احتمالات حصولهن على ترقية كانت ضئيلة.

نهج بديل

تكمن مشكلة سردية وجود فروقات بين الجنسين في أنّها تقود الشركات إلى تخصيص الموارد بهدف “إصلاح” النساء، ممّا يعني بأنّ النساء لا يحصلن على ما يحتجن إليه – وما يستحقّه الجميع: وهو السياق الذي يمكّنهن من تحقيق إمكانياتهن الكامنة بالكامل، وتعظيم فرصهن في النجاح.

يعمل المدراء الذين يسعون إلى تعزيز المساواة بين الجنسين في شركاتهم على تبنّي نهج مبني على الفحص النافي للجهالة، حيث يرفضون السيناريوهات القديمة، ويسعون إلى تكوين فهم مُسند بالبراهين حول كيفية خوض النساء لتجربتهن في مكان العمل، ومن ثمّ إيجاد الظروف التي تزيد من احتمالات نجاح النساء. وينطوي هذا النهج على أربع خطوات:

  1. التشكيك في السردية: كانت شركة استشارات عملنا معها قد عيّنت عدداً كبيراً من النساء الموهوبات في مناصب ابتدائية ثمّ واجهت صعوبة في ترقيتهن. فماذا كانت التفسيرات التي قدّمها المشرفون عليهن؟ النساء لا يتمتّعن بالقدر الكافي من حسّ المنافسة، أو يفتقرن إلى الروح الوقّادة، أو لا يمتلكن الثقة المطلوبة للتميّز في الوظيفة. لكنّ هذه السرديات لم تقنع سارة، إحدى المديرات الإقليميات اللواتي لم يكنّ يؤمن بصحّتها، لأنّ عدداً من النساء – العاملات ضمن المنطقة التي كانت تشرف عليها – كنّ يؤدّين المطلوب منهن ويرتقين على مسارهن المهني على قدم المساواة مع زملائهن من الرجال. وبالتالي عوضاً عن قبول تفسيرات زملائها، انتابتها حالة من الفضول.
  1. صياغة تفسيرات منطقية بديلة: استقصت سارة العوامل التي ربما تكون قد ساعدت النساء في منطقتها على النجاح. فوجدت بأنّهنّ كنّ يتلقين تدريبات عملية أكثر، واهتماماً أكبر من المشرفين مقارنة مع زميلاتهن في المناطق الأخرى. وقد دلّت هذه النتيجة على أنّ المشكلة لا تكمن في حال من النقص الموجود لدى هؤلاء النساء، وإنّما في التفاوت في حصولهن على الظروف التي تعزّز الثقة بالنفس والنجاح.

 بغية اختبار تلك الفرضية، صمّمت سارة تجربة بمساعدتنا. أولاً، قسّمت 60 مشرفاً بصورة عشوائية إلى مجموعتين تتألف كل واحدة منهما من 30 شخصاً لحضور جلسة تدريبية حول كيفية تقديم الإرشاد للمستشارين المبتدئين. وقد قدّم المدرّبون في كلتا المجموعتين المحاضرة ذاتها حول كيفية أداء دور المشرف بشكل جيّد. ولكن في إحدى المجموعتين، عرض المدرّبون أبحاثاً تُظهرُ بأنّ الفروقات بين الرجال والنساء في مجال الثقة بالنفس ضئيلة ولا تذكر، وبالتالي أعطوا أعضاء هذه المجموعة “العلاجية” سبباً للتشكيك في الصور النمطية المحيطة بالجنسين. أمّا مجموعة “الضبط” فلم تتلقَ هذه المعلومة. في المرحلة التالية، أعطى المدرّبون جميع المشاركين سلسلة من الحالات المفترضة التي تضمّنت موظفاً ضعيف الأداء (في بعض الأحيان كان الموظف رجلاً، وفي البعض الآخر كانت امرأة). في كلتا المجموعتين، طُلبَ من المشاركين كتابة التقييم الذي سوف يقدّمونه إلى الموظف ضعيف الأداء.

 برزت فروقات واضحة بين المجموعتين. فقد اتّبع المشرفون في مجموعة الضبط مسارات مختلفة مع الرجل والمرأة من ذوي الأداء الضعيف، حيث كانوا أقل نقداً للمرأة، وركّزوا إلى حدّ كبير على مراعاة مشاعرها، في حين قدّموا للرجل رأياً تقويمياً أكثر مباشرة وتحديداً ونقداً، مع اقتراحات ملموسة غالباً حول كيفيّة تحسين الأداء. في المقابل، قدّم المشرفون الذين عُرضت عليهم أبحاث تفنّد الفروقات بين الجنسين في الثقة بالنفس النوع ذاته من التقييم إلى كلا الموظفين. كما طلبوا المزيد من المعلومات التفصيلية حول أداء الموظف المعني ليتمكنوا من تقديم تعليقات بنّاءة. وقد ذهلنا كيف أنّ المشاركين الذين مُنِحوا سبباً للتشكيك في الصور النمطية المحيطة بالجنسين ركّزوا على الحصول على المزيد من التفاصيل حول المشاكل المحدّدة التي تحيط بأداء الشخص المعني.

أكّدت التجربة إحساس سارة بأنّ تأخّر النساء في إحراز التقدّم ربما يكون ناجماً، جزئياً على الأقل، من افتراضات المشرفين بخصوص احتياجات مرؤوسيهم المباشرين من النساء من التدريب والتطوير. وعلاوة على ما سبق، فإنّ نتائجها أعطت المشرفين تفسيراً بديلاً منطقياً لتأخّر النساء في التقدّم – وهو شرط مسبق ضروري لاتخاذ الخطوة التالية. فعلى الرغم من أنّ الشركات المختلفة تجد الأنماط المختلفة من البراهين جذابة أو غير جذابة –ولا تشترط جميع الشركات إجراء اختبار صارم كما كان الحال في هذه الشركة – إلا أنّ المقاربة المُسندة بالبراهين التي تبنّتها سارة توضح جزءاً أساسياً من الاستراتيجية التي ندعو لها.

  1. تغيير السياق وتقييم النتائج: بعد التوصّل إلى تفسير بديل مقنع، بوسع الشركات إجراء التغييرات المناسبة ورؤية ما إذا كان الأداء يتحسّن. وثمّة قصّتان تساعدان في توضيح هذه الخطوة. وكلتاهما مأخوذتان من شركة استثمارات خاصّة متوسطة الحجم كانت تحاول معالجة مشكلة استمرّت لأكثر من 10 سنوات، ألا وهي أنّ معدّلات ترقية واستبقاء الموظفين في الشركة في حالة النساء ذوات البشرة البيضاء والأشخاص ذوي البشرة الملوّنة أدنى بكثير من معدّلات التوظيف فيها.

القصّة الأولى هي قصة إيلين، وهي استشارية أولى أميركية من أصول آسيوية. أرادت إيلين صقل مهاراتها في مجال التمويل، وطلبت من ديف، وهو شريك في الشركة، مساعدته في هذا الجانب في صفقته المقبلة التي سيعمل عليها. فما كان منه إلا أن دعاها لتناول طعام الغداء. ولكن عندما اجتمعا خيّبت أمله. فقد كانت إيلين برأيه تفتقر إلى الجزم وتبدي حذراً مفرطاً. فقرّر عدم إضافتها إلى صفوف فريقه، إلا أنه عاد وغيّر رأيه. فقد كان الشركاء يشكّكون أصلاً في قدرتهم على العثور على أصحاب المواهب وتطويرهم، ولاسيما في حالة المستشارين ممن يختلفون عنهم. لذلك قرّر ديف أن يحاول تطبيق تجربة، فدعا إيلين إلى الانضمام إلى الفريق، ثم بذل جهداً واعياً لمعاملتها تماماً كما كان سيعامل أي شخص آخر يعتبره نجماً متفوّقاً. وقد عرّفها على أهم الأشخاص ذوي الصلة في القطاع، وأخبر البنوك بأنّها ستقود عملية التمويل، ومنحها مجالاً واسعاً للتحرّك، مع قدر كافٍ من التقييم والإرشاد بحيث لا تقع في ورطة. ولم تخيّب إيلين ظنّه، فقد كان أداؤها مذهلاً ورائعاً بحق. ورغم أن سلوك تلميذة ديف الجديدة كان هادئاً، إلا أنها أظهرت قدرة مذهلة على معرفة الزبون، وابتكار طرق خلاقة لتمويل الصفقة.

اقرأ أيضاً: صفات المفاوض الماهر

أمّا المثال الثاني، فيتحدث عن نيد، وهو شريك كان مُصاباً بالإحباط من عدم تمكّن جوان، وهي خريجة حديثاً حاصلة على الماجستير في إدارة الأعمال انضمّت إلى فريقه، من تأكيد حضورها أمام فريق الإدارة أثناء الاتصالات التي يجريها الفريق. في بادئ الأمر، افترض نيد ببساطة بأنّ جوان تفتقر إلى الثقة. لكن خطر له لاحقاً بأنّه ربما يكون قد وقع في شباك الصور النمطية حول الاختلافات بين الجنسين، وأجرى مراجعة أوثق لسلوكه هو شخصياً. لاحظ نيد بأنّه لم يكن يسهّل عليها المشاركة، بل كان يفعل أشياء تصعّب عليها الإدلاء بدلوها، مثل السيطرة على الحديث أثناء اتصالات فريق الإدارة. لذلك تحدّثا حول الأمر، وأقرّت جوان بأنّها كانت تخشى ارتكاب الأخطاء، وكانت تفرط في الإدراك بأنّها إذا نطقت، فهي بحاجة إلى قول شيء ينمّ عن الذكاء. وأدرك نيد بأنّه هو الآخر كان يخشى من أن ترتكب خطأ أو ألا تضيف أي قيمة إلى النقاش، وهذا يفسّر جزئياً السبب الذي كان يدفعه إلى تولي زمام الكلام دائماً. ولكن بعد التأمّل، رأى بأنه لن تكون نهاية العالم إذا ما تعثّرت جوان – فهو نفسه يتعثر مراراً وتكراراً. وفي اتصالاتهما القليلة التالية، كانا يجريان مراجعة لجدول الأعمال سلفاً، وكانا يعملان على الأجزاء التي ستتولّى هي القيادة فيها، ثم يعطيها بعض الآراء التقييمية في أعقاب المكالمة. لقد بات لدى نيد الآن زميلة حديثة العهد يستطيع إيكال المزيد من المهام إليها. أمّا جوان فقد باتت الآن أكثر ثقة وتعلّمت بأنّ بوسعها المجازفة والتعافي من الأخطاء.

  1. الترويج للتعلم المستمر: أدرك كل من ديف ونيد بأن ميلهما إلى الاستنتاج بسرعة وإصدار الأحكام بناءً على الصور النمطية كان يحرمهما – ويحرم الشركة – من مواهب هامة. وعلاوة على ذلك، فقد رأيا بأم أعينهما كيف يمكن للتشكيك في الافتراضات والسعي إلى تغيير الظروف بشكل استباقي أن يمنح النساء الفرصة لكي يتطوّرن ويتألقن. لا تزال الدروس من هذه التجارب الضيّقة النطاق مستمرّة، فالشركاء في الشركة باتوا يجتمعون بانتظام ليناقشوا الأمور التي تعلموها. كما أنّهم يحمّلون بعضهم البعض مسؤولية التشكيك في التقييمات التي تقوم على صور نمطية تجاه الفروق بين الجنسين عند حصولها ويعملون على اختبارها. ونتيجة لذلك، فإنّ السرديات القديمة حول القيود الموجودة لدى النساء بدأت تفسح المجال لسرديات جديدة حول كيفية تقديم الشركة أ لدعم أفضل للموظفين. 

تُعتبرُ الخطوات الأربع التي بيّناها هنا متناغمة مع الأبحاث التي تشير إلى أنّه عندما يتعلّق الأمر بقضايا صعبة مثل الجنس والعرق، فإنّ المدراء يتجاوبون بإيجابية أكبر عندما يرون أنفسهم جزءاً من الحل عوضاً عن أن يكونوا جزءاً من المشكلة. ولا يكمن الحل لمشكلة تأخّر النساء في إحراز التقدّم في إصلاح النساء أو مدرائهن، وإنما في إصلاح الظروف التي تقوّض فرص النساء، وتعزّز الصور النمطية عن الجنسين، وتصحيح الأفكار الخاطئة عن الرجال والنساء، إضافة إلى ذلك، ومن خلال تبنّي منهج استقصائي مُسند بالبراهين لفهم السلوك، يمكن للشركات ألا تكتفي بمعالجة الاختلال في المساواة بين الجنسين فحسب، وإنما تعزيز ثقافة التعلّم التي تمنح كل الموظفين الفرصة لإبراز إمكاناتهم الكاملة.

اقرأ أيضاً: 

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .